إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 3 يناير 2022

هل عدمُ الألمٌ شرطٌ للرِّضا بالله تعالى؟

 

هل عدمُ الألمٌ شرطٌ للرِّضا بالله تعالى؟

 

الحمد لله، وبعد؛ فإن بعض الناس قد يسمع عن أحوال بعض الصالحين من الأنبياء والصحابة وغيرهم أنهم يتلذّذون بالبلاء في ذات الله تعالى، كحال صبر أيوب عليه السلام سنينًا كثيرة، وكما نقل عن بلال رضي الله عنه أنه سئل: كيف كنت تصبر على عذاب حرِّ الرمضاء؟ فقال: "والله أما إنّي كنت أجد ألمًا عظيمًا، ولكني مزجت حرارة الألم بلذة الرضا في ما أرجوه من الله؛ فغلب ذلك ما أجد من آلامها".

بِعَيْنَيْكَ ما يلقى الفُؤادُ وما لَقِي … وللشوقِ ما لم يبْق منّي وما بقِي

فيظنّ من سمع أمثال تلك المواقف أنّ عدم الإحساس بالألم شرطٌ لكمال الرضا، أو أنّ التلذّذ بالألم بعد الإحساس به شرط له!

وهذا ظنٌّ غير صحيح، فليس شرطًا بحمد الله تعالى، ولا يسع الناس إلا ذلك، والله تعالى يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، ويقول: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، فالشعور بالألم حتميّ في العادة، ولا يُحمد صاحبه ولا يذمّ، إنما يحمد ويذم على انفعاله بالمؤلم، أيرضى أم يجزع. فالرضا اختياري أمّا الألم فليس بالاختيار، لذلك فالجهة منفكّة، ولولا الألم ما كان للرضا بالمصائب وجه، فكيف يرضى بمصيبة لا تؤلمه، والامتحان إنما هو بفعل الطاعة وترك المعصية مع مشقتهما على النفس، والمشقة هي عين الألم.

 ويتبيّن هذا إذا عرفنا معنى الرضا العام، فالرضا دورانٌ براحةِ النفس وطمأنينةِ القلب مع أمر الله مُفرحًا كان أو مؤلمًا. وعليه فليس من شرط الرضا عدم الشعور بالألم، والألم تارة يكون حسيًّا وتارة معنويًا وهو الأشدّ، بل إنّ سادة الناس وهم الرسل والأنبياء كانوا يتألّمون، ولكن كانت قلوبهم راضية تمام الرضا بمُرّ القضاء، فالسعيد من كان على نهجهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يوعك كما يوعك الرجلان، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فمسستُه وهو يوعك وعكًا شديدًا! فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، وذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل، وما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّتْ عنه خطاياه كما تَحاتُّ ورقُ الشجر". (1) وقال صلى الله عليه وسلم: "أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الإنسانُ على حسَبِ دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خُفّف في بلائه". (2) وإذا نزل البلاء ومعه الصبر والرضا والحمد فهو رحمة نعمة، حتى إن ظنّ الناس خلاف ذلك، ولكن إن كان معه الجزع والسّخط فهو عذاب ونقمة، نسأل الله العافية. قال المنجد حفظه الله تعالى: "ليس من شروط الرضا ألّا يحس العبد بالألم والمكاره، بل من شروط الرضا عدم الاعتراض على الحكم، وألا يسخط، ولذلك فإن الرضا لا يتناقض مع وجود التألم وكراهة النفس لما يحصل من مكروه. فالمريض مثلًا يرضى بشرب الدواء مع أنه يشعر بمرارته ويتألم لمرارته، لكنه راضٍ بالدواء مطمئنٌ بأخذه مقبلٌ على أخذه، لكنه في ذات الوقت يَطْعَم مرارة الدواء، والصائم رضي بالصوم وصام وسُرَّ بذلك لكنه يشعر بألم الجوع، فهل بشعوره بألم الجوع يكون غير راضٍ بالصيام؟! لا بل هو راضٍ بالصيام ويشعر بالجوع. والمجاهد المخلص في سبيل الله راضٍ عند الخروج للجهاد و مُقْدِمٌ عليه، لكن يحس بالألم والتعب والغبار والنعاس والجراح، وهكذا.

لَوْلَا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ  ...    الجُودُ يُفْـقِرُ وَالِإقْدَامُ قَتَّالُ

إذًا لا يشترط أن يزول الألم و الكراهية للشيء إذا حصل الرضا، لكن بعض أصحاب المقامات العالية جدًّا يستلذّون بالألم إذا حصل في الجهاد أو الصيام. لكن لا يشترط أن الفرد إذا أحس بالألم في العبادة أن يكون غير راضٍ". (3) وللإمام ابن القيم رحمه الله جواب لطيف على ذلك، قال رحمه الله تعالى: "يظن بعض الناس أن من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنَّما هو الصبر، وإلّا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان؟ والجواب من وجوه:

الأول: أنه لا تناقض بينهما، فوجود التألم، وكراهة النفس له لا ينافي الرضا، كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.

الثاني: أن طريق الرضا طريق مختصرة، قريبة جدًّا، موصلة إلى غاية، ولكن فيها مشقة، ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتُها همّةٌ عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرِدُ عليها من الله. ويسهّل ذلك إذا وطّن نفسه على الرضا بما قدره الله عليه، ولم يتكلف من الأسباب ما لا طاقة به له. وهذا القسم من الكوني أيضًا على نوعين:

النوع الأول: ما للعبد فيه استطاعة واختيار وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن، ومثاله الجوع والعطش أو البرد ونحو ذلك، فإن العبد يترك الانقياد له، ومسالمته، ويدفعه بقدَر آخر من الأكل والشرب واللباس ونحوه. فإذا وقع حريق - مثلًا - في دار أو متجر أو مركب، فهذا بقدر الله تعالى، والعبد لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان، بل عليه أن ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغير ذلك مِمَّا يطفئ الحريق، وما خرج في ذلك عن قدر الله.

بل يجب أن يفعل الأسباب في عدم حصول ذلك أصلًا، كما في الحديث: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حُدّث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه النَّار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم". (4) ومن ذلك تغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السرج عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب". (5)

والإحساس بالمؤلم لا يمنع الرضا به، والرضا بالمؤلم لا يمنع دفعه بما شرع الله تعالى، فهو خالق السّبب والمُسبَّب، ومن ذلك: إذا أصاب المؤمن مرض، فهذا بقدر الله تعالى وقضائه الكوني، فإن له أن يدافعه وينازعه بقدر الله أيضًا، فيستعمل الأدوية الدافعة للمرض، فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقوله عندما عُوتب على فراره من الطاعون، وعدم دخوله أرض الشام بمن معه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم جميعًا فقالوا له: "أفرارًا من قدر الله"؟ فقال عمر رضي الله عنه: "نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عَدْوَتان (6): إحداهما: خَصِيبة، والأخرى جَدْبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان متغيّبًا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". قال: "فحمد الله عمر، ثُمَّ انصرف". (7) قال ابن القيم رحمه الله: "ومن لم يستبصر من هذه المسألة ويعطها حقّها؛ لزمه التعطيل للقدر أو الشرع، شاء أو أبى. فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولا ينازع أقداره في حق مولاه، وأوامره ودينه، وهل هذا إلا خروج عن العبودية، ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه". (8)

وعلى هذا، فإنه لا بد أن يرضى بهذا المقضيّ، ولا يجزع، ولا يعترض على قدر الله وقضائه وإن كره أو تألّم، أو طلب تغيير المقدور إلى ما هو أحسن، مع علمه بأنه قد يكون ما أصابه من ذلك خير مِمَّا يحب أن يصيبه، مِمَّا ظاهره الخير، { وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }.

النوع الثاني: ما ليس للعبد فيه اختيار ولا طاقة، ولا حيلة في منازعته ومدافعته. وهذا ما أشار إليه حديث عبادة رضي الله عنه: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك".. الحديث. (9) فهذا لا تنفع فيه المنازعة ولا المدافعة، فهذا يقابل بالرضا والاستسلام، وترك المخاصمة والسخط، والعلم والإيمان بأن الأمر والحكم والقضاء لله من قبل ومن بعد، وأنه سبحانه له حكمة في ذلك هو يعلمها سبحانه، وهو عدل في قضائه، والقدر المقضيّ ينزل مواقعه، ويحل محله لا راد له، وذلك أوجب للرب سبحانه عدله وحكمته وعزته وملكه وموجب أسمائه وصفاته، فله عليه أكمل الحمد وأتمه، والرضا والتسليم. (10)

دَحَوتَ البِلادَ فَسَوَّيتَها   ...   وَأَنتَ عَلى طَيِّها قادِرُ

ولقد قال الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب رحمه الله (1926 ـ 1964م) قصيدة جميلة في مرض موته، وقد ابتلي بنوع شللٍ ألزمه فراشه حتى أصابته قرح الفراش، وشحب لونه، وهزل جسده، وقد ختم بها حياته، وعسى أن تكون توبة له نصوحًا، فالعبرة بالخواتيم كما قال النبي ﷺ: «الأعْمالُ بِالخَواتِيم». (11) وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعْمالُ بِخَواتِيمِها، كالوِعاء: إذا طابَ أعْلاَهُ طابَ أسْفَلُه، وإذا خَبُث أعْلاَهُ خَبُثَ أسْفَلُه". (12) وقد مرّ السياب بمحطات حياتية فكرية بعضها شديد الانحدار، لكنه – كما قيل قد رجع لربه قبل مماته وتاب وأناب وألف كتابه "كنتُ شيوعيًّا". وقد قال في مرض موته هذه القصيدة (13) وقد ضمّن حشوها جميل الحمد والحب والصبر والرضا واليقين، وفيها بعض الشكوى التي ليته سلم منها، وقد وسمها بـ"سفر أيوب" (14):

لك الحمدُ مهما استطال البلاء

ومهما استبدّ الألم

لك الحمدُ، إنّ الرزايا عطاء

وإنّ المصيباتِ بعضُ الكرم

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السَّحَر (15)

فهل تشكر الأرضُ قطرَ المطر

وتغضب إن لم يَجُدْها الغَمامُ (16)

شهورٌ طِوالٌ وهذي الجراح

تمزّقُ جنبيَّ مثل المُدَى

ولا يهدأ الداءُ عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالرَّدى (17)

ولكنّ أيّوبَ إن صاح صاح:

لك الحمد، إنّ الرّزايا ندى

وإنّ الجراح هدايا الحبيب

أضمّ إلى الصّدر باقاتها (18)

هداياك في خافقي لا تغيب

هداياك مقبولة هاتِها

أشدُّ جراحي وأهتفُ بالعائدين

ألا فانظروا واحسدوني

فهذى هدايا حبيبي

جميلٌ هو السّهدُ أرعى سَمَاك

بعينيَّ حتى تغيبَ النجوم

ويلمس شُبّاكُ داري سَنَاكَ (19)

جميلٌ هو الليلُ

أصداءُ بومٍ

وأبواقُ سيارةِ من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأمٌ تُعيد

أساطيرَ آبائها للوليد

وغاباتُ ليل السُّهاد

الغيومُ تحجّبُ وجهَ السماء

وتجلوه تحت القمر

وإن صاح أيوب كان النداء

لك الحمد يا راميًا بالقدر

ويا كاتبًا بعد ذاك؛ الشّفاء

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

.............................

 

1.    البخاري (5337) "تَحاتُّ": مضارع تحاتّ على وزن تباعد، وأصلها: تحاتت فأدغمت التاء تسهيلًا. يقال: حاتّ الورق إذا تناثر. وفي الرواية الأخرى بلفظ مقارب: «أجل، ما من مسلمٍ يصيبه أذى من مرض فما سواهُ إلاَّ حطَّ الله له سيئاته كما تحطُّ الشَّجرةُ ورقها». رواه البخاري (٥٦٤٧) ومسلم (٢٥٧١)

2.    أحمد (1494) وحسنه محققوه من أجل عاصم بن بهدله. وصححه الألباني في صحيح الجامع (996)

3.    سلسلة أعمال القلوب، محمد المنجد (2/ 26-27) بتصرف يسير.

4.    البخاري 8/81 ( 6294 ) ومسلم 6/107 ( 2016 ) ( 101 )

5.    انظر: مدارج السالكين (2 / 176) وما بعدها. وعند مسلم (٢٠١٣) عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُرْسِلُوا فَواشِيَكُمْ وصِبْيانَكُمْ إذا غابَتِ الشَّمْسُ حَتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشاءِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ تَنْبَعِثُ إذا غابَتِ الشَّمْسُ حَتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشاءِ».

6.    العَدْوَة: جانب الوادي.

7.    البخاري 7/168 (5729) ومسلم 7/29 (2219) (98)

8.    طريق الهجرتين (1 / 68)

9.    أبو داود (4701) وصححه الألباني.

10.                    وانظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (١/‏٣٩) وسيأتي بسط ذلك بإذن الله في فصل: الشَّرعُ والقَدَر.

11.                    البخاري (٦٦٠٧)

12.                    ابن حبان (٣٣٩) وحسنه الأرناؤوط.

13.                    وهي من قصائد التفعيلة، أو ما يُسمّى بالشعر الحُرّ غير الملتزم ببحور أشعار العرب، إن صح أصلًا أن نسمّي ما خلا الشعر العمودي شِعرًا، وليس كذلك فيما أحسب إلا إن جعلناه في مرتبة تالية للشعر المعروف أوّلًا والرجز المألوف ثانيًا. فقد يُقبل ذلك إذن تجوّزا لا إقرارًا، لأن له نوعُ جّرْسٍ لذيذ للأذن، ونوع وزن للكَلِم، وإن كان مفكَّكًا وغير مضطرد، لذلك وسَمُوه بالشعر الحرّ من قيد العروض، كذلك تستحليه كثير من القرائح لمن يحسنه - فقد صار بأَخَرةٍ مركبًا لكثير من هُزَالى المتشاعرين - كما قد ضُمّن كمًّا كثيرًا من معاني ونبض الشعر الأصيل.. وعلى كلٍّ فلا مشاحة في الاصطلاح سواء أدخلوه في الشعر أو أخرجوه، وليس هو من التنزيل حتى يلزم التشديد، ففي الأمر سعة إن شاء الله.

14.                    وفي هذا تشبه بأهل الكتاب بتسمية القصيدة بأسفار كتابهم المحرف، وإن كان قصد الشاعر الإشارة بذلك إلى شبه حاله بشيء من حال نبي الله الصابر الراضي الكريم أيوب عليه السلام، ولكن كان الأولى خلاف هذا المُسمّى.

15.                    يقصد أن الظلام عطيّة ربانية له، وبخاصة وقت السَّحر، فيخلو فيه عن الخلق بربه، ويبثه ما تفيض به نفسه المتألمّة من زَمَانةِ السقام وشوق اللقاء وبرْد الرضا، وانكسار التائب المنيب.

16.                    أي أنه ثابت على الرضا والحمد والشكر في العطاء والمنع، واليسر والعسر.

17.                    كأنه يلمح إلى أن خواطرًا بتمنّي الموت تأتيه ليلًا حتى تمسح ألم طعن سكاكين جراح القروح، وتمنّي الموت لضرر دنيا خطيئة، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ ينزل به، فإن كان لا بدّ متمنِّيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". رواه البخاري (5671)، ومسلم (2680)

18.                    فمِن رضاه بربه وحمده شكره على ابتلائه صارت البلايا عليه كباقات الورود المُهداة، لِمَا تضمّنته من معاني التكفير والتطهير ورفعة الدرجات.

19.                    لأنه كسيح طريح الفراش، مشلول لا يمشي هنا وهناك، بل مقابل لنافذته التي يراعي فيها نجوم السماء وأحوال الأرض، ومن جمال الأدباء أن خيالهم المُترع بالجمال يصوّر لهم المعاني متجسّدة، فيتذوّقونها بقلوبهم، ويشمّونها بأرواحهم، ويتناولونها بعقولهم، وإن كانت عن الحسّ بعيدة، بل حتى الشيء الذي يراه بعض أهل الكثافة في الغاية من الوحشة – كصوت البوم – نراه يصوره كنغمٍ جميل لقيثارة ناعمة، وذلك للطف روحه، ورقّة طبعه، ورهافة إحساسه، رحمه الله تعالى.

 

هل الرضا بالله تعالى موهبيٌّ أم كسبيٌّ؟

 

هل الرضا بالله تعالى موهبيٌّ أم كسبيٌّ؟

 

أي: هل يُوهَبُ من الله كالغريزة، وهو ما يسمونه بالحال، أم يمكن للعبد تحصيله؟ ويسمّونه المقام. أي هل هو فطريٌّ، أم لا يُحَصل إلّا بالمجاهدة ورياضة النفس؟

والجواب: أنه هذا وهذا، فأصله موجود في معدن المرء وجِبِلَّته وغريزته، مختلفٌ وجودًا وعدمًا، قوةً وضعفًا من شخص لآخر، كما أن للعلم بالوحي الشريف مع الدُربة والمجاهدة أثر أصيل في إيجاده – بإذن الله تعالى - إن كان معدومًا، وفي حفظه  وزيادته وتقويته إن كان موجودًا، وكلما زاد العلم بالله وشرعه في القلب ازدادت موارد الرضا به تبارك وتعالى، وكلما تقلص العلم به بَرَكَ الجهل بكلكله على كاهله، فأخمد جذوته، وأطفأ نوره، وأضعف قوّته، كذلك إذا داوم العبد على تحريك قلبه به – إذ هو منقسم على علم القلب وعمله – فتفكّر فيه، ومارسه، وحَيَا به، وتذكّره آناء الليل وأطراف النهار وعند نومه بقوله بلسانه المواطئ قلبه: "رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا" (1). ويُخْطِرُ تلك المعاني الطاهرة الجميلة المُفعَمة على نياط قلبه كلّما لاحت مناسبتُه، حينها يقوى رضاه بربه، فلا يزال في زيادة علمٍ مباركٍ حتى يلقى الله تعالى يوم يقوم الأشهاد.

وبالجملة؛ فالرضا مبنيٌّ في الأساس على علوم وأعمال أخرى كالعلم بصفات الله تعالى وأفعاله، وكالتوكل والتفويض والتسليم والمحبة والإخلاص، فعلى قدرها يكون غَناءُ التوكل وضعفُه بضعفِها. وعليه؛ فالرضا موهبيّ كسبيّ، وهو محض فضل الله تعالى على عبده بإيجاده في قلبه ابتداءُ، وبحراسته وعمارته وإمداد عبده وإعانته بطرائقِ تحصيله ووسائل زيادته وحبالِ حفظه انتهاءً.

قال المُنجّد حفظه الله تعالى: "الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، موهبيٌّ باعتبار حقيقته. فإذا تمكن العبد في أسباب الرضا وغرس شجرة الرضا في قلبه جنى الثمرة. لأن الرضا آخر التوكل. فبعدما يعجز التوكل يأتي الرضا. و الذي ترسخ قدمه في طريق التوكل ينال الرضا. لأن بعد التوكل والتسليم والتفويض يحصُل الرضا، و بدونها لا يحصل الرضا.

ولذلك لو قال أحدهم: نريد تحصيل الرضا، نقول له: يجب أن يكون لديك توكلٌ صحيحٌ وتسليمٌ وتفويضٌ، ثم ينتج الرضا بعد ذلك. ولذلك لم يُوجِب الله على عباده المنازل العالية من الرضا؛ لأن ذلك شيءٌ صعبٌ جدًّا، وأكثر النفوس ربما لا يحصُل لها ذلك.

فالله ندب إليه ولم يوجبه - ليس أساس الرضا وإنما ما فوق ذلك- فإذا حصل للعبد شيءٌ فإنه لا بد أن يكون محفوفًا بنوعيه من الرضا: رضًا قبله، و رضًا بعده. وكذلك الرضا من الله عز وجل عن العبد، إنما هو ثمرة رضا العبد عن الرب سبحانه، فإذا رضيتَ عن الله رضي الله عنك.

والرضا باب الله الأعظم وجَنَّة الدنيا ومُسْتَراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين، وهو من أعظم أعمال القلوب. قال يحيى بن معاذ لما سئل: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ قال: "إذا أقام نفسه على أربعةِ أصولٍ يُعامِل بها ربه: يقول: إن أعطيتني قبلتُ، وإن منعتني رضيتُ، وإن تركتني عبدتُ، وإن دعوتني أجبتُ".

والرضا إذا باشر القلب؛ فإنه يدل على صحة العلم، وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف، فمن الفروق: أن أهل الجنة مثلًا لا يخافون في الجنة ولا يرجون مثل رجاء الدنيا، لكن لا يفارقهم الرضا أبدًا. فإن دخلوا الجنة فارقهم الخوف ( لا خوفٌ عليهم و لا هم يحزنون ). في الدنيا هناك خوف، فإذا دخلوا الجنة زال الخوف. أما الرضا فلا يزول خارج الجنة و داخلها.

فالخوف والرجاء في الدنيا ليس موجودًا عند أهل الجنة في أحوال (2)، أما الرضا فلا يفارق العبد لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ولا في الجنة. ينقطع عنهم الخوف؛ لأن الشيء الذي كانوا يخافونه أمِنوه بدخولهم الجنة، وأما الشيء الذي كانوا يرجونه فقد حصل لهم، أما الرضا فإنه لا يزال معهم وإن دخلوا الجنة. معيشتهم راضيةٌ وهم راضون، و رضوا عن الله، وراضون بثوابه وما آتاهم في دار السلام" (3).

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

..........................................

1-    قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم، أو إنسان، أو عبد، يقول، حين يمسي، وحين يصبح: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا؛ إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة». رواه ابن ماجه (2/ 3870) وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.

2-    قال ابن القيم في التفرقة بين الرجاءين: "لكنه ليس رجاء مشوبًا بشكٍّ، بل هو رجاءُ واثقٍ بوعدٍ صادقٍ من حبيبٍ قادر، فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون". مدارج السالكين (2 / 175)

3-    سلسلة أعمال القلوب، محمد المنجد (2/ 24-25) بتصرف يسير، وانظر تفصيل ذلك في مدارج السالكين (2 / 173) وما بعدها.

 

 

 

حكمُ التداوي، وهل يقدحُ في الرضا؟

 

حكمُ التداوي، وهل يقدحُ في الرضا؟

 

 الحمد لله، وبعد؛ فإن الأصل في التداوي الجواز، وقد يكتنفه ما يحيله إلى الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم. ولا يقدح التداوي في الرضا إلا بما يقدحه في التوكل؛ كالاعتماد بالقلب على السبب دون المُسبِّب سبحانه، وكالتداوي بمكروه كالكَيّ، وإلا فالأصل أن التداوي ليس بقادح لأنّه من تناول الأسباب التي أباحها الله، وبما أنها مأذونة شرعًا فهي غير قادحة شرعًا، ولا بمُنزِلةٍ صاحبها من تمام الرضا وكماله بإذن الله، وإن كان الأكمل لمن وثق بقلبه تركه، لصحة ما ورد في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّلًا، ولأن العادة في الأسباب جارية على أن دفع الداء بالأدوية دون مرتبة دفع الجوع والعطش بالطعام والشراب، كما قد يترتب على الدواء ضرر في نفس المرض أو غيره، وقد يصاحبه نقصٌ في التوكل واليقين والرضا ونحو ذلك بسبب ضعف القلب أمام واردات آلام الأدواء ورجاء الأسباب المادّية المشروعة للشفاء، ولأن ترك الاستشفاء بالأدوية - خلا النبويّة – فيه مزيد اعتماد وتفويض ورضا بتدبير الله تعالى.

بيان ذلك: أن الاستشفاء هو من قبيل جلب المصلح للبدن ودفع المفسد بإذن الله، وهو في ذلك يجري مجرى الطعام والشراب والاستدفاء ونحو ذلك، وقد أمر الله تعالى بحفظ البدن فقال سبحانه: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وقد كان من هديه ﷺ التداوي في نفسه، والأمر لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، ومن أدلة ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمَه من علمه وجهله من جهله». (1) وقال ﷺ: «لكل داء دواء، فإذا أُصِيبَ دواءُ الداءِ بَرَأَ (2) بإذن الله». (3) وعند أحمد: "فَإذا أصَبْتَ دَواءَ الدّاءِ، بَرَأ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى". (4) لذلك فلا يخرج من هذا العموم أي مرض حتى الإيدز والسرطان والكورونا ونحوها، ولكن علاجها لا زال في طيّ علم علام الغيوب سبحانه، فإذا أذن لعباده أن يعلموه يسّر لهم أسباب ذلك. وقال ابن القيم على الحديث الآنف: "فيه تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه". (5) وقال القرطبي رحمه الله: "هذه كلمة صادقة العموم؛ لأنها خبر عن الصادق عن الخالق: (ألا يعلم من خلق)، فالداءُ والدواءُ خلْقُه، والشفاءُ والهلاكُ فعلُه، وربط الأسباب بالمسببات حِكمتُه وحُكمُه، وكل ذلك بقَدَر لا معدول عنه". (6)

وعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعرابُ (7) فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد» قالوا: ما هو؟ قال: «الهَرَم». (8)

قلت: فعاد الأمر بجملته إلى حال المرض والمريض ونوع الدواء، ويختلف الأمر من شخص لآخر ومن حال لآخر حتى لنفس الإنسان. فإن وثق بيقينه وتوكله وحسن ظنه بربّه وثقته به وعظيم صبره ورضاه وعدم انتقاص أمور دينه، واكتفى برقيته على نفسه، وتلذّذ بالرضا بمُرِّ القضاء؛ فالأفضل له ترك التداوي الحسي إلا من زمزم والعسل والحبة السوداء ونحو ذلك مما جاء في الوحي الإرشاد إليه. وعليه؛ فتركه للتداوي غير النبوي أفضل تسليمًا ورضًا. أما من لم يجتمع له ذلك فالتداوي في حقّه آكد، ولا يسع أكثر الناس إلا ذلك، وليس في دينِ مَن تداوى بالمباح منقصة من ذلك بحال، بل هو مُتَّبعٌ للشرع، مطيع للربّ.

وعلى ذلك؛ فقد يكتنف المرض أحوال تُرجِّحُ أفضلية التداوي؛ كقيام المريض على أمور ضرورية للناس تختلُّ بمرضه، أو أن يخشى ضيق نفسه بالمرض، أو نوع تضجّر، أو ضعف صبر، واضطراب، وتشويش جمعية قلبه بانشغاله بمدافعة الألم والمرض عن عبادات أنفع لقلبه، أو انشغال عما هو أولى كمصالح المسلمين العامة ونحو ذلك، فيستحبُّ له التداوي جلبًا للمصلحة الأعلى.

 أما إن خشي على نفسه التلف والهلكة؛ كنزيف يحتاج لرتق أو كيّ، وجرت العادة بنفع ذلك الدواء، كذلك من خشي إيذاء غيره؛ كمن به مرض مُعدٍ ولا يتمكّن من الاحتراز من نقل العدوى، ولا يستطيع عزل نفسه، أو خشي على دينه من الجزع والتسخّط فالواجب في حقه التداوي. أما إن استوى الطرفان فهو على الإباحة. علمًا أنّ التداوي بالكي مكروه، وأما التداوي بالحرام كالخمر والخنزير والدم والنجاسات والميتة  فحرام. والله أعلم.

وقد اختلف أهل العلم في الجملة في حكم التداوي، هل هو مباح وتركه أفضل؟ أم مستحبّ؟ أم واجب؟ فالمشهور عند أحمد الأول، وعند الشافعي الثاني، وذكر النووي أنه مذهب جمهور السلف والخلف، وعند أبي حنيفة أنه مؤكّد حتى يُداني به الوجوب، وعند مالك استواء الطرفين. أما الرقية فمستحبة من الإنسان لنفسه ولغيره، أما الاسترقاء – وهو طلب الرقية – فخلاف الأولى.

والجمهور على أنّ التداوي مباح، وإن اختلفوا هل الأولى فعله أو تركه. وفعلُ النبي صلى الله عليه وسلم للتداوي دليل على أصل الإباحة. أما تخييره صلى الله عليه وسلم للمرأة التي كانت تصرع بين الصبر (9) والدعاء لها بالشفاء مع ضمان الجنة لها فهو دليل على عدم وجوب التداوي، وقد ترك التداوي جماعة من السلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولست أعلم سالفًا أوجب التداوي، وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضّلًا واختيارًا لما اختار الله ورضي به وتسليمًا له". (10) وقد نقل الذهبي رحمه الله الإجماع على عدم وجوب التداوي. (11) ولما قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه - وهو في مرض الموت-: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: "قد رآني". قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: "إني فعّال لما أريد". (12)

قال الشاطبي رحمه الله: «وقد تكون المشقّة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه؛ فههنا ليس للشارع قصد في بقاء ذلك الألم وتلك المشقة والصبر عليها، كما أنه ليس له قصد في التسبّب في إدخالها على النفس، غير أن المؤذيات والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد وتمحيصًا، وسلّطها عليهم كيف شاء ولِمَا شاء فـ {لا يٍسًأّلٍ عّمَّا يّفًعّلٍ وهٍمً يٍسًأّلٍونّ} [الأنبياء: 32]، وفهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق، رفعًا للمشقّة اللاحقة، وحفظًا على الحظوظ التي أذن لهم فيها». (13)

والتداوي هو من جملة الأقدار، فعن أبي خزامة ؓ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رُقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتُقاة (14) نتّقيها، هل تردّ من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قَدَر الله» (15). قال ابن القيم رحمه الله: "وقد أجابهم النبي ﷺ بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يردّ قدَرَه بقدَرِه، وهذا الردّ من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كردّ قدر الجوع والعطش والحرّ والبرد بأضدادها، وكردّ قدر العدو بالجهاد، وكلٌّ من قدر الله، الدافع والمدفوع والدفع". (16)

وقال ابن مفلح رحمه الله تعالى: "يُباحُ التداوي، وتركه أفضل، نصّ عليه (17) قال في رواية المرّوذي: العلاج رخصة، وتركه درجة أعلى منه. وسأله إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في الرجل يمرض يترك الأدوية أو يشربها قال: إذا توكّل فتركها أحبّ إليّ.

وذكر أبو طالب في كتاب التوكل عن أحمد رضي الله عنه أنه قال: أُحِبُّ لمن عقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي مِن شرب الدواء وغيره. وقد كانت تكون به علل فلا يخبر الطبيب بها إذا سأله، وقدّمه ابن تميم وابن حمدان، وهو قول ابن عبد البرّ، وحكاه عمن حكاه لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، (18) هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون". متفق عليه. (19) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل". رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات وصححه الترمذي". (20) (21)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أو مستحب أو واجب؟ والتحقيق: أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب. وقد يكون منه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: "من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار". فقد يحصل أحيانًا للإنسان إذا استحرّ المرض ما إن لم يتعالج معه مات، والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف وكاستخراج الدم أحيانًا". (22) وقال أيضًا: "وليس التداوي بضرورة لوجوه:

 أحدها: أن كثيرًا من المرضى أو أكثر المرضى يُشفون بلا تداوٍ لا سيّما في أهل الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض، يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة للقلب وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء. وأما الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلا بالغذاء، فلو لم يكن يأكل لمات، فثبت بهذا أن التداوي ليس من الضرورة في شيء.

 وثانيها: أن الأكل عند الضرورة واجب، والتداوي غير واجب. ومن نازع فيه خصمته السنة في المرأة السوداء التي خيّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة وبين الدعاء بالعافية، فاختارت البلاء والجنة. ولو كان رفع المرض واجبًا لم يكن للتخيير موضع كدفع الجوع. وفي دعائه لأبيّ بالحمّى، وفي اختياره الحمّى لأهل قباء، وفي دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون، وفي نهيه عن الفرار من الطاعون.

وخصَمَهُ حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له مثل أيوب عليه السلام وغيره. وخَصَمه حال السلف الصالح؛ فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين قالوا له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال : إنّي فعال لما أريد. ومثل هذا ونحوه يروى عن الربيع بن خُثَيْم المُخبت المنيب الذي هو أفضل الكوفيين أو كأفضلهم، وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي، وخلق كثير لا يحصون عددًا.

 ولست أعلم سالفًا أوجب التداوي، وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضلًا واختيارًا لِمَا اختار الله ورضي به وتسليمًا له، وهذا المنصوص عن أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه، ومنهم من يستحبه ويرجحه، كطريقة كثير من السلف استمساكًا لما خلقه الله من الأسباب، وجعله من سنّته في عباده.

وثالثها: أن الدواء لا يُستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض؛ إذ لو اطّرد (23) ذلك لم يمت أحد، بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة فإنه مستيقن بحكم سنة الله في عباده وخلقه.

ورابعها: أن المرض يكون له أدوية شتّى، فإذا لم يندفع بالمُحَرَّم انتقل إلى المُحَلَّل، (24) ومحال ألّا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت. ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو سبحانه الرءوف الرحيم. وإلى هذا الإشارة بالحديث المروي: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". (25) بخلاف المسغبة فإنها وإن اندفعت بأي طعام اتفق إلا أن الخبيث إنما يباح عند فقد غيره، فإن صوّرت مثل هذا في الدواء فتلك صورة نادرة؛ لأن المرض أندر من الجوع بكثير، وتعيّن الدواء المعيّن، وعدم غيره نادر فلا ينتقض هذا. على أن في الأوجه السالفة غنى.

وخامسها - وفيه فقه الباب-: أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام والغذاء لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه، فقد هدانا وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة. وأما المرض فإنه يزيله بأنواع كثيرة من الأسباب ظاهرة وباطنة روحانية وجسمانية، فلم يتعيّن الدواء مزيلًا. ثم الدواء بنوعه لم يتعيّن لنوع من أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين. ثم ذلك النوع المعين يخفى على أكثر الناس بل على عامتهم دركه ومعرفته، والخاصة المزاولون منهم هذا الفن أولو الأفهام والعقول يكون الرجل منهم قد أفنى كثيرًا من عمره في معرفته ذلك ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته، ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه، ففارقت الأسباب المزيلة للمرض الأسباب المزيلة للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها، فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا". (26)

وقال ابن باز رحمه الله تعالى: "التداوي لا بأس به، ولا حرج فيه، ولا ينقص الإيمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام". (27) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله". (28) لكن ترك طلب الاسترقاء هو الذي جاء في الحديث: "ولا يسترقون". (29) أي: لا يطلبون من يرقي لهم ويقرأ عليهم "ولا يكتوون"، فترك الكي أفضل إلا عند الحاجة فلا بأس، (30) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الشفاء في ثلاث: كيّة نار، أو شربة عسل، أو شرطة محجم". (31) فإذا دعت الحاجة إلى الكيّ أو الاسترقاء أو نحو ذلك فلا بأس به، فالتداوي مطلوب "ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء". لكن مع التداوي يعتمد على الله، ويسأل ربه الشفاء، ويعلم أنه سبحانه هو الشافي وبيده الأمر. والتداوي من الأسباب، فالعلاج عند الأطباء أو عند القراء كلها أسباب، والتوفيق والشفاء بيد الله جل وعلا". (32) وقال العثيمين رحمه الله: "إذا غلب على الظن نفع الدواء مع احتمال الهلاك بتركه فالتداوي واجب. وإن غلب على الظن نفع الدواء، ولكن ليس هناك احتمال للهلاك بترك الدواء، فالتداوي أفضل. وإن تساوى الأمران فترك التداوي أفضل". (33)

وكم من مريض استعجل شفاءه بمحرم كان فيه هلاكه، فأراد العاجلة ولاتَ حينَ شِفاءِ!

وقد ييسّر الله تعالى الشفاء من المرض العضال برؤيا صالحة، وقد ذكروا أن عائشة رضي الله عنها لما سحرتها جاريتها رأت في منامها أن اغتسلي من ثلاثة آبار يمدّ بعضها من بعض، فاستُقي لها فاغتسلت فبرأت بإذن الله. (34) وأسند البيهقي رحمه الله عن اللَّيث بن سَعد رحمه الله قال: رأيتُ إسماعِيلَ بنَ عُقبةَ بصِيرًا، ثُمَّ رأيتُه قَد عميَ، ثُمَّ رَأيتُه قَد أبصَر، فَقلت لَه. فقال: "رأيتُ رجلًا في المَنام قائِمًا، فقال لي: قُل. قُلت: ما أقُولُ؟ قال: قُل: «يا قَرِيبُ يا مُجِيبُ، يا سَمِيعَ الدُّعاءِ، يا لَطِيفُ لِما يَشاءُ، رُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي، فَقُلْتُها فَأبْصَرْتُ". (35)

هذا؛ وإنّ الإخبار بالمرض – لحاجة- ليس من الشكوى ولا يقدح في الرضا، فعن أبي سعيد الخدري: أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده عليه، فوجد حرارتها فوق القطيفة. فقال أبو سعيد: ما أشدّ حُمَّاك يا رسول الله! قال: "إنا كذلك، يشتد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر". فقال: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟. قال: "الأنبياء ثم الصالحون، وقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يجوبُها (36) فيلبسها، ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء، من أحدكم بالعطاء". (37) وقد بوّب البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد باب: هل يكون قول المريض: "إنّي وجع" شكاية؟ وساق الحديث عن هشام، عن أبيه قال: "دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء- قبل قتل عبد الله بعشر ليال- وأسماء وجعة. فقال لها عبد الله : كيف تجدينك؟ قالت: وجعة. قال: إني في الموت. فقالت: لعلك تشتهي موتي، فلذلك تتمناه؟ فلا تفعل، فوالله ما أشتهي أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، أو تُقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقرّ عيني، فإياك أن تُعرض عليك خُطّة، فلا توافقك، فتقبلها كراهية الموت. وإنما عنى ابن الزبير ليقتل فيحزنها ذلك". (38)

 أما إن لم يكن هناك حاجة من الإخبار فالكف عنه أولى، وليكن حاله كحال يعقوب عليه السلام: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)، ولا يكن كالشاكين ربهم لخلقه! وقد نظر أعربي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضرّ فقال: «يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟».

 وإذا عَرَتْكَ بليّةٌ فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلمُ

وإذا شكوتَ إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ


إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

......................

 

1.    البخاري (5678) دون جملة «عَلِمَه من علمه...» فإنها عند أحمد (4/ 278) وحسنه محققوه، والحاكم (4/ 196)

2.    قال ابن الملك في شرح المصابيح (٥/‏٩١): "بَرَأَ: بفتحتين، يقال: بَرَأْتُ من المرض أبَرأُ بَرْءًا بالفتح، فأنا بارِئ، وأبرأني الله منه، وعن أهل الحجاز: بَرِئْتُ بالكسر، بُراءً بالضم.

3.    مسلم (2204) قوله: "فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدّاءِ» أي إذا أصاب المريض الدواء المناسب شُفي بإذن الله تعالى، وفيه إشارةٌ إلى أهميّة دقةِ التشخيصِ للمرضِ، وحُسْنِ اختيارِ الدواءِ المناسبِ، من حيث النوعُ والكمُّ، وتقصِّي أقلِّ الأعراضِ الجانبيةِ حدوثًا. قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (٩/‏٣٥٧): "فإذا أصاب المريض دواء الداء المناسب له، سواء أصابه بتجربة أو أخبار عارف، واستعمله على القدر الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي؛ برأ بإذن الله تعالى، لأن الشيء يُداوى بضده غالبًا، لكن قد تدقّ حقيقة المرض وحقيقة طبع الدواء، فيقلّ الفقه بالمتضادّين، ومن ثم أخطأ الأطباء، فمتى كان مانعًا بخطأ أو غيره؛ تخلّف البرء، فإن تمّت المضادّة حصل البرء، فصحّت الكلية واندفع التدافع، وهذا أحد محمَلي الحديث".

4.    المسند (١٤٥٩٧) وقال محققوه: حديث صحيح، إسناده على شرط مسلم.

5.    الزاد (4/ 17)

6.    عن: فيض القدير للمناوي (5 / 361)

7.    وقد كان الصحابة يفرحون بهم ليتعلّموا من أجوبة رسول الله ﷺ لهم، وفي هذا بيان جمال خلق الصحابة مع نبيهم ﷺ، وهيبتهم له، وتوقيره، رضوان الله عليهم.

8.    أحمد (4/ 278) وأبو داود (3857) وصححه الألباني. وأخرجه الترمذي (2038) وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبان في الموارد (1395) والبوصيري في الزوائد (1924) وصححه الألباني.

9.    ولازِمُهُ ترك التداوي على الأظهر.

10.                    مجموع الفتاوى (21/564)

11.                    الطب النبوي (227)

12.                    الجامع لأحكام القرآن (19 / 297) وتفسير ابن كثير (8 / 372)

13.                    الموافقات (2 / 260)

14.                    التقاة: ما يُتَوقّى به الضرر، كالدرع والترس ونحو ذلك، لذلك فالتقوى جُنَّةٌ من غضب الله وعذابه.

15.                    أحمد (3/ 421)، الترمذي (2066)

16.                    الزاد (4/ 14)

17.                    أي الإمام أحمد رحمه الله.

18.                    ومن فضل الله ورحمته وكرمه أن جعل مع كل واحد من السبعين ألف سبعين ألفًا أيضًا، فيكون مجموعهم أربعة مليارات وتسعمئة مليون مؤمن: ( 70000 × 70000 = 4900.000000) والظاهر أن الأعداد هنا مقصودة بذاتها وليست على سبيل المبالغة كعادة العرب في المبالغة بالسبعين، لأن جادّة العرب في المبالغة بالعدد أنهم يكتفون بذكره وحده بلا إضافات عليه، كقولهم رأيته سبعين مرة ونحو ذلك، أما في هذا الحديث فقد رُتّبت أعداد لاحقة على أعداد سابقة فمع كل ألف سبعين ألفًا، أو مع كل واحد سبعين ألفًا، أما الحَثَيَات الربانية فلا يقدر قدرها إلا الله تعالى، ومثلُ هذا العدد المقصود حديثُ رسول الله ﷺ: «يُؤتى بجهنَّمَ يومئِذٍ لها سَبعُونَ ألف زمامٍ، مع كلِّ زِمامٍ سَبعونَ ألف مَلَكٍ يَجُرُّونَها»، رواه مسلم (٢٨٤٢) والله أعلم. فعند أحمد (22) وأبي يعلى في مسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "أُعطيتُ سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا". وقال الهيثمي في المجمع (18712): "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيهما المسعودي وقد اختلط، وتابعيّه لم يسمّ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح". وصححه البوصيري والألباني في الصحيحة (١٤٨٤)  وقال بعد ذكره كلام الهيثمي الآنف: "لكن الحديث صحيح، فإن له شواهد كثيرة عن جمع من الصحابة، وفاته حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سألت ربي عز وجل، فوعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا فقلت: أي رب؛ إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمتي، قال: إذن أكمّلهم لك من الأعراب". أخرجه أحمد ( 2 / 359 ) عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: و هذا إسناد على شرط مسلم، لكن زهير هذا وهو أبو المنذر الخراساني فيه ضعف من قبل حفظه. و الحديث قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ( 11 / 345 ): "رواه أحمد و البيهقي في "البعث" من رواية سهل بن أبي صالح ...، وسنده جيد، وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند ابن أبي عاصم، فهذه طرق يقوي بعضها بعضًا". قلت: وعن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عند أحمد أيضًا ( 1 / 197 )". أهـ.

 وقد جاء في حديث آخر: "وعدني ربي أن يُدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيَاتٍ من حَثَيَاتِ ربي". فعددهم في هذا الحديث أربعة ملايين وتسعمئة ألف (٤.٩٠٠.٠٠٠) مع زيادة حثيات الكريم الرحيم الوهاب تبارك وتعالى. فلعل الله تعالى قد بشره أوَّلًا بسبعين ألف مع كل ألف، ثم زاده سبعين ألفًا مع كل واحد، وفوق ذلك كله الحَثَيَات الإلهية الثلاث، أي يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب بقدر حثياته الثلاث تبارك وتعالى وتقدّس، وهي حثيات عظيمة، ولا يقدّر قدرها إلا الله تعالى. والله أعلم كم قدر الحثية، والحَثية في اللغة: هي ملء الكفّين. نسأل الله الكريم أن يجعلنا جميعًا ووالدينا وأحبابنا منهم، آمين.

19.                    البخاري 7/163 ( 5705 )، ومسلم 1/137 ( 220 ) ( 374 )

20.                    أحمد (18221) وحسنه محققوه، والترمذي (2055) وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني.

21.                    الآداب الشرعية لابن مفلح (2/359)

22.                    مجموع الفتاوى (18 / 12)

23.                    يصح لغة: اضطرد واطّرد.

24.                    لعل في العبارة قلب، فيكون الكلام : "إذا لم يندفع بالمُحلّل انتقل إلى المُحرّم"، أي قياسًا على أكل الميتة لمن خاف على نفسه الهلكة، ولا يقصد بذلك بيان الحكم – فهو لا يقول به - إنما قصد التدرج في القياس لإبطاله بسبب عدم اتحاد العلّتين، مع بيان الفرق بينهما، هذا هو الأظهر. أما إن لم يكن ثمّ قلب فقد يكون قد قصد التقسيم العقلي المُلجئ بالقسمة الثنائية، فالدواء إما بالحلال أو الحرام، وبما أن الشارع قد حرّم الحرام، وبيّن أنه ليس فيه شفاء، فيلزم من ذلك أن الدواء الشافي بإذن الله محصور في الحلال، والله أعلم.

25.                    ابن حبان في صحيحه (٤ / ٢٣٣) وأبو يعلى في المسند (١٢) وشرح ثلاثيات المسند (1/825) وقال السفاريني: صحيح. وصححه كذلك في كشف اللثام (6/ 200). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٨٦): "رجاله رجال الصحيح، خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان".

26.                    مجموع الفتاوى (21 / 563- 566)

27.                    الترمذي (2038) وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني.

28.                    البخاري (5678) دون جملة «علمه من علمه...» فإنها عند أحمد (4/ 278) وحسنه محققوه، والحاكم (4/ 196)

29.                    البخاري 7/163 ( 5705 )، ومسلم 1/137 ( 220 ) ( 374 ) وجاءت عند مسلم بلفظ "لا يرقُون" وقد ردها المحققون للشذوذ. قال ابن القيم رحمه الله: "زاد مسلم وحده «ولا يَرْقُون» فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "هذه الزيادة وهمٌ من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرقون" لأن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الرقى: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه". (رواه أحمد (3/302) ومسلم (14/186) وقال صلى الله عليه وسلم: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا". (رواه أبو داود (3886) وأيضًا فقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم. (رواه مسلم (14/170) والفرق بين الراقي والمسترقي: أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع". المستدرك على مجموع الفتاوى (1 / 27) وانظر: مفتاح دار السعادة (580) وقال العثيمين رحمه الله: "لا يرقون" كلمة غير صحيحة، ولا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن معنى "لا يرقون" أي: لا يقرؤون على المرضى، وهذا باطل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرقي المرضى". شرح رياض الصالحين (1/290)

30.                    قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدُها: فعلُه، والثانى: عدمُ محبته له، والثالث: الثناء على مَن تركه، والرابع: النهى عنه. ولا تَعَارُض بينها بحمدِ الله تعالى، فإنَّ فِعلَه يدلُّ على جوازه، وعدمَ محبتِه له لا يدلُّ على المنع منه، وأما الثناءُ على تاركِه فيدلُّ على أنَّ تَرْكَه أولى وأفضلُ، وأما النهىُ عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذى لا يُحتاجُ إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. والله أعلم". زاد المعاد (4 / 65)

31.                    صححه ابن باز في المجموع (1/ 206) والألباني في صحيح الجامع (3734) أما لفظ البخاري فبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفاء في ثلاثة؛ في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكيّ".

32.                    دروس للشيخ عبد العزيز بن باز (17 / 12)

33.                    كتب ورسائل العثيمين (215 / 1)

34.                    الجامع لمسائل المدونة لابن يونس الصقلي (٧/‏٨٤٥) وقد ذكرها ابن القيم في الروح (١/‏١٩١)

35.                    شعب الإيمان (٢/‏٣٥٦)

36.                    "يجوبها": الجوب الخرق والقطع.

37.                    الأدب المفرد (١/‏١٧٩) وشعب الإيمان للبيهقي (١٢/‏٢٢٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٩٩٥) وعند أحمد بنحوه في المسند (٣/ ٩٤)، ومصنف عبد الرزاق (٢٠٦٢٦)، وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٤٧)

38.                    الأدب المفرد (509) وصححه الألباني.