إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 13 أكتوبر 2023

معنى الافتقار

 

معنى الافتقار

الحمد لله، وبعد؛ فهذه حروف في حدِّ الافتقار ومعانيه وأصله وجذره، فأقول وبالله التوفيق:

الفقر هو الحاجة، والافتقار الاحتياج، فالفقر صفة راسخة لا تزول إلا بزوال الفقر عن طريق الغنى، أما الافتقار فكأن فيه زيادة الإحساس بالفقر سواء كان فقيرًا في الأصل أم لا. وعلى هذا فيصح القول بأن الافتقار هو الفقر، ويصح كذلك أن نزيد بأن الافتقار متضمن للإحساس بالفقر والتوجه جهة المُغني لإزالة فقره.

وبتعبير آخر فالفقر قد يكون حِسّيًّا نابعًا من قرارة النفس وجوعتها لما يسد رمقها الحسي كالمال والغذاء والدواء ونحو ذلك، أو معنويّا ـــ وهو أشدّ ـــ كالحاجة للأمن والسكينة والراحة والطمأنينة والغنيمة والحب، ثم إن هذا الافتقار قد يكون مكتسبًا، أي أن المرء يحرّك قلبه ضراعة وحاجة نحو سبب الغنى أيًّا كان ذلك السبب حقيقيًا كان أو متوهّمًا. وبالعموم فكل مخلوق هو في حقيقته فقير فقرًا مطلقًا لخالقه ومالكه وربه سبحانه وبحمده.

وأعظم الافتقار وأصدقه وأنجعه هو افتقار المرء لربه، فيتأمل ضعفه وفقره ومسكنته وحاجته وعجزه، ثم يرفع ذلك إلى ربه الغنيّ الملك القويّ العزيز الرزّاق الوهّاب، حينها يكون ذلك القلب المهديّ قد التوى على حبل التوفيق والإعانة والرزق والغنى في روحه وجسده ودينه ودنياه، وعلى قدر افتقاره لربه يكون توفيقه ورزقه وغناه. قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) [الزمر: 36]، وقال سبحانه: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) [لقمان: 30].

وفي أصل مادة الفقر والافتقار قال ابن فارس: «الفاء والقاف والراء أَصلٌ صحيح يدلُّ على انفراجٍ في شيء، من عضوٍ أو غير ذلك. من ذلك: الفَقَار للظَّهر، الواحدة فَقَارةٌ، سمِّيت للحُزُوز والفُصول التي بينها. والفقير: المكسور فَقَارِ الظَّهر. وقال أهل اللُّغة: منه اشتُقَّ اسمُ الفقير، وكأنه مكسورُ فَقَار الظَّهر، من ذِلَّتِهِ ومَسْكَنتِه. ومن ذلك:

فقرَتْهم الفاقرة، وهي الدَّاهية، كأنها كاسرةٌ لفَقار الظهر. وبعضُ أهلِ العلم يقولون: الفَقير: الذي له بُلْغَةٌ من عَيْشٍ. ويحتجُّ بقوله([1]):

أمَّا الفَقير الذي كانت حَلُوبَتُه

 

وَفْقَ العِيال فلم يُترَك له سَبَدُ

قال: فجعل له حَلوبةً، وجعَلَها وَفْقًا لعياله، أي قوتًا لا فَضْلَ فيه. وأمَّا الفقير فإنَّه مَخرَج الماءِ من القناة، وقياسُه صحيح، لأنّه هُزِم في الأرض وكُسِر. وأمَّا قولهم: أفْقَرَكَ الصَّيدُ، فمعناه أنَّه أمكَنَك من فَقَارِه حتَّى ترمِيَه.

وسَدَّ اللهُ مَفاقِره، أي أغناه وسَدَّ وجوهَ فقره، قال:

وإِنَّ الذي ساقَ الغنَى لابنِ عامرٍ

 

لَرَبِّي الذي أرجو لسدِّ مَفاقرِي»([2])

 وقال ابن منظور: «الفَقْر والفُقْر ضد الغِنى مثل الضَّعْفِ والضُّعْف([3])، وقَدْرُ ذلك أَن يكون له ما يَكْفي عيالَه، ورجل فَقِيرٌ من المال وقد فَقُرَ فهو فَقير، والجمع فُقَراءُ، والأُنثى فَقِيرةٌ من نسوة فَقَائِر. وقال يونس: الفَقِيرُ أَحسن حالًا من المسكين. قال: وقلت لأَعرابي مرةً: أَفَقِيرٌ أَنت؟ فقال: لا والله بل مسكين، فالمسكين أَسوأُ حالًا من الفقير([4]). وقال ابن الأَعرابي: الفَقِيرُ الذي لا شيء له، قال: والمسكين مثله.

والفَقْر الحاجة، وفعله الافْتِقارُ، والنعت فَقِيرٌ، وفي التنزيل العزيز: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) [التوبة: ٦٠] سئل أَبو العباس عن تفسير الفَقِير والمسكين فقال: قال أَبو عمرو بن العلاء فيما يَروي عنه يونُس: الفَقِيرُ الذي له ما يَأْكل، والمسكين الذي لا شيء له. وقال الأَصمعي: المسكين أَحسن حالًا من الفَقِيرِ، قال: وكذلك قال أَحمد بن عبيد، قال أَبو بكر: وهو الصحيح عندنا لأَن الله تعالى سَمَّى من له الفُلْك مسكينًا فقال: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) [الكهف: ٧٩] وهي تساوي جُمْلة، قال والذي احتج به يونس من أَنه قال لأَعرابي أَفَقيرٌ أَنت ؟ فقال: لا والله بل مسكين. يجوز أَن يكون أَراد لا والله بل أنا أَحسن حالًا من الفقير.

وقيل: الفَقِيرُ الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يَكْفِيه. وإِليه ذهب الشافعي ؓ، وقيل فيهما بالعكس، وإِليه ذهب أَبو حنيفة رحمه الله تعالى.

قال الأَزهري: الفَقِيرُ أَشد حالًا عند الشافعي رحمه الله تعالى، وقال ابن عرفة: الفَقِيرُ عند العرب المحتاج، قال الله تعالى: (أنتم الفقراء إلى الله) [فاطر: ١٥] أَي المحتاجون إِليه.

والمُفَقَّر من السيوف الذي فيه حُزُوز، يقال: سيف مُفَقَّر، وكلُّ شيء حُزَّ أَو أُثِّرَ فيه فقد فُقِّرَ وكان اسم سيف النبي ﷺ ذا الفَقَارِ، شبهوا تلك الحزوز بالفَقارِ، قال أَبو العباس: سمي سيف النبي ﷺ ذا الفَقار لأَنه كانت فيه حُفَرٌ صِغار حِسانٌ ويقال للحُفْرة فُقْرة وجمعها فُقَر([5]).

وقال الجوهري: الفَقِيرُ حفير يحفر حول الفَسِيلة إِذا غرست، وفَقِيرُ النخلة حفيرة تحفر للفسيلة إِذا حوّلت لتغرس فيها، وفي الحديث قال لسلمان: «اذهب ففَقّر الفسيل»([6]) أَي احْفِرْ لها موضعًا تُغْرَسُ فيه واسم تلك الحفرة فُقْرَةٌ وفَقِيرٌ. والبئر العتيقة فَقِير وجمعها فُقُر وفي حديث عبد الله بن أنيس ؓ: «ثم جمعنا المفاتيح فتركناها في فَقِيرٍ من فُقُر خيبر» أَي بئر من آبارها»([7]).

قلت: والفقير أشد حاجة من المسكين ولهذا ابتدأ الله به في آية مصارف الزكاة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) [التوبة: ٦٠] بل وتقديمه على المسكين مضطرد في التنزيل، وهذا دالٌّ على شدة عوز المُقدّم على غيره.

وفي المحيط: «الفَقْرُ: الحاجَةُ، وفِعْلُها الافْتِقَارُ، والفُقْرُ لُغَةٌ رَدِيئةٌ.

وأغْنى اللّهُ مَفاقِرَه: أي وُجُوهَ فَقْرِه. وقيل في قَوْله: رَأيْتُ اليَتَامى لا تُسَدُّ فُقُوْرُهُمْ، أي مَفَاقِرُهم وجُوْعُهم»([8]).

وفي التهذيب: «أخبرني المنذري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي أنه أنشده للبيد:

لما رأى لُبَدُ النُّسُوَرَ تطايرتْ

 

رَفَعَ القوادمَ كالفَقير الأعزَلِ

وقال: الفقير المكسور الفقار، يضرب مثلا لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور»([9]).

قلت: فعاد الفقر للحاجة للغير على أي وجه كان.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

إبراهيم الدميجي

28/ 3/ 1445

aldumaiji@gmail.com

 



([1])  أي: بقول الراعي النميري.

([2])  معجم مقاييس اللغة لابن فارس (4/443 - 444).

([3])  ولعاصم قراءتان صحيحتان في آية سورة الروم: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة). وهما بفتح الضاد وضمّها في المواضع الثلاثة من الآية الكريمة.

([4])  والمشهور عند جمهور الفقهاء أن الفقير هو الذي لا يجد شيئًا، أما المسكين فهو الذي يجد شيئًا لكنه دون كفايته ومن يعول.

([5])  وجمع فَقرة ــ إذا فتحنا الفاء وهو استعمال صحيح ـــــ : فَقْرات، وفَقَرات، وفِقَر، وفَقَار.

([6])  بنحوه في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/108).

([7])  لسان العرب (5/ 60).

([8])  المحيط في اللغة (1/ 473).

([9])  تهذيب اللغة (3/ 213).

الخميس، 12 أكتوبر 2023

فضل الافتقار الاختياري إلى الله تعالى

 فضل الافتقار الاختياري إلى الله تعالى

 

الحمد لله ربِّ الأرض وربّ السماء، خلق آدم وعلّمه الأسماء، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء، وحذّره من الشيطان ألدّ الأعداء، ثم أنفذ فيه ما سبق به القضاء، فأهبطه إلى دار الابتلاء، وجعل الدنيا له ولذريته دار عمل لا دار جزاء، وتجلّت رحمتُه بهم فتوالت الرسلُ والأنبياء، وما منهم أحد إلا جاء معه بفرقان وضياء، ثم ختم الرسالات بالشريعة الغراء، ونزّلَ القرآن لما في الصدور شفاء، فأضاءت به قلوب الأتقياء. أغنى الناس من افتقر إليه، وأسعدهم من فاز بالزُّلفى لديه.

أحمده تبارك وتعالى على النعماء والسرّاء، وأستعينه على البأساء والضراء، وأعوذ بنور وجهه الكريم من جَهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وأسأله عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سميعٌ بصيرٌ يرى ويسمع النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، أجرى الأمور بحكمته، وقسم الأرزاق وفق مشيئته. وأشهد أن نبينا محمدًا خاتمُ الرسل والأنبياء، وإمام المجاهدين والأتقياء، هو القدوة النيّرة في الصبر على البلاء، والعمل لدار البقاء. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلّاء، وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء، ما تعاقب الصبح والمساء، وما دام في الكون ظلمة وضياء.

أما بعدُ؛ فإن توحيد الافتقار الاختياري إليه الله تبارك وتعالى وحده معدود من سنام دين الحنفاء، بل هو لُبَابُ دعوةِ الأنبياء، فيا أيها الفقير الكسير الحسير المسكين المذنب الخاطئ الذليل تعلق به دون سواه، وتب إليه واستغنِ به وحده لا شريك له، وادعه بقلب حاضر صادق مخلص؛ فلله نفحات لطف وساعات إجابه وأرزاق برٍّ مَنْ أنعمَ عليه بها فهو من الفائزين، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، [فاطر: 15].

أما حدُّ الفقر فهو الحاجة، والافتقار الاحتياج، فالفقر صفة راسخة لا تزول إلا بزوال الفقر عن طريق الغنى، أما الافتقار فكأن فيه زيادة الإحساس بالفقر سواء كان فقيرًا في الأصل أم لا. وعلى هذا فيصح القول بأن الافتقار هو الفقر، ويصح كذلك أن نزيد بأن الافتقار متضمن للإحساس بالفقر والتوجه جهة المُغني لإزالة فقره.

وبتعبير آخر فالفقر قد يكون حِسّيًّا نابعًا من قرارة النفس وجوعتها لما يسد رمقها الحسي كالمال والغذاء والدواء ونحو ذلك، أو معنويّا ـــ وهو أشدّ ـــ كالحاجة للأمن والسكينة والراحة والطمأنينة والغنيمة والحب، ثم إن هذا الافتقار قد يكون مكتسبًا، أي أن المرء يحرّك قلبه ضراعة وحاجة نحو سبب الغنى أيًّا كان ذلك السبب حقيقيًا كان أو متوهّمًا. وبالعموم فكل مخلوق هو في حقيقته فقير فقرًا مطلقًا لخالقه ومالكه وربه سبحانه وبحمده.

وأعظم الافتقار وأصدقه وأنجعه هو افتقار المرء لربه، فيتأمل ضعفه وفقره ومسكنته وحاجته وعجزه، ثم يرفع ذلك إلى ربه الغنيّ الملك القويّ العزيز الرزّاق الوهّاب، حينها يكون ذلك القلب المهديّ قد التوى على حبل التوفيق والإعانة والرزق والغنى في روحه وجسده ودينه ودنياه، وعلى قدر افتقاره لربه يكون توفيقه ورزقه وغناه. قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) [الزمر: 36]، وقال سبحانه: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) [لقمان: 30].

ولما كان الله تعالى هو الخالق المالك المدبر ـــ وتأمل هذه الثلاث التي تنتظم توحيد الربوبية ـــ فلا يخرج شيء في ملكه عن قدرته ومشيئته وحكمته ورحمته، وكان العبد هو المخلوق المملوك المُدّبَّر الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا حياة ولا موتًا، ولا إعطاءً ولا منعًا؛ فهو هباءٌ صغير فقير في جملة هذا الكون الشاسع الفسيح، فإن مسألة حاجة العبد التامّة وافتقاره المطلق ومسكنته البالغة لغنى ربه وقوته ورحمته ولطفه تكون شديدة الوضوح والسطوع في بصر العبد وبصيرته، ذلك أن العبد كله لله وبالله ملكًا وإعانة فأين إذن استغناؤه ولمن يا ترى فراره؟!

والافتقار نوعان:

الأول: افتقار اضطراري، وهذا لكل مخلوق لا ينفك عنه مهما بلغ به التيه والكبر ووهم الاستغناء، وهذا النوع لا يُحمد المخلوق عليه لأنه لا اختيار ولا خيار له فيه البتة.

الثاني: افتقار اختياري، وهو المحمود صاحبه، والمُوفَّق فاعلُه، ومعناه التوجّه بكليّة القلب إلى الله، فيحدّث نفسه ويذكّرها دومًا بافتقارها لمولاها، ويملأ قلبه بالامتنان لربه وشدة الحاجة إليه، ويدعو ربه بلسانه وبحاله وبجنانه.

من افتقر فليلذ بالغني الكريم، ولينخ ركابه مستمنحًا عطايا الوهاب البر الرحيم، وكل أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله العظيم فإنك إذا خفته فررت إليه (ففروا إلى الله) [الذاريات: ٥٠] أي الجئوا إليه واعتمدوا في كل أموركم عليه.

والعبد لا ينفك عن افتقار تام لربه سواء في حياة قلبه وغذاء روحه بالعلم والإيمان والتسديد والتوفيق، أو في حياة جسده وتحصيل بلغته من هذه الدنيا التي جعلها الله قيامًا له، حتى إذا وصل لتلك المحلة المنيفة من التعلق والافتقار واللجأ أغناه ربه بأمداد لطفه فازداد علمه بربه ويقينه وإيمانه بموعوده وبارك الله له عمره، قال شيخ الإسلام: «ليس عند القلب أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيبًا إلى الله خائفًا منه راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: (من خشي الرحمن بالغيب) [ق: ٣٣] إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول مرهوبه، فلا يكون عبدًا لله ومحبًّا له إلا بين خوف ورجاء، قال تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذا به إن عذاب ربك كان محذورا) [الإسراء: ٥٧]»([1]).

واعلم أخي الكريم أن افتقار القلب إلى ربه هو محض فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه، والناس متفاضلون في إدراكه والإحساس به والعمل بمقتضاه وما يترتب عليه تفاضلًا كبيرًا. والتوحيد عمود الافتقار  و«الناس في هذا الباب ــ أي التوحيد والإخلاص وكمال التعلق والافتقار ــــ على ثلاث درجات:

منهم من علم ذلك سماعًا واستدلالًا، ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم، ومنهم من وجد حقيقة الإخلاص والتوكل على الله والالتجاء إليه والاستعانة به وقطع التعلق بما سواه، وجرّب من نفسه أنه إذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة؛ فإنه يُخذل من جهتهم، ولا يحصل مقصوده، بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته إليهم فلا ينفعونه، إما لعجزهم وإما لانصراف قلوبهم عنه.

وإذا توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصًا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره. وكذلك من ذاق طعم الإخلاص لله وإرادة وجهه دون ما سواه؛ يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك، بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال؛ يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبّر عنه، وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائمًا، إن كان طالبًا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزينٌ متألم، حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفٌا من زواله وفراقه([2]).

وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

فإذا ذاق هذا فقد ذاق حلاوة الإخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه، وأسلم وجهه لله وهو محسن، بحيث يكون عمله صالحًا ويكون لوجه الله خالصًا؛ فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره، فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة.

ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص الدين لله، ولا أضر عليه من الإشراك، فإذا وجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة (إياك نعبد) مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة (إياك نستعين) كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا»([3]).

وكلما عظم التوحيد في القلب وامتدت جذوره فيه نمت أعصانه الظاهرة على جذع الإيمان، وأينعت ثمرته وطاب مخبره ومظهره. والافتقار إلى الله يمدّ صاحبه بزاد لا يفنى، وروْح لا يضمحل، ولا يزال المفتقر إلى الله يزداد من الغنى حتى تكون شجرة التوحيد في قلبه كالشمس، «والتوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدًّا أدنى شيء يؤثر فيها. ولهذا تشوشه اللحظة([4]) واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر صاحبها وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعًا يتعسر عليه قلعه.

وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه، منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال، ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال.

ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرًا عظيمًا ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه، بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ، فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده؛ فيظهر تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير([5]).

وأيضًا فإن المحل الصافي جدًّا يظهر لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به.

وأيضًا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قوية جدًّا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة. وأيضًا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليُسامَحُ بما لا يسامح به من أتى مثل تلك السيئات، وليست له مثل تلك المحاسن، كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

 

جاءت محاسنه بألف شفيع

وأيضًا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه، كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه، كما يشاهد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها.

هذا وإنّ ترْكَ الشهوات لله ــ وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته ــ فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا يحصل في قلب فيه غيره، وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم. فإنه سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه، وهمته ومتعلقة بغيره. وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله، والغنى فقرًا دون الله، والعز ذلًّا دونه، والذل عزًّا معه، والنعيم عذابًا دونه، والعذاب نعيمًا معه.

وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به، والموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه، فهذا له جنتان: جنة في الدنيا معجلة، وجنة يوم القيامة»([6]).

وبالله الوفيق والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

إبراهيم الدميجي

27/ 3/ 1445

aldumaiji@gmail.com



([1])  مجموع الفتاوى (10/ 215 - 216) وانظرها كذلك في الفتاوى الكبرى (5/ 204).

([2])  ولابن دريد:

وما في الأرض أشقى من محبٍّ             وإن وجد الهوى حلو المذاقِ

تــراهُ باكيًا في كـــل حيـــــنٍ                 مخافـــــة فُرقةٍ أو لاشتيـــــاقِ

فيبكي إن نأوا  شــــــوقًا إليهـم               ويبكي إن دنوا خوف الفـــراقِ

فتسخـــنُ عينه عنـــد التنـــائي               وتسخنُ عينـه عند التـــــلاقي

([3]فتاوى ابن تيمية (10/ 650-652).

([4])  أي لحظة العين، ويقصد بها النظر إلى الحرام.

([5])  ويقع هذا غالبًا في اللمم الذي لا يسلم منه أحد، لكن عظيم التوحيد يستبشعه في ثاني الحال ولا يصرّ عليه ولا يكاد يلتذّ به، بعكس ضعيف الإيمان الذي يستمرئه ويركن إليه ولا يكاد يتوب منه ويقلع عنه.

([6]الفوائد (1/195 - 196).

الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

هل وعد الله أولياءه بالنصر في الدنيا؟

هل وعد الله أولياءه بالنصر في الدنيا؟

 

الحمد لله مُعزّ أوليائه ومذل أعدائه، فلقد وعد الله تعالى أولياءه بالنصر والتمكين والعز والظفر والغلبة، وقد يظن بعض الناس أن نصر الله لأوليائه إنما هو في الآخرة دون الدنيا، وهذا قصور في فهم مراد الله تعالى. قال ابن تيمية ؒ: «نذكر هنا نكتة نافعة؛ وهي أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرًا من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب، وما يصيب كثيرًا من الكفار والفجّار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلًا، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأن العاقبة للتقوى.. وهو ممن يصدق بالقرآن؛ حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فما نرى بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة، والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس، ويعتمد على هذا فيما إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق... والمقدمتان اللتان بنيت عليهما هذه البلية؛ بناهما على الجهل بأمر الله ونهيه وبوعده ووعيده، فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق؛ فقد اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور، وهو على العكس من ذلك، وهذا يكون من جهله بالدين الحق، وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا، وقد تكون العاقبة في الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر، فهذا من جهله بوعد الله تعالى.

أما الأول: فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها وبوجوبها، وما أكثر من يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها، بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم، ويترك ما أوجب، وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل.

وأما الثاني: فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء معذبين؛ بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخرى وسبيل آخر([1]).

ولهذا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين باتّباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى، وأمرهم بانتظار وعده وهي المقدمة الثانية، وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لا بد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار، ولا بد مع انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة، وبالصبر يتم اليقين بالوعد كما قال تعالى: (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) [يونس: 109]»([2]).

ويؤكد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن حصول النصر وغير ذلك من أنواع النعيم لطائفة أو شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى، وذلك أن الخلق كلهم يموتون، فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم([3])، فمن عدّ القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس، بل الفتن التي تكون بين الكفار، وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما يختص بالقتال، فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة، وهي المصائب التي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وغيره، ومن جوع وغيره، وبأسباب خاصة، فالذين يعتادون القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل، بل الأمر بالعكس([4]) كما قد جربه الناس، ثم موت الشهيد من أيسر الميتات([5])([6]).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله ومن تبعه بإحسان.

 

إبراهيم الدميجي

26/ 3/ 1445

 



([1])   ففي الأول لم يَرَ نقص دينه، وفي الثاني لم يفقه وعد ربه، وكلاهما جهل.

([2])  انظر: النبوات، لشيخ الإسلام (247)، ومنهاج السنة النبوية (3/32)، ومجموع الفتاوى (17/102)، وشفاء العليل (202)، وإغاثة اللهفان (2/177)  وقاعدة في المحبة، (140 - 190)، وعنه نقل ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/173 - 187).

([3])  عند الترمذي (1668) من حديث أبي هريرة ◙ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهيد لا يجد أَلَمَ القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة». وحسنه الألباني في المشكاة (3759).

([4])  قال الصدّيق رضي الله عنه: «اطلبوا الموت توهب لكم الحياة».

([5])  قاعدة في المحبة، لابن تيمية،  (149)، وعنه ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/177) وما بعدها.

([6])  وانظر: موقف المسلم عند الفتن، مقال لإبراهيم بن محمد الحقيل، مجلة البيان (195/ 22) بتصرف يسير.