إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 28 فبراير، 2014

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

الحمد لله وبعد: فتنقسم اللغة العربية القديمة إلى قسمين: شرقية وهي الأكدية (البابلية والأشورية) وهي لغة عرب ما بين النهرين والهلال الخصيب، وغربية وهي تنقسم إلى قسمين: شمالي (الكنعانية والفينيقية) وهي ممتدة من شمال جزيرة العرب إلى حوض البحر المتوسط، ويتفرع عنها الموءابية والعبرية والآرامية، وجنوبي (عربي شمالي وعربي جنوبي) وهي ممتدة من وسط جزيرة العرب إلى جنوبها مع سواحل أفريقيا الشرقية والحبشة، وتمتد شمالًا حتى تدخل العراق.
وقد يستقيم لنا القول: إن اللغة العربية قد مرت بثلاث مراحل: الأولى هي العربية القديمة كالعاديّة والثموديّة والأكديّة والفينيقية. والمرحلة الثانية: هي العربية المتوسطة كالآشورية والبابلية والكنعانية وما تفرع عنها من عبرية وآرامية وجنوبية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العربية الحديثة (الفصحى).
وإيضاحًا لذلك نقول: إن أقدم الحضارات المشهودة على ظهر الأرض هي الحضارة السومرية (ويُعتقد أنهم بقايا قوم نوح عليه السلام الذين نجوا من الطوفان) ويرجح البعض أن أوّل أمرهم كان قبل (6000) من الميلاد، علمًا بأنه لم يبق من الشعوب سوى ذرية نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: 77]. فنوح  عليه السلام هو أبو البشر الثاني.
ويقال: إن نسل نوح عليه السلام ثلاثة وهم: سام حيث بقي نسله في الهلال الخصيب والشام وجزيرة العرب وشمال إفريقيا، وحام ويُظن أن نسله في جميع إفريقيا ــ خلا شمالها ــ، ويافث وقد انتشر نسله في آسيا وأوربا (مع اختلاط هذه السلالات في كثير من المناطق).
والسومريون يعودون ــ أو غالبهم ــ إلى الشعوب السامية المتفرعة من سام بـن نوح عليه السلام ، وإليهم ترجع أقدم حضارة إنسانية معروفة، وهم أول من شق القنوات الزراعية وأنشأ السدود وصنع بعض الصناعات البدائية، كذلك إليهم تنسب أقدم الكتابات البشرية وهي المسمارية (وهي أنماط منحوتة على الحجر أو الطين أو المعادن) ثم تبعها اختراع الكتابة التصويرية (أي نقش الصور ورسمها لتدوين المراد، كلغة المصريين القدماء) ثم تبعتها الأبجدية الأولى (أي كتابة الأحرف الصوتية اللسانية) على يد الفينيقيين العرب ولا زال معمولًا بها حتى الآن. مع التنبيه إلى تعليم الله تعالى لآدم عليه السلام أسماء كل شيء، وقدرته على الخطاب، فالموضوع في الكتابة وليس النطق.
ثم نشأت على أنقاض الحضارة السومرية الحضارة الأكدية (3000ق.م) بشقيها الآشوري والبابلي، وما تفرع عنها من الكلدانيين (الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام) كذلك الكنعانيين الساميين الذين فارقوا حضارتهم السومرية إلى جزيرة العرب أولًا, ثم انتقل كثير منهم إلى حوض المتوسط الشرقي والجنوبي وبعض الغربي, وبقي بعضهم في حرّان.
وبالتحليل الجينوغرافي (دراسة السلالات عن طريقة الجينات الوراثية) قامت به الجامعة الأمريكية في بيروت، تبيّن أن 99% من شعوب شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه يعودون إلى جين J2 وهو نفس الجين الذي يحمله سكان جزيرة العرب.
ومع هجرة الساميين إلى جزيرة العرب استوطن بعضهم جنوبها الغربي وبنوا حضارات مشهورة، كذلك فقد وصلوا للسواحل الأفريقية وتوغلوا إلى وسط إثيوبيا.
أما الفينيقيون الساميون فإنهم انتقلوا من شرق جزيرة العرب إلى شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه ــ كما أسلفنا ــ وأسسوا حضارة عريقة وعظيمة امتدت إلى جزر بعيدة في المحيط الأطلسي، بل وصلت تجارتهم لأمريكا الجنوبية إذ وجدت بضائعهم مع بقايا حضارات القارة الأمريكية الجنوبية القديمة كالمايا وغيرها, وهي البضائع التي تحمل شعارات الفينقيين وبعض رسوم آلهتهم الوثنية.
وعلى أنقاض الفينيقيين قامت حضارة جديدة ــ غير ساميّة ــ وهي حضارة الإغريق (اليونان) الذين خرّجوا الفلاسفة المشاهير كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وأسسوا المعابد الوثنية خاصة في أثينا وهي الحضارة الهيلينية، ومن أشهر قوادهم وحكامهم الإسكندر المقدوني.
ثم على أنقاض الإغريق قامت حضارة جديدة آتية من سهول أوروبا, وهي الحضارة الرومانية التي عُمّرت طويلًا واشتهرت بالطغيان والجبروت, كحال من سبقها من بعض الحضارات الكبرى، وكانت نهايتها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى على يد الأمة المسلمة، لكنها بقيت بعد ذلك طويلًا في شرق وجنوب وعمق أوروبا.
وعليه نقول: إن الفينيقيين العرب هم أول من أبدع الأبجدية المعمول بها حاليًّا، وعنهم أخذت اللغات الأخرى أبجدياتها، بل أخذوا حتى أشكال الكثير من حروفها، ذلك أن الفينيقيين كانوا أمة تجارة وتواصل مع الأمم الأخرى, فاحتاجوا لتدوين كثير من أمورهم, فتفتقت عبقريتهم عن تلك الأبجدية الفريدة، ومن أمثلة ما أخذته الأمم عنهم في أبجدياتها ما نراه في اللغة الإنجليزية الحالية، فإن كثيرًا من حروفها يتطابق شكلًا ونطقًا مع الحروف الفينيقية مثل (Y- u- a – B- D- H- K- L- M- N)، وقد أخذوا حروفًا أخرى فينيقية وأبقوا على شكلها مـع تغيير في نطقها مثل (O- Q- R- W- X) مع ترك اللاتينية والإنجليزية بعض الحروف الفينيقية لثقل نطق حروفها عليهم، لكنها بقيت في اللغة الأم العربية حتى زماننا هذا، وذلك مثل (ح ـ خ ـ ص ـ ض) وغيرها، وبعد تفرق الفينيقيين في المساحات الشاسعة تغيرت لهجاتهم حتى صارت لغات مستقلة كالعربية والعبرية الكنعانية والفينيقية المعروفة والآرامية، وهذه الأخيرة خرجت من رحمها عدة لغات أخر كالنبطية لكن أشهرها السريانية.
 والمشهور أن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام، ولا زالت الكنيسة السريانية تحتفل بعيد نجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي أوقدها له أعداؤه، وكان أول أمر إبراهيم عليه السلام في بابل التي كان مركزها وسط العراق (بقرب مدينة الحلة حاليًّا) وعلى هذا فالآرامية (التي يشتهر أنها لغة المسيح عليه السلام) هي فرع عن الكنعانية الفينيقية العربية القديمة.
 وعلى هذا فإن إبراهيم عليه السلام كان عربيًّا – بهذا الاعتبار - لأن لغته هي السريانية المتفرعة من الآرامية، وكان يتكلم مع زوجات ابنه إسماعيل عليه السلام في مكة ويفهمن كلامه وهن جرهميات عربيات، ثم أخذت اللهجات تتمايز وتتطور مع نحت الزمن لها حتى صارت لغات مستقلة عن اللغة الأم العربية التي تطورت كثيرًا في عهد إسماعيل كما في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه بالضاد إسماعيل»
ثم أخذت تلك اللغة في الرقي والتطور والسمو حتى بلغت المقام الرفيع والسقف الأعلى على الإطلاق في العهد القرشي حيث خلّدها القرآن الكريم فكانت سقفًا أعلى لا يتجاوز لأنها عربية مُبِيْنَة (فصحى) ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]
 لهذا فقد كانت قريش تفتـخر ببيانها على بقية العرب العرباء قبل الإسلام، بل تصفهم بالعجمة مقارنة بلغتهم الفصحى، وقد أقرت لها العرب بذلك التميّز وحكّمتها في أشعارها وبيانها.
ولك أن تقارن اللغة العربية الفصحى بأي لغة عالمية من شرق العالم لغربه فسترى الفرق الشاسع والفارق المبين بينها وبينهن سواء كان في عدد الكلمـات حيث فاقت العربية الإنجليزية 400%، هذا عدا الاشتقاقات المختلفة والجذور الدلالية التصريفية، وسهولة التعريب، كذلك عدد المترادفات للمعنى المتقارب جدًّا حتى إن من لا يعرف العربية يظن أن تلك المترادفات تأتي لمعنى مطابق, ولكن في الحقيقة أن كل كلمة تؤدي معنى مستقلًّا وإن كانت تـخدم المعنى نفسه، ولكن على حسب فصاحة المتكلم تتنوع خياراته ويصيب كبد المعنى برمي لفظه المطابق له.
إذن فاللغات السامية تفرقت, وبقيت منها اللغة العربية بلغاتها المختلفة, إذ العربية القديمة فرع عن السامية، ولك أن تتصور أن اللغات الإفريقية الأمهرية والهروية والسواحلية أصولهن عربية، ويجتمعن مع العربية السائدة في تراكيب وتصاريف بعيدة الجذور الزمانية, حتى صارت لغات مخالفة للفصحى السائدة في الزمن الحاضر.
وهناك من الباحثين من ينازع في كون الآرامية والسريانية تعودان في أصولهما للعربية, بل يرجعونهما رأسًا للسامية القديمة، وهذا قول وجيه، والأمر في ذلك واسع، وليس بين أيدينا سواء في تاريخ الحضارات أو اللغات سند أو دليل قطعي يرجح أيًّا من تلك النظريات.
 والله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بأن علمه البيان والإفصاح عما في خاطره، وسرد ما في خبايا عقله، وفارق بعقله ولسانه الحيوانات المعجمة التي لا تبوح بمكنوناتها إلا بصوت مجرد من حركات اللسان، قال تعالى: ﴿الرحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان﴾ [الرحمن: 1ــ 4].
بارقة: الكتاب كالإنسان. فالعاطفة روحه, والأحكام دمه, والدلائل عقله, والأخبار أعضاؤه. فعلى قدر تمامها ونقصها تكون حياته.
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

صحيفة الاقتصادية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق