إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 24 يوليو 2012

إلى أخي: عبدالله العلويط


إلى أخي: عبدالله العلويط



   الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله  وصحبه وحزبه, وبعد:

    فالرد من أجل الرد والمماراة مذمة، ومن أجل العلو منقصة، ومن أجل البيان النافع نصح وإحسان. ولا إخال كثير من ردودنا سالمة من حظ نفس أو قصد ترف. لذا فلا ينزعج أو يحزن من لم يلق من أخيه مجاراة لسجال، أو طول نفس في المتابعة.

   وإني لأزعم أني كاره للردود, وغير حفي بسجالها إلا الأقل النادر، إذ لا تخلو من تكدير صفو بين المحبين، بل بين المرء ونفسه. فأستميح الإخوة عذراً في السالف واللاحق إن رجع صداهم خليّاً، فليست المسألة مقصودة لشخص, بقدر ما هي سابلة نهجتها إلا على سبيل الاستثناء والندرة، بغير حط من قدر قلم، بل ربما كان الرد أرصن من الأصل، ولكن لعلها من باب تَألَّقَ البرق نجدياً فقلت له..أو كما قال عبد يغوث:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا   **   فما لكما في اللوم نفع ولا ليا

ألم تعلما أن الملامة نفعها   **   قليل وما لومي أخي من شِماليا

والجادة؛ نفعه بشروطه..

   وقد قرأت ما خطه الأخ العلويط, فساءني نَفَسُ الجرأة على السنة، والقفز على الثوابت, على زاملة التزوير التي يسمونها تنويراً، وحقيقتها استنواق وإِدْهان وتمييع. وكم لها من قتيل وصريع!

   وقدد ردد أخي عبدالله مفردات, وصاغها في قوالب عفى عليها زمن أهل الصليب المستشرقين, ثم القوميين والماركسيين, ثم العلمانيين والحداثيين, ومازال ورثةُ وثنيةِ بوصلتهم الليبراليين(1) يكررون الطّرْقَ بها, علّهم يوهنون الجبل نطحاً, فباؤا بخيبة وخسار. لكن تقارير راند مرّت من هنا, فأوصت بما أوصى به سدنة الاستشراق قديماً؛ بأن جدار الإسلام لا يهدمه إلا يد بنته, أو وَلَدها من بناه, فكان تيار الانهزام والخنوع والشهوات المقنعة, المسمى زوراً التنوير. واتحد موردهم مع الليبراليين ولو بدون قصد من بعض فضلائهم, ولكن طريق البصرة يجمع البصريين!

   ولعل أخي _عفا الله عني وعنه_ راجت عليه ألفاظ القوم دون غوص في باطنيتها الخبيثة, التي تبدأ بهزّ الثوابت, ثم تفضي إلى خلخلتها, حتى تؤول إلى هدمها وبناء أوثان الإغريق الأسطورية في مملكة الشهوات التنويرية، فيا خيبة لهم وخُسْراً "والله خير الماكرين" وأعيذ العلويط من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير!

   وسأنسخ جوابه باللون الأحمر, وأعلق بما يفتح الله به: قال:

(والجواب : ليس هناك مشاقة ولا تقديم)

   كيف لا يكون تقدّماً بين يدي الله ورسوله، والحديث الصحيح الصريح حاسم في المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لا نحسب" بل "صوموا لرؤيته" وأنتم تقولون: بل نحسب! ولن نصوم لرؤيته؟! أين الاستسلام لله، والانقياد له، وتعظيم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم؟! "فليخش الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" وهل هناك فتنة أشد على المرء من تنكب السنة، وتقحم المعاندة, والإصرار على المشاقة؟!

  وهل وقف الأمر عند هذا الحد؟ كلا، بل قد حضر الهزء والسخرية بعد لبس ثوب الاتباع المزعوم، إذ قال:

( بل هو من الاتباع ومن تنزيه الاسلام عن ترهات المبصرين ومخالفتهم للعلم الحديث)

   ترهات!! الأحاديث في الصحيحين يا أخ عبدالله! وأنت تهذي بقولك: ترّهات! فإن كان قصدك اجتهادات عباد الله بترائي الهلال, اتباعاً للسنة, ومخالفتهم للفلكيين في بعض الأوقات؛ فما تنقم منهم إلا أن اقتفوا أثر نبيهم, وتنكبوا جوادّ الحسّابة, وطرق المتهوّكة, التي بهرتكم وأعشتكم؟!   ولعلمك؛ فحساب منازل القمر, وعلم الهيئة, سابق لزمن الإسلام، فأبطل الإسلام شأنه في العبادات، وعلّقها بالمشاهدة والرؤية, رحمة من الله بالأمة، فله الحمد.

ثم قال:(ولكننا وبسبب رداءة المدرسة الفقهية لدينا)

    هذه الشنشة لا تخطئها أذن مراقب, ولا عين متابع  لمن شرقوا بالدعوة السلفية الناصعة، فلمّا لم تسعفهم الشجاعة في التصريح؛ مالوا إلى التلميح بالإجمال، وإلا فحقيقة الخصومة هي مع مصادر التلقي لأهل السنة والجماعة في المقام الأول. وأكرر القول: لعل الأخ عبدالله خدع بمن وثق بهم, ولم يقصد نبذ منهج السلف الصالح.

   حتى وإن قصد مجرد المدرسة الفقهية العملية؛ فهي بشهادة الجميع من أوسع المدارس, وأوعبها, وأقربها للدليل، وإن قصد حسمها لمواد الفتن, ببناء سد الذرائع المتين؛ فهي لعمر الله من مناقبها, وتلك شكاة ظاهر عنك عارها..

وعيروني أن قلبي يحبها   **  وتلك لعمر الله إحدى المناقبِ

 وانظر عشرات الأدلة من الوحي على تقرير ذلك في إعلام الموقعين، أم أن ابن القيم غير مرضي؟! كذا شيخه التقي؟!

ثم قال: ( فاننا نجد ان الجهل هو المتسيد بل يصنع صناعة)

    قاتل الله الجهل المركب, حين يصوّر بزي العليم، والغش حين يُلبس بثوب النصح, ولاحظ نبرة الانهزام والتحسر في عبارة (المتسيد) ونقول: نعم، السيادة للشريعة, لا لغوغائية الطغام, الذين تريدون شهواتهم بديلاً لشرعة رب السماء! والحكم للقرآن العظيم، لا قانون نابليون ولاهاي! "ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون"

ثم قال: ( حيث نأتي فنكسر بدهيات وحقائق ثم نزينها بما ذكرت من هذه العبارات وهذه هي طريقة صناعة الجهل فالجهل والخرافة لاينهضان بذاتهما في أي زمان ولا مكان ما لم يغلفا بغلاف ديني او غيبي او ايديلوجي او شئ من التهويل)

   وبعد هذا الإسفاف, والإسقاطات المستمدة من ملاحدة الثورة الفرنسية، تُصفّ شريعة الرحمن, وسنّة سيد المرسلين, بجانب مومياء الكنيسة الكاثوليكية، وفجورها وتاريخها المخزي، ثم تُرمى السماء بالبعر!

   يا قوم: عودوا للأمر من أوله وألقوا عصابة (الغربي المثقف) الذي لا يحسن تدبير آخرته، قصاراه علوم أمم تراكمت, فأجاد ركوبها, وليست له بباقية "يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"

   ولا عجب أن يوصف لُباب دين المرسلين _وهو إخلاص الدين, وتحقيق التوحيد, وسلامة الاتّباع_ بالسوء، أو الجمود، أو الظلامية والرجعية، فأبو جهل وأبو مِرّة حاضران في المشهد!

   فالإسلام يبني الحضارة، ويعلي شأن العلم وعمارة الأرض, ويحرر النفوس من ربقة التعبد لغير الله، ويعتق العقول من الجمود والتقليد, إلى فضاء رحب فسيح, تنطلق فيه أذكى العقول بالانسجام مع زكاء النفوس بتناغم فريد رائع، بحيث يطلق العقل عنانه بكل ملكات طاقته في محيط يكفيه وعشرة أمثاله "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" "أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمّى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون" "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" بلى, وعزة ربنا!

   فهل تجد مثل ذلك في فكر الغرب الوثني الحديث؟! فالإسلام مثلما يحارب الجهل فهو يحارب الخرافة، فلا سواء -عفا الله عني وعنك-

ثم قال: (الحكم الصحيح لاثبات دخول رمضان بالرؤية البصرية محرم او مكروه في زمننا سواء كان بمكبر او تلسكوب او بالعين المجردة )

وهذا ليس بشيء.

ثم قال: ( في الوقت الذي تظنونه سنة لغفلتكم عن معاني النصوص ومراميها وجريكم وراء المعاني الحرفية ، فهذا النص وسيلة والوسيلة اذا افضت الى نقيض مقصودها اصبحت محرمة او مكروهه بحسب بعدها عن المقصود حتى ولو كان منصوصا عليها ، ولو تتبعت انت بعض النصوص في العبادات والتي هي وسيلة لوجدت نفسك قد تركتها وأخذت بالوسائل الحديثة فلماذا تستثنى هذه المسألة ، فالمرأة التي قال لها النبي في ازالة النجاسة التي وقعت على ملابسها حكيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء فهل يجب عليها فعل ذلك ام أن أي طريقة تزيل النجاسة هي كافية وهذا في حقها فكيف بمن بعدها بالف واربعمئة عام ، وانت الآن لا تستجمر بالحصى وهو منصوص عليه ، وفي الرؤية اذا تبينا انها تدخل الشهر بطريقة خاطئة فانها تكره والحساب يقدم عليها ولا نقول كما تقول اننا نقدمه لكونه قطعيا بل لكونه ظنيا ايضا اذ لو كان قطعيا وخالفتموه لوصفتم بما يزعجكم ولكنه ظن ارجح من ظن ( راعي سدير ))

   وما المانع من إجراء النصوص على ظاهرها مع إعمال معانيها؟ إن كان ثمّ تناقض؛ فهو في أذهانكم لا في نفس الأمر، فالذي أمرنا بحسن الاتباع هو من خلق الأمور ومعانيها، مبانٍ وأوصاف. والمصالح والمفاسد الشرعية ليست متروكة لكل أحد، بل لها شروط وضوابط دوّنها أهل العلم، تمنع التزيد أو التميّع "ما فرطنا في الكتاب من شيء" "وما كان ربك نسيّاً"

   وقياسك إعمال الحساب وإبطال الرؤية على جواز تطهير النجاسة أو الاستنجاء بغير ماذكر؛ هو قياس باطل لمخالفته النص الذي ورد بإبطاله، فلا قياس معه أصلاً! كيف وقد جاء النص بالمنع من عين المقيس؟! وهذا كافٍ في البطلان عند الأصوليين. ولو حصر الوحي التطهر مما ذكرت بالماء؛ ما كان لمؤمن أن يجوزه, فالعمل عبادة, وقصد الترك عبادة, والموفّق هو المخلص المتبع.

    ولو تنزلنا مع جواز القياس في هذه المفردة؛ فالقياس فيها فاسد, لأنه قياس مع الفارق. وليست كل علة معتبرة، ولا كل مقيس جائز الاعتبار، وليس كل قياس له حظ من النظر.

ثم قال: (يبدو ان المحكمة مع تقديرنا لها اختارت اهون الشرين فانها ان لم تدخل الشهر هذا العام وفق الحساب جعلوها مخالفة له وان ادخلته بالنظر اصبحت مخالفة للفلكيين الذين ينفون الرؤية ثم استقر امرهم على الاخذ بالرؤية فهو اهون من مخالفة الحساب وهذه نتيجة لتنكب الطريق الصحيح وعدم الاخذ بالعلل وفهم النص وفق سياقاته ولن تنهي هذه التضاربات والتناقضات في هذه المسألة او غيرها طالما اننا بهذه النظرة السطحية)

   وهذا تكرار لما سبق مع استمرار النظرة الدونية للمخالف.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

إبراهيم الدميجي

٤/ ٩ / ١٤٣٣


(1) إعرابها: فاعل مرفوع, وعلامة رفعه الواو, ولكن اخترت الخفض تفاؤلاً بخفض الله مشروعَهم, وكسر مكرهم.


الجمعة، 20 يوليو 2012

"وَلا نَحْسُبُ"


"وَلا نَحْسُبُ"

    الحمد لله العليم الحكيم, البر الرحيم, خلق وقدّر, وشرع ويسّر, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله, تركنا على البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها بعده إلا هالك. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد:

    فإن مسألة اعتماد الحساب في الرؤية الهلالية قد أضحت كالمتلازمة الموسمية مع غرة رمضان خلال العقد الأخير! وقد خاض فيها بعض الأفاضل فوقعوا في محاذير يلزم منها مشاقة السنّة, ولو مع حسن القصد, وحضور التعظيم الإجلال. والله تعالى قال: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" (النساء: 59) والرد إلى الله تعالى أي إلى كتابه, والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي إلى سنته, فمن أسعد بالدليل, وأقرب للاتّباع؟   

    وللاختصار والاقتصار أقول:

    ثَمَّ أمور محسومة من قبل الشارع الحكيم, وقد كُفيناها بحمد الله تعالى, ومنها هذه المسألة, فالبحث فيها لا ثمرة من ورائه ولا طائل من خلفه إلا الجدل والمماراة, المفضيان إلى نزع بركة العلم والعمل, عائذاً بربي!. فقد حسم النبي صلوات الله وسلامه عليه مادّتها بقوله الزكي: "إنّا أمة أميّة, لا نكتب ولا نحسب, الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وخنس إبهامه في الثالثة "والشهر هكذا وهكذا وهكذا" وأشار بأصابعه كلها. متفق على صحته. فهذا نصّ في قلب النزاع يأبى التمحّل, ولا يقبل التأويل. وتأمّل قوله: "لا نحسب" فقد استغرقت "لا" النافية كل الحساب, ومن أخرج شيئاً من الحساب بعد هذا فعليه الدليل, لمخالفته هذا الأصل. ويشدّ هذا الأصل أحاديث أُخَر في الصحاح وغيرها؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته, فإن غُمّ عليكم فعدوا ثلاثين" رواه مسلم.

    والمخالفون لهذا الأصل في هذا الزمان طائفتان:

    الأولى: قالت بالحساب جملة, وتقديمه على الرؤية في جميع الأحوال, واعتماده دونها, إذ لم ترفع بها رأساً لا بالبصر, ولا حتى بالمكبِّر "التليسكوب" وحجتهم قطعية الحساب وظنية الرؤية. وهذا عين المشاقّة للحديث الشريف, والتقدم بين يدي الله ورسوله, وخرق للإجماع الماضي المستقر كما نقله شيخ الإسلام وغيره.

    الثانية: قالت بالحساب في النفي دون الإثبات, أي إبطال شهادة الشهود في حال أجمع أهل الحساب والهيئة "الفلكيين" على القول بعدم ولادة الهلال, لأن الشهادة ظنية يعتورها الخطأ أوالكذب, في مقابل خبر الحساب الرياضي القطعي الخاضع لأدق الوسائل التقنية الحديثة, التي تلغي هامش الخطأ, فلا بد إذن من الطعن في تلك الشهادة البصرية من باب الخطأ في الإبصار أو الكذب في الأخبار, وكلاهما مبطل للشهادة القطعية.

     أما في حال ولادة الهلال فيعمل بشهادة الشهود إعمالاً لصريح وصحيح الأخبار. ولا يثبت عند هؤلاء دخول الشهر إلا بالرؤية والشهادة سواء بالعين الباصرة, أو بالمكبّر, فهم يقولون: إن العمل عندنا بالرؤية دون الحساب, وحتى لو أجمع الفلكيون على القول بولادة الهلال فليس لهذا اعتبار ما لم تصدّقها رؤية الأبصار, فنكون قد عملنا بالرؤية للأخبار, واحتطنا للحساب لأجل قدر الصيام في الإسلام, فكنا وسطاً بين الفريقين. وقد اشتهر هذا القول بعد فتوى السبكي به في القرن الثامن.

    وهذا القول على حسن مقدّماته وكونه أقرب للحق من سابقه, إلا أنه لا يقاوم حجج المانعين من الحساب كليّة, ومنها:

1- صريح الأخبار "لا نحسب" "صوموا لرؤيته" فلا استثناء في ذلك حتى في حال إجماع الفلكيين على على نفي ولادة الهلال, بل إن إبطال الرؤية اعتماداً على الحساب هو في الحقيقة إعمالٌ للحساب الذي نَصَّ الحديث على إهماله وإبطاله. وكما سبق؛ من استثنى فعليه الدليل.

2- الشريعة مبناها في غالب العبادات العملية على غلبة الظن لا القطع, _أما العقائد فبالعكس_ والقول بإيجاب القطع فيها هو من قبيل الحرج والآصار التي رفعها الله عن هذه الأمة المرحومة. وهذا الأصل مضطرد في كثير من تفاصيل أمهات العبادات كالطهارة ومثالها: أن المتطهر بالاغتسال لا يلزمه النظر إلى ظهره ومغابنه ليتأكد من بلوغ الماء, بل يكفيه غلبة ظنه بالإسباغ _وإن كان للاحتياط باب آخر_ واعتبر ذلك في الصلاة والزكاة والحج, ومن ذلك محور حديثنا؛ الصيام, ومن أفراد مقدّماته؛ دخول الشهر. والقول بإيجاب اليقين في كل العبادات هو من تكليف ما لا يطاق, وفتح باب الوسواس على العباد.

   إذا تقرّر هذا؛ فالحكم بدخول الشهر هو من هذا القبيل, أي باب غلبة الظن, وليس مع الموجبين لليقين هنا دليل من الشرع, بل دليل الشرع يهدم أصلهم بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الصوم يوم تصومون, والفطر يوم تفطرون, والأضحى يوم تضحّون" رواه الترمذي وحسّنه, وعند أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صام وصام معه الناس بشهادة ابن عمر, وهو شاب واحد. كما قبل شهادة الأعرابي, فإذا قبل الحاكم شهادة العدل بالرؤية صام الناس, وهذا هو اليسر والسهولة والحنيفية السمحة, لا تشديدات أهل الهيئة ووسوستهم.

3- يرى بعض أهل العلم _ونصره شيخ الإسلام_ أن الهلال الشرعي ليس هو جرم القمر الذي يراه الناس, بل هذا دليل عليه. أما الهلال الشرعي فهو اشتهار رؤية الناس له وقبول الحاكم شهادة من شهد به, وأصل ذلك في اللغة من إهلال الصبي واستهلاله إذا رفع صوته بالبكاء. وعلى هذا القول فلا اعتبار بالجرم السماوي الذي أشغلتم الناس بمنازله!

4- لو أكمل الناس عدة شعبان ثلاثين, وكان عند أهل الحساب إجماع بأن الهلال لم يولد _بسبب حساب الشهريين السابقين له_ فهل يجرؤ مؤمن على الفطر صبيحة ذلك اليوم؟! وهل نترك صريح الخبر وصحيحه ونتبع أهل الهيئة؟! فالمسألة واحدة, إلا أن هذا وجهها الآخر.

5- لو قال رجل: زوجتي فلانة طالق إذا دخل رمضان, فالمرأة تطلق من تلك الليلة التي أعلن فيها دخول الشهر قدراً وشرعاً. ولو أجمع الفلكيين على خلاف ذلك, وهكذا مسائل الباب من الصيام والتروايح ونحوها.

6- يلزم من القول بإبطال شهادة الشهود في تلك الحال تضليل الأمة الإسلامية في عصورها السابقة!! والإزراء بهم وبعلمهم وبعملهم! فجماهير الأمة منذ فَجْرِها السعيد الى الزمن القريب متتابعة على الاكتفاء بالرؤية دون الحساب, مع توافر الهمم على العمل به, فهل أدرك الخلف ما غاب عن السلف؟! اللهم غفرا!

7- القول بإبطال الشهادة بالحساب هو من التكلّف الذي نُهينا عنه, قال سبحانه وبحمده :"قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" (ص: 86).

   وبالجملة؛ فمن النصح للأمة بث الحرص على وحدتها, والعناية بسلامة اجتماعها, والبعد عن كل ما يشوّش جمال الصف, ويفرّق تيك الوحدة, ويشتت ذلك الجمع المبارك, فالخلاف شر, والاجتماع خير, ويكفي من قال بإبطال الحساب جملة ما معه من أدلة ساطعة وبراهين ناصعة, شرعاً وعقلاً وحساً, كذلك يطمئن قلبه اذا استظل بفتاوى أجلّة الأمة وسادتها من أكابر ورثة الأنبياء.

   اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

   وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

إبراهيم الدميجي

1/ 9/ 1433

http://aldumaiji.blogspot.com/



الأربعاء، 18 يوليو 2012

"بَيْنَ حَضَارَتَيْن"



"بَيْنَ حَضَارَتَيْن"



      الحمد لله الملك العلام, ذي الطول والإنعام, لا يُرام عِزّه, ولا يُضام ملكه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله, أمر بالحق وبه عدل, وشيد الحضارة في القلب والعقل, وحرر البشرية من ربقة العبودية لغير مولاها, ودرب التبعية لسوى رسولها ودليلها المصطفى, ونبيها المجتبى, صلى الله عليه وآله وصحبه ما تعاقب الفرقدان, وتتابع النيران. وبعد:

     فلئن افتخرت أمم بتاريخها, واستطالت بمجدها, فلأمة الإسلام من ذلك الحظ الأوفى, والسبق الأزهى. ألا وإن من المستَغربات غفلة جلّ أبناء الأمة عن ذلك, وجهلهم بباسق ما هنالك, فإن ذكروا الحضارة المدنية فقبلتهم الغرب, وان استلهموا التجريبية أضاعوا الدرب, ولم يتذكروا:

بلغنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا  **  وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا

     وفي هذا المقال سأتناول شيئاً من تيك المآثر, ونحواً من تلك المناظر, علّها تغسل لَوَثَ الإعجاب بالأغيار, وترفعُ من همّة مستحلية العار. وليس في هذا إقراراً لخنوعنا, ولا مجاراة لخمودنا, اللهم غفراً! لكنه من باب قدح زند العزائم, وإيقاظ أشباه النوائم, وإرغام أنف الشامت بالأمة والشائن, وأكثروا نقول عن الأفاضل. والله من وراع القصد, وهو ولي التوفيق.

ونحن قوم لا توسط بيننا  **  لنا الصدر دون العالمين أو القبر

تهون علينا في العالي نفوسنا  **  ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر

 قال العلامة الدكتور سفر الحوالي شفاه الله تعالى وأحسن لي وله وللقارئ

الختام,محللًا حضارة أوروبا فيما قبل وبعد الحداثة، ومقارنًا بينها وبين حضارة الإسلام العظيمة ومثبتًا أن المسلمين هم من علّموا أوروبا أصول الحضارة وقيمها، وألهموا إبداعها الصالح دون الفاسد، ووضعوا عقولها على درج التحرر من ربقة التقليد والجمود: «إن الله تعالى قدر أن يكون لهذه القارة الصغيرة ذات البيئة القاسية (أوروبا) أثر كبير في تاريخ الجماعة البشرية كلها وأن تتولى قيادة ركب الغواية في صراعه الأبـدي مــع ركــب الإيمـان الذي قدّر الله أن يكون معتصمه بلاد التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين. والاستكبار على الله والشرود عن دينه الذي بلغت به المجتمعات الغربية المعاصرة غايته لم يأت عَرضًا وإنما هو وليد قرون من الصراع والتـخبط ثم الجموح والتمرد، فقد كان منبت الحضارة الأوروبية من القاع الذي اجتمعت فيه رواسب الحضارات الجاهلية البائدة (سومرية، آشورية، فرعونية، إغريقية، رومانية) بعد تصفية كل الحضارات من آثار النبوات وبقايا الرسالات، حيث استبعدت أو طمست أية إشارة إلى توحيد الله عز وجل وإلى رسله الكرام وكتبه المنـزلة، ونفض الغبار عن الأوثان القديمة وشرك القرون الأولى.

      ذلك أنه في ظل الحضارة الجاهلية الأخيرة (الرومانية) اعتنقت أوروبا نصرانية بولس المنسوبة زورًا إلى المسيح عليه السلام، وحينما أعلن ذلك الإمبراطور قسطنطين سنة (325م) وانتقلت عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة (القسطنطينية) وشاء الله تعالى أن يلي مرحلة مفجعة من تاريخ أوروبا الغربية وهي المرحلة الممتدة من سنة (410م) ــ أي سقوط روما بأيدي البرابرة ــ إلى (1210م) ــ أي تاريخ ظهور أول ترجمة لكتب أرسطو في أوروبا ــ ثمانية قرون كاملة من التيه والضلال اصطلح المؤرخون الغربيون على تسميتها أو جزء منها عصور الظلمات، وأفاضوا في الحديث عن الانحطاط الكامل حينئذ في الثقافة والعلم والفن وكل جوانب الحياة، إلا جانبًا واحدًا شذ عن ذلك وهو الدين حيث توغلت النصرانية في الممالك البربرية الوثنية، وكان ذلك العصر هو العصر الذهبي لانتشار النصرانية في أوروبا كلها، وأسست كنائس وأنظمة رهبانية جديدة.

      وحدث هذا التناقض الحاد (انهيار الحضارة العلمية وانتشار هائل للدين) وهذا ما أدى لأن يجاهر بعض المؤرخين ومنهم كبير تلك الفترة ادوارد جيبون بالقول: إن سبب انهيار الإمبراطورية الغربية هو تحولها من الوثنية إلى النصرانية، وبالطبع لم تقل الشعوب الأوروبية حينئذ مثل هذا ولكن في اللاشعور ارتبطت الوثنية بالحضــارة والقــوة وارتبط الدين بالهزيمة والانحطاط، وهو ما كان له آثار بعيدة المدى في علاقة أوروبا بالدين ــ أعني دينها ــ أما الإسلام؛ فإنه لما كان الرومان عامة يعدّون كل من عداهم من الشعوب برابرة، ولما كان البابوات ورجال الكنيسة يعدون الإسلام وثنية اتفق الموردان في النظرة القاتمة إلى العالم الإسلامي، وامتـزجت العنصرية القديمة بالحقد الديني الجديد.

     مع أننا لو انتقلنا إلى واقع الحياة الإسلامية حينئذ، وعقدنا مقارنة بين الدينين والحضارتين لوجدنا البون شاسعًا والفرق بعيدًا:

     أولًا: لم يكن لدى أوروبا مركز حضاري يمكن أن يسمى مدينة بالمفهوم السائد عن المدن فيما بعد، وأكبر ما كانت تعرفه هو بيزنطة وروما اللتان لم تكونا سوى قريتين متأخرتين إذا قورنتا بالمدن العالمية آنذاك: بغداد، دمشق، القاهرة، قرطبةالخ.

     ثانيًا: لم يؤلف في أوروبا خلال تلك الحقبة كتاب علمي على الإطلاق، في حين نجد الواحد من علماء المسلمين يكتب العشرات، وربما المئات من المصنفات في فنون المعرفة جميعًا، وإذا كانت أوروبا تعد ظهور ترجمة كتب أرسطو بداية الخروج من عصر الظلمات فإن الفضل يرجع إلى رجل ليس أوربيًا ولا نصرانيًا بل هو ابن رشد المتوفى سنة (1198م). ومن هذا المنطلق العنصري وبتلك الرواسب الجاهلية انتقلت أوروبا ببطء من عصر الظلمات البربري إلى عصر الظلمات الصناعي، وصولًا إلى المرحلة المعاصرة من الظلمات المتراكمة، واستمر القدر الإلهي ألا تعتنق أوروبا الإسلام "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" [يونس: 100].

      هذا مع أن أساس نهضتها كان إسلاميًا، وأن العربية كانت لغة العلم فيها إلى القرن الثامن عشر، وأن جامعاتها إنما قامت مجاراة للجامعات الإسلامية. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، غير أن ما فعلته أوروبا كان أفظع من مجرد التعصب لوثنيتها وترك الاهتداء بهدى الله، فقد تعدى ذلك إلى العدوان العسكري المتواصل أبدًا على الإسلام وأهله، والوقوف الدائم مع كل عدو لهم وإن كان عابد حجر أو بقر!

     لقد كان إجحافًا أن تنظر أوروبا للمسلمين النظرة إلى البرابرة (القوط، النورمانديين، الفايكنج) بلا أدنى اختلاف، لكن أنكى منه أن تتداعى القارّة طولًا وعرضًا شرقًا وغربًا وتهب هبة رجل واحد لتحرير الأراضي المقدسة من البرابرة الجدد ــ زعمت ــ!

     وهكذا كانت الحملات الصليبية، وكانت الصدمة الحضارية التي لم تنسها أوروبا لحظة واحدة من عمرها:

     1ــ أوروبا التي لا تعرف المدن تحاصر مدنًا هي صغرى في محيط الحضارة الإسلامية لكن بعضها يبلغ عشرة أضعاف روما عاصمة المتحضرين المقدسة!

     2ــ أوروبا التي لم تعرف العلم قرونًا، بل لم تعرف كتابًا إلا الإنجيل، ولا قارئًا إلا القسيس، تذهل للمكتبات الهائلة التي تـختـزنها المدن الصغرى من عامة وخاصة، وفي كل فنون المعرفة من الفلك إلى النقد الأدبي!

     3ــ أوروبا التي لا تستطيع أن تستغفر ربها أو تصلي له أو تقدم له قربانًا إلا بتوسط البابا وكهنته، ولا تستطيع أن تقرأ كتابها المقدس ولا تفسره أو تترجمه إلى لغة حية، تجد كتاب الله الأخير (القرآن الكريم) في الشرع الإسلامي المتحضر يتلوه الملايين في المساجد والبيوت، والكل يعبدون رب العالمين بلا واسطة مخلوق.

     4ــ أوروبا التي يعيش (99 %) من أهلها عبيدًا ورقيق أرض وفلاحين، لا يستطيع أحدهم أن يتنفس الهواء خارج إقطاعيته، وإن حاول ذلك كان عقابه الكي بمياسم عريضة تطبع العبودية على جبينه مدى الحياة، تجد الناس في الشرق الإسلامي يعيشون ويتنقلون أحرارًا في أرض الله الواسعة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، ويتاجرون مع جنوب أفريقية والدول الإسكندنافية، وربما مع جزر الكاريبي!

     5ــ أوروبا التي كان أفضل نموذج لوحدتها هو حكومات الكوميون في إيطاليا، تجد الشرق المسلم يعيش أرقى النظم الإدارية في ممالك تبلغ مساحتها مساحة القمر!

     6ــ أوروبا التي يحكمها الأباطرة حكمًا استبداديًا مطلقًا ويعتقد الرعايا أن القيصر من نسل الآلهة، وأن الله هو الذي أعطاه هذا الحق قدرًا وشرعًا، وأورثه السلالة المقدسة تفاجأ بالمسلمين وسلاطينهم من الترك تارة ومن الكرد أخرى، ومن المماليك ثالثة، والكل بشر في نظر سائر البشر.

     7ــ أوروبا الغارقة في الهمجية والوحشية التي تحرق المخالفين وهم أحياء، وتتفنن في تعذيب المنشقين وإذلال المقهورين، ولا تعرف عهدًا ولا ميثاقًا، تبهرها الأخلاق الإسلامية في الحرب والسلم على سواء.

     8ــ أوروبا التي ما كانت تحسب العالم إلا أوروبا، والتي تسمي الوصول إلى شيء من أطراف الشرق اكتشافًا، وظلت هكذا إلى القرن التاسع عشر، فوجئت بالمسلمين يجوبون الدنيا شرقًا وغربًا تجارًا ورحالة ودعاة بكل تواضع وهدوء، لقد وصلوا إلى أجزاء من شمال أوروبا قبل أن تعرفها أوروبا نفسها، هذا عدا العالم الشرقي الهائل السعة بالنسبة لها برًا وبحرًا،وبالمساجد التي اكتشفت في جزر الكاريبي، وصرخ كولمبس حين رآها: «يا إلهي!! حتى اليابان فيها مساجد!» إلا إحدى الشواهد على هذا.

    9ــ أوروبا التي كانت تتداوى بمركبات من الروث والبول وأشلاء الحيوانات، تفاجأ بالعالم الإسلامي زاخرًا بالمستشفيات والمعامل القائمة على منهج التجربة و الاستقراء مع الخبرة والحدس، في التشريح والتشخيص والجراحة وتركيب الدواء، وكل ذلك مدوّن في موسوعات ضخمة ظلّت المصدر الأول لنهضة الطب الحديث، ولا زالت رافدًا متجددًا له.

     والنزعة الإنسانية في الحضارة الغربية مدينة كليًا للحضارة الإسلامية، ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي كما في اقتباسات أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء المعرّي وابن طفيل، بل يشمل العصر كله، حتى أن الإمبراطور فردريك الثاني ــ وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة ــ كان يتكلم العربية، وكان بلاطه عربي العلم واللسان، حتى أنه لما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام، وسمته الزنديق الأعظم!

     أما حركة الإصلاح الديني فلم تولد مع لوثر وكالفن، بل لها جذور عميقة الصلة بالإسلام، لا يستطيع أي باحث أوروبي أن يغفلها مهما قلل من شأنها، ومنها حركة تحطيم الصور والتماثيل التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن الثامن الميلادي، أي بعد قرن تقريبًا من ظهور الإسلام، وممن آمن بذلك وأصدر مرسومًا عامًا الامبراطور ليو الثالث.

     أما التجريب الذي تُعزى إليه نهضة أوروبا العلمية عامة فإن باعثه هو التساؤل العقلي... ولم يكن صعود جاليليو إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلاً على بطلان قول أرسطو في ذلك، وارتفاع التجربة الحسية على الفكر المجرد.

     ومن هنا فإن الفكر الإسلامي، والسني بخاصة الذي رفض فكر أرسطو رفضًا مطلقًا، ودعا ــ وفقًا لصريح القرآن الكريم ــ إلى نبذ تقليد السالفين، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والنظر في آيات الله الآفاقية والنفسية، هو أصل تقدم الإنسانية الحالي كلها، وما فعله جاليليو بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ما هو إلا جزء من الأثر الإسلامي السنّي الذي شمل العالم، وصرع المنطق الصوري الإغريقي في الشرق قبل أن تتـخلص أوروبا منه بعدة قرون...».بتصرف من: مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة، د. سفر الحوالي (ص1ــ 9).

     وقال الدكتور علي محمد الصلابي مبينًا الآثار الحسنة لدعوة المسلمين للمسيحيين في عصر الحروب الصليبية وتطور المسيحية الحضاري بسبب احتكاكهم بأهل الإسلام: «فمن آثار ذلك:

     1ــ دخول أعداد كبيرة من النصارى في الإسلام، ومنهم القواد والساسة والقساوسة والعامة... وذكر أمثلة كثيرة.

     2ــ تأثر النصارى بعادات المسلمين وأخلاقهم وتقاليدهم، ومن أمثلة ذلك ما يتعلق باللباس، وقد اشتكى أحد قساوسة عكّا في رسائله للبابا من تشبه المسيحيين بالمسلمين في زيّهم، وفي طريقة حياتهم، ومن ذلك تقليد المسيحيات للمسلمات في الحجاب والاحتشام والوقار.

     واستفاد المسيحيون من المسلمين العناية بالنظافة، وقد كانت غير ذات أهمية لهم قبل اختلاطهم بالمسلمين، وذكر توماس أرنولد عن بعض مؤرخي حروب أوروبا الصليبية: «وكان الصليبيون يعيشون كالحيوانات، ولا يغسلون أبدانهم ولا ثيابهم التي لا ينزعونها إلا إذا تمزقت» وبعد اختلاطهم بالمسلمين اكتسبوا عادات النظافة الحميدة، فتردد الكثير منهم على الحمامات العامة في الشام ومصر، حتى الرهبان والراهبات الذين يعتكفون في كنائسهم وأديرتهم، مما جعل أحد مقدميهم واسمه جاك دوفتري يحتج على خروج الراهبات من الأديرة مخالفات بذلك تعاليم شريعتهن! وقد ساق أسامة بن منقذ نماذج من استغرابهم اهتمام المسلمين بالنظافة، ومحاولتهم التشبه بهم في ذلك، وترددهم على الحمامات العامة للرجال والنساء لهذا الغرض.

     ومن العادات الحميدة التي اكتسبوها من المسلمين الغيرة على النساء، وقد كانت هذه الغيرة شبه مفقودة لديهم، قال أسامة بن منقذ واصفًا مشاهداته: «ليس عندهم شيء من الغيرة والنخوة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته، يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها، ويتحدث معًا والزوج واقف ينتظر فراغهما من الحديث، فإذا طوّلت عليه مضى وتركهما» وقد زادت نسبة الغيرة والنخوة لديهم في الجيل الثاني لهم بعد ولادتهم بين المسلمين.

     ومنهم من تشبه بالمسلمين حتى في الطعام، فترك أكل الخنزير مثلاً.

     ومن أهم ما اكتسبوه من المسلمين حسن التعامل ولين الطباع، وقد لاحظ أسامة بن منقذ ذلك في مقارنته بين الجدد والقدامى، فقال: «فكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقًا من الذين عاشروا المسلمين».

     كذلك تأثروا بهم في الزواج، فكثير منهم تزوج بأكثر من واحدة، كذلك تعلموا اللغة العربية، وهذه الأحوال في الشام صار مثلها في الأندلس، فرفع المسلمون من القيمة الحضارية للفرد المسيحي».

     وقال الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني رحمه الله في كتابه (كواشف زيوف) (ص40): «لقد صرخ علماء الغرب في قومهم بوجوب تعلم لغة العرب حتى ينبغوا، وقد أثارت الغيرة بتراك فقال لقومه: «أنتم تتوهمون أنه لن ينبغ أحد بعد العرب! نحن ضاهينا اليونان والأمم، وسبقناهم في بعض الأحيان، وأنتم تقولون الآن: إننا لن نضاهي العرب!».

     ثم أورد وثيقة تاريخية شاهدة على سبق المسلمين العلمي للغرب، ورغبة الغرب في اقتباس العلم منهم، وهي رسالة من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى هشام الثالث الخليفة الأندلسي المسلم، ونص الوثيقة: «بعد التعظيم والتوقير قد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء آثاركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أركانها الأربعة، ولقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات أشراف إنكلترا لتتشرف بثلم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة. من خادمكم المطيع جورج. م. أ».

     وفي كتاب (محاضرات من تاريخ العلوم) تأليف الدكتور فؤاد سزكين، ما مضمونه: «إن شبرجس أثبت بالأدلة أن الجامعات التي نشأت فجأة في أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلاد قد كانت كلها تقليدًا مطلقًا للجامعات الإسلامية».

     وانظر كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) تأليف زينغريد هونكة، فقد ذكرت في كتابها الفريد شهادات ومشاهدات للأثر الإسلامي النبيل والمد المحمدي الأصيل وأثره على قيام الحضارة الأوروبية الجديدة، سواء في العلم والفكر أو الصناعات والتجريب والطب والهندسة والفلك وغيرها.

     قال روجر بيكون: «من أراد أن يتعلم فليتعلم العربية» مذاهب فكرية (ص71).

     ولك أن تتأمل الفروق بين الحضارات الإنسانية المختلفة في إمبراطورياتها الواسعة عبر الزمان الطويل، سواء في عهد الفينيقيين أو الإغريق أو الرومان أو التتر أو الهند أو الصين ثم قارن ذلك كله بالحضارة الإسلامية التي امتدت كمًّا وكيفًا، فكمًّا قد رفرفت راياتها المنصورة وامتد سلطانها الواسع على ثلثي العالم آنذاك، أي ما يعادل مساحة سطح القمر، فمن الجنوب كان ساحلها بحر العرب والبحر الهندي، وشمالاً آسيا الصغرى وشرق أوروبا، وغربًا المحيط الأطلنطي (الأطلسي) الذي وقفت خيل المسلمين على ساحله وتقدم قائدهم خائضًا المحيط بقوائم فرسه قائلاً: «والله لو أعلم أن أحدًا خلف هذا البحر لخضته إليه حتى يصل إليه الإسلام»، وشرقًا حتى سور الصين العظيم، ولما علم إمبراطور الصين عن قَسَمِ أمير المسلمين أن يطأ بقدمه أرض الصين، أرسل إليه بطبق ذهب قد ملأه من تراب الصين وكتب إليه: «أوف بقسمك وطأ على هذا التراب فهو من أرض الصين» وطلب المصالحة والمسالمة.

     ولما رأى هارون الرشيد سحابة مارة خاطبها قائلاً بثقة: «أمطري أنّى شئتي فسيأتيني خراجك» وهو صاحب الرد الحاسم على نقفور ملك الروم حين أرسل له هذا الأخير رسالة ليبطل فيها أمر ملكته السابقة بدفع الجزية للمسلمين، فكان رد هارون الرشيد: «من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع!» ثم سيّر جيشًا أوله عند الروم وآخره عنده، ولما صاحت المرأة المسلمة في عمورية: وامعتصماه! بعد إذلالها من المسيحيين، أجاب أمير المؤمنين المعتصم نداءها بجيش جرار سحق به من تعدى عليها وعلى كرامتها، بل حتى في الخلافات بين المسلمين تكون المظلة لهم هي الإسلام، فحينما اختلف علي ومعاوية رضي الله عنهما، أراد ملك الروم أن يزحف على أطراف الشام، فرد عليه معاوية رضي الله عنه برد زلزلة، وفيه: «والله لئن لم تندفع عنا لأصطلحن مع ابن عمي ثم لنغزونك إلى مخدعك» فطارت وساوس الرومي، وقبلها قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما بلغته جحافل الروم في اليرموك التي فاقت (240.000) ووقفت أمام جيش السلمين الذي لم يتجاوز (27.000) ــ أى أن الروم يفوقون المسلمين بتسعة أضعاف ــ فقال كلمته المشهورة: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، فولاه على المسلمين الصادقين فنصر الله عباده وأولياءه ففتح الله بتلك الأيدي المؤمنة الطاهرة المتوضئة المصليّة العابدة القانتة بلاد الشام، وعاد التوحيد لبلد الأنبياء ومهاجر الخليل عليهم السلام بعد أن غاب عنها قرونًا على أيدي رهبان الليل وأسد النهار رضي الله عنهم.

     وانظر إلى أوروبا الشرقية والغربية والجنوبية واستذكر حوادث تلك السنين حين فتح الإسلام شرق أوروبا وبعض وسطها وحاصرت الجيوش المسلمة فيينا، وأقبلت على باريس، وفتحت إيطاليا مع جميع جزر البحر المتوسط.

     هذا وكل هذا الامتداد الكمّي رافقه وسبقه ولحقه امتداد معنوي، وهو الغاية النبيلة والقصد الكريم لتلك الجيوش الفاتحة للقلوب قبل البلدان، فقد تحولت تلك الشعوب في زمن يسير لهذا الدين العظيم السماوي الخالد.

     قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها» مسلم (2889)، وكل هذا مصداق وعد الله تعالى له وللمؤمنين حيث قال سبحانه وبحمده: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" [الحج: 74]، وقال سبحانه: "إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"[غافر: 51].

     شاهد المقال: أن تلك الشعوب الموفقة دخلت راغبة مختارة في الإسلام، سواء المسيحيين في الشام ومصر وأوروبا كالألبان، أو الوثنيين في أفريقا وآسيا، وما هذا إلا لقوة الإسلام المعنوية الذاتية المؤيدة من الله تعالى، وإجاباته الشافية الكافية لكل أسئلة الحيارى الباحثين عن الحق والهدى، ومناعته ضد الشبه الملقاة عليه من أعدائه، ولمّا مرّت الأمة الإسلامية بضعف في بنيتها العسكرية، واستعمرتها جيوش المغول (التتار) لم تلبث تلك الجيوش الغالبة إلا يسيرًا حتى اعتنقت هذا الدين القويم، قد بهرتهم حقائقه وإيمانياته وقوته، وانسجامه مع الروح والجسد وجمعه بين الدنيا والآخرة.

     اللهم أقم علم الجهاد, واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد, وأبرم للأمة أمر رشد, يعز فيه أهل الطاعة, ويذل فيه أهل المعصية, ويؤمر فيه بالمعروف, وينهى فيه عن المنكر, يا سميع الدعاء. اللهم وأصلح أحوال المسلمين ديناً ودنيا وأخرى, وردهم إليك رداً جميلاً, وأسبل أمنتك وسكينتك ورحمتك ونصرك لأهلنا في سوريا وبورما وفي كل مكان, يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام يا رب العالمين. وصل اللهم وسلم وبارك وأنعم على محمد وآله وصحبه.

   

إبراهيم الدميجي

28/ 8/ 1433

@aldumaiji






 
                                                         http://aldumaiji.blogspot.com/

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

رسالة ابن القيم "الشامي" لأهل الشام


رسالة ابن القيم "الشامي" لأهل الشام

   الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:

   فهذه كلمات علم من أعلام الإسلام كتبها نصحاً لأمته ولا نزكي على الله أحداً, وقد وفق أيما توفيق في توصيف العلة والعلاج,وهذا الكلام منه رحمه الله رسالة لكل مجاهد في سبيل الله يبتغى النصر مظانّه, قال في (إعلام الموقعين: 122): في تعليقه على كلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :"فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله ".

   ( هذا شقيق كلام النبوة ، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم ، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم ، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره ، وانتفع غاية الانتفاع : فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله ، والثانية أصل الشر وفصله ;فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه; فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق .

   والله سبحانه لا غالب له ، فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف ؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو ؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده ؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا ، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجاً ومخرجاً ; وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة ، أو في اثنين منها ، أو في واحد.

   فمن كان قيامه في باطل لم ينصر ، وإن نصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول ، وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولا ، والقيام في الحق وسيلة إليه ، فهذا لم تضمن له النصرة ; فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله ، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، لا لمن كان قيامهلنفسه ولهواه ، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين ، وإن نصر فبحسب ما معه من الحق ; فإن الله لا ينصر إلا الحق ، وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر ، والصبر منصور أبدا ; فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له العاقبة ، وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة ، وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه مفوضا إليه بريا من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك ، ونكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة ، وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء .
   قال الإمام أحمد حدثنا داود أنبأنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد عنابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : من أسخط الناس برضى الله عز وجل كفاه الله الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس) .

   اللهم فتحاً قريباً ونصراً عاجلاً يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

29| 7| 1433

@aldumaiji