إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 7 أغسطس 2016

‏حينما يخفق القلب وفاءً.. من ذكرياتي مع الشيخ عبد الرحمن الدميجي رحمه الله تعالى إملاء فضيلة قاضي محكمة الاستئناف بالرياض الشيخ: فهد الناصر السليمان حفظه الله تعالى.

حينما يخفق القلب وفاءً..
من ذكرياتي مع الشيخ عبد الرحمن الدميجي رحمه الله تعالى
إملاء فضيلة قاضي محكمة الاستئناف بالرياض الشيخ: فهد الناصر السليمان حفظه الله تعالى.
كتب ابنه عمر السليمان وفقه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت مع والدي الشيخ فهد بن ناصر السليمان - القاضي بمحكمة الاستئناف بالرياض -‏ في لقاء مع مجموعة من طلبة العلم، فرغبوا إليه في الحديث عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله  وقصة جمعه لفتاويه فقال: لعل ذلك يكون في وقت آخر..
فطلبوا منه الحديث عن بدايته في القضاء، فأخبرهم عن عمله في محكمة محافظة الخرمة، و أنه أحبها، وله فيها ذكريات عطرة، والتي عمل فيها قاضيًا بعد تعيينه مباشرة.
وبعد حديث عن مدة عمله ودروسه فيها طلبوا منه ذكر أبرز من عرفه فيها،‏ فذكر أميرها ابن مهنا ‏رحمه الله ودعا له بخير، ثم ذكر  مجموعة من المشايخ ومنهم الشيخ علي القرني والشيخ القباس والشيخ الأحيدب والشيخ التويم والشيخ ابن قعود، وكانوا زملاء عمل، والشيخ إبراهيم الحجي والشيخ محمد العبيسي والشيخ  شجاع الشريف والشيخ عبدالله الدميجي والشيخ خالد الشريف مدير الأوقاف سابقًا والمحافظ حالياً، والشيخ سعد الهويدي، وآخرين من مشايخ القبائل والوجهاء وطلبة العلم وجملة ممن موظفي المحكمة لم أتمكن من تدوين أسمائهم، وأثنى على جميع أهالي الخرمة حاضرة وبادية خيرًا، واعتذر عمن غاب اسمه عن ذهنه، فكثير منهم يعرفه بوجهه لا باسمه.

ثم ذكر شيخاً فاضلًا لم يتمكن من إكمال اسمه حيث غلبه البكاء وهو الشيخ عبد الرحمن الدميجي، فعلمت محبته له ومكانته عنده.
 فأخرجت الهاتف الجوال وفتحت المسجل  ((وأخبرته في ما بعد أنني سجلت فقال: إن شئت فدوّن ما سمعت واحذف التسجيل. ولعله كان لكثرة ما غلبه من التأثر )).
فكان مما قال عنه:
لما باشرت العمل في المحكمة في اليوم الثاني أو الثالث، وكنت عند باب المكتب؛ دخل رجل يعلوه الوقار، فهبّ من كان في ممرات المحكمة يسلّمون عليه ويقبلون رأسه، وهو يمتنع من تقبيلهم رأسه، وأسمعهم يقولون: الشيخ عبدالرحمن، الشيخ عبدالرحمن! فسألت من كان بجانبي عنه فقال: هو الشيخ الدميجي، مدير المدرسة الثانوية سابقاً ومدير الدعوة في المحافظة، فأقبلت عليه مسلّماً ومعانقاً.
دخل معي للمكتب مباركاً لي مباشرة العمل، وداعياً لي بالتوفيق والسداد، ومتحدثاً عن الدعوة الى الله في الخرمة، طالباً المشاركة في الدروس والمحاضرات.
يأسرك بحديثه وتواضعه!
نبرات صوته الهادئ يغشاها الحب ويجللها الإخلاص!
نظراته تشع باللطف!
 كلماته معدودة حتى تتمنى ألا يسكت!
 لم يُطل الجلوس، ودعاني للغداء أو العشاء فاعتذرت فقال - وقد عرف سبب تمنعي -: ليس في بيتي، ولكن في ضيافة الدعوة، فوعدته خيراً.
كان من دخل المكتب من المراجعين يسلّم عليه قبل أن يسلم عليّ، فقلت: الحمد لله، هؤلاء الذين يقدّرون شيخهم وأهل الفضل فيهم حريّ بهم الخير، وكانوا كذلك، ولله الحمد.
سمعته يبادلهم التحية بالتحية، والترحيب بالترحيب، ويقول: سلّموا على الشيخ سلموا على القاضي قبلي، فأقول: أنت الشيخ. وعرفت حينئذً تفسير ما شاهدته عند باب المحكمة من محبة الناس وإجلالهم له.
ووقع في قلبي من حينها صدقُ الرجل وخشيتُه لله، ولا أزكي على الله أحداً!
ثم توالت اللقاءات معه طيلة بقائي في الخرمة - أربع سنوات تقريبًا - أبًا وشيخًا ومعينًا ومستشارًا، سيما وقد كان مستشارًا خاصًّا لأمير الخرمة عبدالله المهنا رحمه الله.
وقد اجتمعنا سوياً في اجتماعات رسميّة فكان رأيه وقوله هو الفيصل، يطرحه بهدوء وفي تواضع للنظر فيه وهو قد حبره تحبيراً!
كان قمة في التواضع.
تواضع يعلوه وقار.
تواضع تجلله هيبة.
لا تعرفه من بين جلسائه لتواضعه.
اشتهر بالتسامح والتغاضي عن الهفوات.
تعلو محياه الابتسامة، مع ما يعانيه من مرض يفطن له من أحبّه وعاشره.
بشاشة وجهه ظاهرة مع لمسة ألمٍ يدركها محبّه. 
بذل نفسه للدعوة والدعاة، تولى ادارة الأوقاف والمساجد فكان الإداري الناجح، ولم يختلف يومًا مع المحكمة في وقف أو في إقامة جمعة.
ينسّق للمحاضرات، ويدعو المشايخ وطلبة العلم لزيارة المحافظة لإلقاء الدروس والمحاضرات واللقاءات.  وطلب مني استضافة من يأتي من خارج المحافظة في منزلي لمدة نصف ساعة قبل المحاضرة لما كان يعتقده من أثرٍ حينما يستضيف قاضي البلد المحاضر، فقلت: على الرحب والسعة.
كان مصلحاً لم يتردد في ما يطلب منه يقوم على الصدقات وتوزيعها بامانة وتحري وانجاز يسابق به الأصحاء والشباب.
كان الطيب لا يفارقه، كم شممته فيه وأنا أقبل رأسه، مع تمنعه من التقبيل، إلا أنني كنت أتمكن من تقبيل رأسه لفارقٍ في الطول قليل، فيمسك بيدي ليقبلها فأرفع يده مانعًا له مقبلاً لها. فيقول: (نحشنا من القوم وطحنا في السرية) فأُذكّره أنني لم أقبل رأسه حينما دخل علي المحكمة أول مرة خشية أن تكون له خصومة، فكان يضحك رحمه الله رحمة واسعة.
لم يتدخل يوما في قضية معروضة علي، مع علم الجميع بمكانته عندي، ولكن كان الحق عندي وعنده أحب وأعلى.
عًرف عنه الصلاح والتقوى والبر وصلة الرحم واصلاح ذات البين والدعوة الى الله وإكرام الدعاة.
كان آخر عمل رسمي معه طلبه رفع معاملة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للإذن بإقامة الجمعة في مسجد بناه لوالده رحمه الله، وقد بشّرني بعد ذلك هاتفيًّا بصدور الموافقة على إقامة الجمعة، وكان فرحاً مسرورًا بذلك.  
وإن أنسى فلن أنسَ ذلك الموقف الحزين حينما بلغه خبر نقلي من محكمة الخرمة عام ١٤١٧ بناءً على طلبي، فدخل علي المكتب - وكنت وقتها رئيسًا للمحكمة - فقمت له وأنا أكاد أتعثر في مشيتي، ورأيت وجهه وقد طغى عليه التأثر، ولم أعهده هكذا من قبل!
 فجلس يحوقل ويسترجع، فأخبرته: أنه لولا الوالدة والوالد ما طلبت النقل، فأنت لي كالوالد، فرقّ لي ودعا بخير، ولا زلت أذكر كلمته حينما قال: ((لك غرس في هذا البلد أخشى أن لا يجد من يعتني به!)) يعني بهم من يحضر ما تيسر لي من الدروس. فقلت: الحمد لله، الغرس عروقه في الأرض، وبفضل الله، ثم وجودك وإخوانك يستوي على سوقه. فطلب تأجيل النقل - ولو لسنة واحدة - ثم ألحّ في ذلك فوافقت إكراماً له، وسافر للرياض مع مجموعة من المشايخ لا تحضرني أسماؤهم الآن، واخشى أن أترك أحدهم، وراجعوا مجلس القضاء وأكثروا  الطلب إلا أن المجلس طلب خطاب تنازل عن النقل، ولم يوافق على التأجيل. 
وعند رحيلي اختلطت دموعي بدموعه، ومشاعري بمشاعره، فلم أدرِ من الراحل أنا أو هو؟! 
كل الذي أدريه أنني تركت بعضي عنده، ورحلت بمحبته!
ووعدته وكلّ من حضر للوداع من الأحبة الكرام أن أزور الخرمة كل سنة، وعملت بذلك حسب الوسع والطاقة.
أزورها في شعبان وألقي محاضرة عن أحكام الصيام، أو في ذي القعدة وألقي محاضرة عن الحج.
وأخصه هو إما قبل المحاضرة أو بعدها بالسلام.
وفي عام ( ١٤٢٨ ) كان السلام عليه مختلفًا عن كل الأعوام الخاليات، فلم يكن السلام عليه في بيته، أو في مركز الدعوة كالعادة، بل كان السلام عليه في قبره!
حيث توفي في جمادى الآخرة رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
والموعد الجنة برحمة الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وفي الجعبة عنه الشيء الكثير، فلعل الله أن ييسر الحديث عنه في وقت آخر، والله المستعان.
وكم أتمنى إقامة وقف في الخرمة باسم: (وقف الشيخ عبدىالرحمن الدميجي للدعوة).
فقد كانت الدعوة من أحب الأعمال إليه، وله أعمال صالحة بحمد الله وعقبٌ صالح مبارك، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.   إنتهى
نقله: عمر بن فهد بن ناصر السليمان
الرياض 1/ 11/ ١٤٣٧


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق