إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 7 فبراير، 2014

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني
 حي الله أخانا سعيد, أسعد الله أيامه ولياليه.. وأبلّ بالهناء نواحيه؛ وبعد:
فأتفق معك – عزيزي – في كثير مما عقبت به على مقالي "احذروا كسر الباب" تحت هذا الرابط: http://aldumaiji.blogspot.com/ وبخاصة في أهمية تحرير الروايات التاريخية التي تمس أعظم أجيال بني الإنسان بإطلاق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وإن كنت – غفر الله لك - قد عنونت مقالك بما حسبت أنه سيكون تعقيبًا شموليًا وليس بالتعقيب الخاطف على جملة واحدة, ثم السباحة بعيدًا في لجج اليَمّ عن محاور ذياك المقال. فمرحبًا بك وسهلًا. ولتنعم براجمك بفائق تأملك وعذب حروفك.. ياذا المفاكهة المشوقة.
سأبدأ بتعقيبك, ثم أمخر معك شيئًا من سيلك العرم.. فليسددني إلهي ومولاي.. هو حسبي ونعم الوكيل.
 ألمحت في تصديرك عن طريق رغبتك لكل باحث محقق أن يتسم بالتأمل والشمول والعمق.. الخ ثم ثنيت بفقد كثير من الكتابات التاريخية للمنهجية والدقة واتسامها بالقصور المنهجي.. ثم أسقطت هذه التقدمة على ما خطه بنان أخيك في شأن أمير المؤمنين علي مع أخيه معاوية رضي الله عنهما "مع التسليم بأن أولى الطائفتين بالحق هو علي رضي الله عنه".
ولا أريد الإطالة لكن أذكرك بأن هذا التعبير هو لفظ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه إذ قال فيما رواه أحمد ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق" هذا لفظ الإمام أحمد , ودلالة الحديث ظاهرة, فليس لأحد تقحّم المشاقة وركوب المخالفة, فما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس, سمعنا وصدقنا وأطعنا. فإن رام أحد خلاف هذا المعنى المتبادر فليس له إلا بحديث آخر صحيح صريح فيه معنى يحيل هذا الفهم. ولا أعلمه. فالحذر الحذر من التقدم بين يدي الله ورسوله – يا رعاك الله -.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (4/467): "فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه على حق، وأن علياً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه" إذن فليس في كلامي ما يدل على تخطئة أي صحابي؛ لا أم المؤمنين في سعيها للصلح, ولا معاوية في اجتهاده رضي الله عنهما. كيف والمقال كله في تقرير موقف أولئك الأجلّة في اجتهادهم, ووجوب مراعاة صحبتهم وفضلهم علمهم وديانتهم وحرمتهم, وأنّا لسنا بشيء حتى نخطّئهم أو نتعقبهم! وبهذا تسقط دعواك, أيها الكريم.
وههنا مسألة تشتبه على بعض الناس وهي الخلط بين مسألة: أيهما أولى بالحق علي أم معاوية, ومسألة: قتال الناس مع إحدى الطائفتين أو القعود عنه لأنه قتال فتنة.
فالمسألة الأولى: فقول عامة أهل العلم فيها أن عليّا وأصحابه أقرب الطائفتين للحق, إذ هو ظاهر النصوص. أما المسألة الثانية فقد رجح شيخ الإسلام أن الأقرب للصواب هو رأي القعود عن القتال لأنه قتال فتنة, ونسب هذا القول لأكثر أهل العلم من سلف هذه الأمة وخلفها, وقد خالف في ذلك بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم كالإمامين النووي وابن حجر لأدلة قدموها, والمسألة هنا متجاذبة الاجتهاد, والأقرب تصويب رأي الجمهور في القعود, والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (55/ 35): "وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب, واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة وبينوا أن هذا قتال فتنة" وقال (77/35) "والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارا; لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول: عمار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب.  
وفي الثاني: سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة; وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي; ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين ." وقال في منهاج السنة: (4/219):  "ومنهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين, فليس في الاقتتال صواب, ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية, والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليا كان أولى بالحق. وهذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء, وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان"
هذا, ولي وقفة مع تكذيبك لخبر من ختم القرآن في قيام ليله وأن ذلك غير ممكن عقلًا! وليت عقلك يكف عن بعض المجازفات, فالثقة المطلقة ببداهة الرأي آيلةٌ في ثاني الحال للعطب. ولعلها من كبوات الجياد وهفوات الأمجاد.
والقصة في قراءة ذي النورين للقرآن في ركعة واحدة ثابتة, وقد صححها جماعة منهم ابن عبد البر والطحاوي وقد فعلها غيره من الصحابة ومن بعدهم, كتميم الداري وابن الزبير رضي الله عنهما وعلقمة وابن جبير والشافعي رحمهم الله.
 قال الحافظ في الفتح (2/482): "وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها, ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها" أما بخصوص عثمان رضي الله عنه ففي شرح معاني الآثار للطحاوي (2/ 294) بسنده عن عبد الرحمن التيمي قال: قلت: لا يغلبني الليلة على القيام أحد, فقمت أصلي, فوجدت حس رجل من خلفي في ظاهري, فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت له, فتقدم فاستفتح القرآن حتى ختم ثم ركع وسجد. فقلت: أوهم الشيخ! فلما صلى قلت: يا أمير المؤمنين, إنما صليت ركعة واحدة؟ فقال: أجل, هي وتري"
ويكفي لضابط القرآن أن يقرأ الجزء في نحو ثلث الساعة, فليس الأمر كما أحلته _ عفا الله عنك _ وإن من المعاصرين لمن فعل ذلك, فيحكي الشيخ د. علي الشبل عن الإمام ابن باز رحمه الله يحدثهم عن نفسه أنه صلى العشاء ليلة ثم قام بالقرآن كله في ركعة قبل انفجار الصبح, ويروى عن العلامة الشنقيطي _ صاحب الأضواء _ مثل ذلك. وفي هذا يا صاحبي مقنع.
أما إنكارك لحجية الإجماع مطلقًا فهو ضلال مبين وباقعة مشينة, وإني لفي عجب من أمرك ههنا؟! هل لا زال بيننا من يشكك بحجية الإجماع المنضبط؟ أينك عن قول الله عز وجل: "ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم" وقوله: "فإن تنازعتم في شيء" ودلالته على أن ما اتفقوا عليه ولم يتنازعوا فيه فهو حق وحجة, وقوله: "لتكونوا شهداء على الناس" والشهيد مقبول قوله لثقته وحجيته.. والأدلة من النقل والعقل كثيرة على حجيته وتحريم مخالفته.
فلعلها شبهة قد عنّت لك, فاضرع إلى الله بكشف ما كدّر صفاء علمك, فإنكار حجية الإجماع المنضبط قاصمة للظهر, هداني الله وإياك سبيله وأعاذنا من خذلانه.
ومن باب ذكر الشيء بالشيء – وليس د. سعيد منهم إن شاء الله ولكن تنبيه لغيره - فلدى بعض الناس في ذا الزمان نزعة طيش لمخالفة السائد حتى وإن أطبق عليه سلف الأمة وخلفها, والفرح بالتميز أيّا كان نوع ذلك التميز, كأنه يقول: أنا هنا ولو سرت عريانًا! ورحم الله الإمام أحمد حين أوصى تلميذه بقوله: احذر أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقد يرى بعض المتعجلين أن هذه الحيطة قاتلة للإبداع, ولكنها في الحقيقة حافظة له منمّية لجوهره إن أحسن الناس التعامل معها, وتركوا الفوضى العلمية والعملية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
إبراهيم الدميجي
6/ 4/ 1435
aldumaiji@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق