إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 20 مايو 2025

هل الخلافة وسيلة أم غاية؟

هل الخلافة وسيلة أم غاية؟

الحمد لله، وبعد؛ فإنّ الخلافة وسيلة لإقامة الغاية، فالغاية هي إقامة دين الله تعالى في أرضه، فإذا أقيم الدين، وأمنت السبل، وحُكِّمَ القرآن العظيم، وقام للمؤمنين ولاية؛ فقد حققت الغاية، حتى ولو لم تكن لهم خلافة بالمعنى العرفي الحالي.

فالخلافة الراشدة قد انقطعت بملك معاوية رضي الله عنه، وهو أفضل ملوك الإسلام طرًّا. ثم اجتمع الناس على معاوية رضي الله عنه عام الجماعة، وتوالى اجتماعهم على إمام واحد مع بعض الافتراق والتعدد، حتى تفرقوا في عهد بني العباس، وتوالى ذلك التعدد والافتراق حتى زماننا، مع بعض الاجتماع لأقاليم عديدة في أزمان تحت إمام للمسلمين في تلك البقاع واحد.

إذن؛ ما هي الغاية من إقامة الخلافة، ولماذا هذا الكلام الكثير حول إقامتها؟

الجواب: أن هذا الأمر الفاضل الشريف قد بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ». ثم سَكَتَ. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني عمر - بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به، وأعجبه ([1]).

إذن فلا يُلام من انتظر بشارة الحبيب صلى الله عليه وسلم في واقع أمته الحَمَّادة المختارة المرحومة، فالخلافة التي على منهاج النبوة تعني أن دين الناس في زمانها قائم صالح، وهم على جادته مستقيمون، وشريعة الله تعالى قائمة لهم وبهم وفيهم، ولهم إمام واحد جامع يسوسهم بالشرع الحنيف. فهو زمان رغيب لكل مؤمن، ولكن ذلك لا يبيح حرق المراحل السياسية لإقامتها على حساب السنن الإلهية التي مِن أعظمها تمكين دين الله في القلوب والأعمال، فلا بد من البدء بدعوة الناس لتوحيد الله تعالى وإقامة كتابه في أنفسهم قبل اجتماعهم على ما سواه، فمتى استقام الناس على الشرع؛ أقام الله لهم الدين والدنيا ومكّنهم واستخلفهم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥﴾ [النور: 55].

وأيضًا: لا بد لنا من تحديد معنى الخلافة الواردة في الحديث أولًا، فقد يكون تأويل الحديث قد تمّ بخلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وهو وجيه جدّا، وفي بعض الروايات ذكر الملك العاضّ دون الجبرية، وفي أخرى: «ثم تكونُ مُلكًا وجبريةً»

وهما متقاربان فالملك العضوض يكون بالإجبار، والإجبار لا يكون إلا عاضًّا، ولكن بينهما فروق فالعاضّ أرفق، والجبري أشق، لذلك جاء ترتيبها الزماني على حسب حقيقتهما، وهما قد تحققا في ملك بني مروان حتى زمن الخليفة المبارك عمر بن عبد العزيز، فبهذا يكون تأويل البشارة قد تم وانقضى.

ومنهم من يمدّ البشارة إلى آخر الزمان، بلا تحديد وقت، إنّما بتلمّس أوصاف واقعة، وهو بالجملة من الأحاديث التي يفيد منها المؤمنون البشارات دون التزام تطبيقها على زمن بعينه، والله أعلم.

والخلافة في اللغة: مصدر خَلَفَ يخلف خلافة، أي بقي بعده أو قام مقامه، والخلافة: اسم للمنصب الذي يتبوؤه من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في إجراء الأحكام الشرعية ورئاسة المسلمين في أمور الدين والدنيا([2]).

والخلافة بمعناها العرفي لدى أكثر من كتب من المعاصرين هي توحيد ما استطعنا من دول الإسلام تحت راية دولة واحدة وإمام واحد، دون التأكيد على اشتراط استقامة الدولة والناس على الشرع، سواء أكان الناس على الشريعة رعاة ورعية كما كان الحال إبان العصور الأولى الطرية للإسلام، كما في عهد الخلفاء الراشدين([3])، ثم مع بدايات النقص مع بني أمية، ثم زيادة الانحدار في عهد كثير من بني العباس، إلى زمان اختلاف الحال، وتفشي الجهل والجهالة، وغلبة البدع والمنكرات، بل وفشو الشرك إبّان الدولة العثمانية المسماة حينها بالخلافة العثمانية، وبخاصة في ثلثها الأخير،  (ولا مشاحة في الاصطلاح فاللغة تقبلها، فقد خلفت من سبقها ويخلفها من يليها) حتى هزمت في الحرب العامة (الأوروبية) الأولى، إلى أن تقاطع النصارى أغلب أراضيها الإسلامية فيما بينهم تحت مسميات الانتداب أو الاحتلال الصريح.

ومع أن احتلال دول النصارى لديار الإسلام ليس أمرًا طارئًا كما فعلوا باحتلال بعض أقاليم الشام عقودًا طويلة إبان الحروب الصليبية، إلا أن تقسيم أسلاب دولة الخلافة العثمانية بحسب اتفاقية سايكس بيكو كان ثقيلًا شديدًا مروّعًا؛ فمن هنا كثرت نداءات بعض الكتاب والخطباء الإسلاميين برد الخلافة من جديد، ومع تكرارهم وتبني بعض الجماعات لتلبية هذا النداء صارت إقامة الخلافة الإسلامية أصلًا وغاية وهدفًا أسمى لدى قلّة من المتعجّلين، حتى ولو أحرقوا في سبيل إقامتها الأصول المِلّية القرآنية الحقيقية كتحقيق التوحيد، واتّباع حذافير السُنّة، وحفظ عقود الولاء والبراء الإيمانية، وما يلي ذلك كترك التحزب لسوى الإسلام! فمن هنا صارت الوسيلة (وهي إقامة الخلافة) أصلًا وغاية مقدمة على ما سواها، وتتكسر عند أعتابها كل شعب الإيمان.

وهذا هو مكمن الخطأ الفاحش الذي لا بد من تصحيحه في الأذهان والميادين. فإقامة دولة تحمل الإسلام الصافي النقي هي الغاية السياسية لمغازي المسلمين، أما توسيعها على حساب صفاء الحنيفية فليس من التوفيق في شيء. ومن هنا نقول: إنه لا تنبغي لنا شِدة المبالغة في المطالبة بإعادة الخلافة السياسية ما لم تقم الخلافة الإيمانية السنية الحنيفية في قلوب الناس أوّلًا، فالتوحيد أوّلًا لو كانوا يعلمون، وتدبر سورة هود عليه السلام تجد أن رسالة كل نبيّ التي لا يتقدمها شيء هي: ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ﴾ [هود: 2]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد بنى الدين في القلوب إبّان الفترة المكية قبل بناء أوطان الدين في المدينة، وعليه فإن تيسر حكم رشيد يختصر الأمر فتوفق الأمة لولي أمر رشيد يأخذ بها للهدى فنعمّا، أما أن يكون الحكم والرئاسة هي الهدف الأسمى ولو على حساب البدء بتحقيق التوحيد وإحسان الاتّباع في حياة الناس فهذا خطأ منهجي كبير.

وبالجملة؛ فموضوع الخلافة محمود مشكور مشروع من حيث الأصل، لكن لا بد من معرفة أن هذا المشروع هو بحد ذاته وسيلة لإقامة دين الله تعالى في الأرض، لا أنه هو دين الله في نفسه، ومتى انقلبت الوسيلة أصلًا؛ انتقص حينها من الغايات بقدر ذلك.

ومن ذلك أن بعض الناس قد تساهلوا في دعوة الناس لأصل التوحيد والسنة ومنهج السلف في أصول الاعتقاد وتهوين أصل الولاء والبراء، كل ذلك في سبيل الاجتماع بحبل واهنٍ سمّوه الاجتماع في الجماعة لإقامة الخلافة.. ثم كان ماذا؟!

إنّ الذي أمرنا بالاجتماع وترك التفرّق وإقامة أخوة الإسلام وإعداد العدة لإرهاب أعداء الله هو الذي أمرنا بعبادته وتحقيق دينه، فإن اجتمعنا في الدين وأصوله فقد اجتمعنا على الحقيقة شرعًا حتى وإن تفرقنا في الأجساد أو اختلفت البقاع واختلفت الألوان الجنسيات ونحو ذلك، لهذا نكرر القول بأن الاجتماع السياسي لجميع المسلمين تحت ظل دولة واحدة هو حسن طيب مشروع، ولكن لا بد أن نعلم أن هذا الاجتماع السياسي هو في ذاته وسيلة لإقامة الاجتماع الديني الذي هو الغاية، وإنما يأتي الخلل لدى من جعل اجتماع السياسة غاية؛ فيضحّي على مذبحه بقربان اجتماع الدين! فيتعاون بعضهم فيما اتفقوا عليه (من السعي لإقامة الخلافة) ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه من اختلاف أصول الملة، حتى ولو كان من بينهم من يستغيث بالأموات ويعبد آل البيت أو يجحد علوّ الله تعالى، فأيُّ دين هذا، وأيّةُ دعوة تلك! وتدبر قول ربنا الأعلى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦﴾ [النحل: 36] وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ، ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى» ([4]). فمن أراد إحسان الاتّباع فليبدأ من هنا.

وحتى لا يتوسع بنا البحث فيتشعب الكلام ويضيع المقصود يحسن بنا ذكر مثال يتضح منه مقصود المقال وهو كالتالي:

فلو افترضنا وجود ولايتين متجاورتين كل منهما على الإسلام ومذهب أهل السنة والجماعة وقائمتان بالشرع؛ فهل يشرع ضمّ أحداهما للأخرى بالسيف بحجة توسيع رقعة الإسلام (وهي دعوى لتوسيع الولاية، وما ذكر الإسلام حينها إلا ذريعة موصلة للغنيمة، لأن الإسلام قائم في تلك البقعة أصلًا).

إنّ إقامة الولاية المقيمة للشريعة فرضٌ، ولكن توسيع هذه الولاية على حساب ولايات إسلامية أخرى قائمة فهذا هو محلّ النقاش. والي يظهر ويترجح هو القول بأن الولايتان إن كانتا على الإسلام، وعلى السنة، وعلى المعروف والخير، وليست إحداهما مانعة من نشر الإسلام على من يليها بكل طريق مشروع؛ فلا يشرع حينها غزوها واحتلالها وتوسيع نفوذ الولاية الأخرى على حسابها إذا كان ذلك لا يكون إلا بالحرب والقتل وفتن الدماء، والأمر بحرمة قتال المسلم لأخيه قد ذُكر بوصف الكفر تشنيعًا وإعظامًا لحرمة الدم المسلم، مهما كانت ذرائع أهل الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: "سبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ"([5]). وقال تبارك وتعالى في ذكر وعيده الشديد لمن قتل مسلمًا متعمدًا: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣﴾ [النساء: 93] فما من نقطة دم أهريقت بحرام إلا كان لها من الله طالبًا، وغدًا إعتاق أو إيباق، ومعلوم من فقه الفتن أنه عند الاشتباه يتعيّن الكفّ عن القتال حتمًا.

أما إن كانتا ستتحدان بدون فتن ودماء فهذا طيب محمود، وأنّى يكون هذا فشهوة السلطة والرئاسة لا تعلوها شهوة عند مَن ملكها، سوى شهوة الربوبية عند أمثال فرعون! وأنّى زمّها إلا بدين عظيم وإيمان عالٍ وزهد كبير، والله المستعان. وعليه؛ فإن اتفقتا على الاتحاد فيما بينهما؛ فهذا حسن جميل ومشروع ومحمود ومشكور، ولكن إن امتنعت إحداهما فهل لعاقل أن يقول بجواز حرب الولاية أو الدولة الثانية، وسفك الدم المعصوم، وأخذ المال الحرام، وتخويف السبل، وترويع المؤمنين، والتسبب في مفاسد الفتن العميّة؟!

أما إن كانت حقيقة التوسع هو أن البلاد الإسلامية المتاخمة لا تقيم شرع الله تعالى، وليس الدين فيها لله؛ فحينها يشرع ذلك بشرطه. أما غزو المشركين فمشروع، وهي الشعيرة الغائبة في الأمة منذ أزمان، وهو جهاد الطلب لإعلاء كلمة الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣﴾ [التوبة: 123] وقال سبحانه: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ﴾ [الأنفال: 39]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ به نَفْسَهُ، ماتَ علَى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ» ([6]).

لذلك فكثير من حروب الدول الإسلامية عبر التاريخ إنما هي في الحقيقة قد أقيمت لتوسيع الملك لا لإقامة الدين، بدليل حالهم وقت الحرب وبعد الحرب، والله المستعان.

وبالجملة؛ فإن السعي لإعادة الخلافة لا بد أن يُحسَن تصوّره أوّلًا: بأنّ حقيقته ليست محصورة بإقامة دولة إسلام، بل بتوسيع دولة الإسلام، فهذا التصور الصحيح ينتج عنه إحكام التكييف الفقهي للمسألة، لأن بعض من يكتب في هذه المسألة يختِلُ القارئ بمقدّمات يختمها بموجِبات، كي يصل لجعلها أولى المهمات، فيتحدث عن فضل الجماعة (وهذا حقٌّ، وهو حاصل بإقامة أي دولة إسلامية في الأرض، ولو تعددت تلك الدول، فإن تيسر اجتماعها فخير وحسن، وهو واجب عند توفر أسباب إمكانه بلا مفاسد أعظم، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، وفضل الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرّق (وهذا حق أيضًا، وهو حاصل بالاعتصام بالقرآن والاجتماع عليه حتى وإن تعددت الدول اضطرارًا، أما توسيع دولة الإسلام فستأتي تبعًا في حينها ما دام المسلمون معتصمون بالقرآن العظيم)، فمتى أقمنا الإسلام في أنفسنا؛ أقامه الله تعالى لنا في أرضه، ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨﴾ [الأعراف: 128]. فالغاية إقامة الدين، فلو تعارضت غاية إقامة الدين مع غاية توسيع البلاد فالمقدّم المحتّم هو إقامة الدين، فهي غاية قد حصلت، وكل ما يغامر بها لأجله فباطل، حتى ولو بحجة إقامة الدين.

علمًا بأن كلامنا هذا ليس في معرض تجويز تعدد الأئمة من عدمه، فالأصل وجوب إقامة إمام واحد للمسلمين كافة مع الإمكان، وحرمة تعدد الأئمة حتى وإن تباعدت الأقطار، والإجماع منعقد على ذلك، وقد نقل الإجماع الماوردي([7]) وابن حزم([8]) وأبي المعالي الجويني([9]) وابن القطان([10]) وغيرهم، وعليه المذاهب الأربعة.

إنما كلامنا هنا هو في حكم التعامل مع واقع الحال الذي تعددت فيه الدول والأئمة لبلاد الإسلام، لا إنشاء واقع آخر ابتداء، لهذا فلا ترد علينا مسألة حكم تعدد الأئمة، والذين جوزوها اشترطوا الضرورة دفعًا لمفسدة أعظم، فيصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام في قُطرِه وبلده حكم الإمام الأعظم، حتى يجمع الله تعالى المسلمين على إمام واحد يسوسهم بالقرآن العظيم، والله أعلم.

وقد نبه لهذا المعنى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلَاّ منهما ينفذ حكمه في أهلِ ولايته كما ينفذ حكم الإمام الواحد. وأما جواز العقد لهما ابتداء فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كلٌّ من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إْمّا أن تُسالِمَ الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالمةُ خير من محاربةٍ يزيد ضررُها على ضرر المسألة. وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء» ([11]). وقد بسط الشوكاني رحمه الله الاستدلال لجواز تعدد الأمة عند الضرورة في السيل الجرار([12]).

لذلك نقول في الخاتمة كما قلنا في الابتداء: إنّ إقامة الخلافة التي بمعنى توسيع رقعة ولاية الإسلام بإدخال بقية دول الإسلام تحت راية دولة إسلامية واحدة هو هدف طيب نبيل مشروع، لكنه في الحقيقة سببٌ لا غاية، فلا يجوز بحال التضحية بالغاية وهي تحقيق الدين في الفرد والجماعة لأجل هدف إقامة تلك الوسيلة، فشرف الوسيلة لا يبيح معصية الله لتحقيقها، وكما قالت أم المؤمنين الصديقة رضي الله عنها: «كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤُم دونه شرف فالشرف أولى به» ([13]). وقال الشاعر في مثل هذا:

‏ومن يكُ ذا لؤم ومجدٍ يعدهُ   ...  فأولى به مِن ذاكَ ما كان أقربا

فلا لؤم عودًا بعد مجدٍ يهدُّه  ...   ولا مجدَ معدودًا إذا اللؤم عَقّبا

وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

30 شوال 1447



([1]) أخرجه أحمد (18406)، والبزار في مسنده (2796) واللفظ لهما، والبيهقي في دلائل النبوة (6/ 491) بنحوه. ووثق رجاله الهيثمي، وصححه الأرناؤوط، وحسنه الألباني. وتكلم في ذكر الخلافة الثانية التي على منهاج النبوة فيه الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي فقد قال في الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه ٧/‏١٦٤ لما ذكر الحديث: «وإسناده حسن من أجل حبيب بن سالم فإنه حسن الحديث. إلا قوله: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». فهو شاذ، والأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر الخلافة على منهاج النبوة بعد ذهاب الخلافة، وإتيان الملك».

والأظهر حُسنُ الحديث بتمامه، وكأن التابعي يزيد بن النعمان بن بشير قد أشار لتلك الخلافة. وقد حسّنه الشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي في شرح سنن ابن ماجه ١/‏٥١١ قال: «وهذا إسناد رجاله موثقون، فداود بن إبراهيم الواسطيّ وثقه أبو داود الطيالسيّ، وروى عنه، وحبيب بن سالم وثقه أبو حاتم، وأبو داود، وتكلم فيه بعضهم، فالحديث لا ينقص عن درجة الحسن».

([2]) معجم متن اللغة، لأحمد رضا: ٢/ ٣٢٣ مادة (خلف). وانظر الموسوعة الفقهية: (٦/ ٢١٦) ومفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني: (ص: ٢٩٤). والفكر السياسي عند الماوردي، لبسيوني (ص: ٨٨). ومقدمة ابن خلدون (ص: ١٩١).

([3]) قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح العقيدة الطحاوية ١/‏٦٤٣: في الكلام على حديث العرباض: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»: «وَصْفُ الخلافة ووَصْفُ الرُّشْدْ ليس مُخْتَصًَّا بهؤلاء، فقد يكون بعدهم من يكون خليفةً، ويكون بعدهم من يكون راشدًا».

([4]) البخاري (7372).

([5]) البخاري (7076).

([6]) مسلم (1910). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([7]) أدب الدنيا والدين، للماوردي (1/ 136).

([8]) مراتب الإجماع، لابن حزم (1/ 124).

([9]) الإرشاد، للجويني (326).

([10]) الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان (1/ 60).

([11]) جامع المسائل، لابن تيمية (٣/‏٣٣٨)، وهي من ضمن نقده لمراتب الإجماع لابن حزم (1/ 298).

([12]) السيل الجرار لمتدفق على حدائق الأزهار، للشوكاني (1/ 941).

([13]) الفاضل، للمبرد ١/‏٧

الأربعاء، 16 أبريل 2025

قول القلب وعمله

 

قول القلب وعمله

بالله أبدأ، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وإياه أحمد، وإليه أتوجّه، فنعم المولى ونعم الرب ونعم الإله، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم لقياه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم في المبدأ والمنتهى، وإليه ربنا المنتهى.

اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وعليك الثناء الحسن كله، أوله وآخره، علانيته وسره، أحَقُّ مَن ذُكِر، وأحق من شُكِر، وأحق من حُمِد، وأحق من عُبِد. عز وجل وتقدس وتعالى عن النظير وعن الند وعن الشريك، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، خلقتنا ولم نك شيئًا، ورزقتنا من غير حول منا ولا قوة، وجعلتنا من خير أمة، وخصصتنا بأعظم نبي، وأنزلت إلينا خير كتاب، وهديتنا للإسلام والإيمان. اللهم قد عجزنا عن إحصاء نعمك فكيف بشكرها؟! فلك الحمد والشكر.

وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وخيرته من خلقه، وصفوته من أوليائه، له المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، والوسيلة العالية، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة، وأنقذ به من الهلكة، وبصّر به من العمى، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.

 اللهم إني أشهد أنه قد بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وعَبَدَك حتى أتاه اليقين، اللهم فاجزه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، اللهم واملأ قلوبنا من محبته، وارزقنا اتباع سنته، والثبات على شرعته، والموت على ملته، والثبات عند السؤال على حجته، والحشر تحت لوائه وفي زمرته، والريّ من حوضه، وأسعدنا بشفاعته، وأدخلنا معه أعلى الجنة برحمتك ومنتك وكرمك وجودك يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام يا كريم يا وهاب، يا رازق يا رزاق يا ربنا يا الله!

أخي في الله، إن أعظم الأعضاء خطرًا وأشدها أهميةً، وأنفعها إن صلح، وأضرها إن فسد، هو القلب؛ ففي الحديث المتفق على صحته([1]) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فحقيق بكل ناصح لنفسه بصير بغاية خلقه، مريد لحسن معاده وحشره، أن يُولي هذه المضغة غاية الأهمية، وأن يحرسها ويراقبها ويغذيها وينقيها؛ حتى تصفو وتزكو وتكون مضغة مرضية، فهي محل نظر الرب تعالى، ومنها وإليها مبدأ ومنتهى العقائد والأعمال، فالسعيد من كان قلبه سليمًا مؤمنًا خالصًا، لذا فلمّا كان لهذا القلب من أهمية وخطر أحببت أن أجلو لنفسي وإخوتي بعض أقواله وأعماله، عسى أن يصح القلب بعد السقم، ويتوب بعد اللمم، وإلى الله المشتكى وهو المستعان والمستغاث والمستعاذ وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.

وسمّيت هذه الموسوعة: (تعظيم علام الغيوب بتوضيح أعمال القلوب)، كتبت فيها عن أعمال القلب، وأدخلت فيه بعض أقواله كاليقين والثقة بالله لأهميتها في صلاحه، وتأثيره المباشر على أعماله، إضافة إلى بعض ثمرات تلك الأقوال والأعمال القلبية كالحياة والسكينة والطمأنينة، وبما أنّ الكتاب ضخم وصفحاته بالألوف  فاخترت بعد  استخارة ربي تبارك وتعالى أن أجعل أبوابه كُتبًا مستقلّة مُشيِّدة لتفاصيل مبانيه، جامعة لشوارد معانيه، سائلاً ربي السداد والتوفيق والهدى والإخلاص، إنه خير مسؤول وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلَّم وبارَكَ على محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد تقدّم الكلام على معنى القلب وحده والمراد به، أما الآن فإلى بيان قوله وعمله.

اعلم رحمني الله تعالى وإياك أنّ أهل السنة والجماعة يدخلون الأعمال في مسمّى الإيمان وهذا بإجماعهم([2]) وهو الحق الذي لا مرية فيه.

ويجعلون القسمة رباعية فيقولون: إن الإيمان قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح.

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملاً قلبيًّا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تبع للباطن لازم له، متى صلح صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه...»([3]).

إذن فالقول قولان والعمل عملان، فالقول الأول: قول القلب، وهو إقراره وتصديقه بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.

والقول الثاني: هو قول اللسان، أي: نطقه، كالشهادتين.

وأما العملان: فعمل القلب؛ كالمحبة والرجاء والخوف والتوكل ونحو ذلك. وفرقها عن قول القلب أن قول القلب فيه سكون وقرار، أما الأعمال ففيها حركة وانبعاث، والله أعلم.

والعمل الثاني: هو أعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد ونحوها.

فالإيمان يشمل هذا كله يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها، وهي شعب وأجزاء، منها ما يزول الإيمان بزوالها كالإيمان بالله وملائكته، أو الشهادتين مع القدرة عليهما، أو محبة الله تعالى أو رسوله ﷺ، أو جنس العمل.

ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها لكن ينقص ويضعف كإماطة الأذى عن الطريق.

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: التوحيد: قول القلب. والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله ﷺ، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله، وجعلها من الإيمان.

ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»([4])([5]).

وقال رحمه الله تعالى: «والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالاً هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان.

فالدين أول ما يُبنى من أصوله ويكمل من فروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية، والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوّة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة... فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها، فإذا وقع نقص ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه، لهذا قال ﷺ: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخره الصلاة»([6]). وروي عنه أنه قال: «أول ما يرفع الحكم بالأمانة»([7]) والحكم هو عمل الأمراء وولاة الأمور...»([8]).

ولا يعني هذا أن القلب هو المحرك الوحيد للجوارح، بل قد يكون العكس، فأعمال الجوارح لها أثر مباشر في صلاح القلب وفساده. قال شيخ الإسلام ♫: «والعمل له أثر في القلب من نفع وضر وصلاح قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها، وفسادها ظلم لها.

قال تعالى: (من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها) [فصلت: 46]، وقال تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) [الإسراء: 7].

قال بعض السلف: إن للحسنة لنورًا في القلب، وقوة في البدن، وضياءً في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق»([9]).

إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

21/6/1431

aldumaiji@Gmail.com


 



([1])  البخاري (52)، ومسلم (1599).

([2])  وقد شذ عن ذلك بعض الأكابر، ولكن شذوذه مردود مسبوق بالإجماع المنعقد قبله.

([3])  الإيمان الكبير من مجموع الفتاوى (7/ 187).

([4])  متفق عليه، وسبق تخريجه (ص6).

([5])  مجموع الفتاوى (7/ 186).

([6])  الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص28)، والضياء في المختارة (1/ 495)، وصححه الألباني بشواهده الكثيرة في الصحيحة (4/319).

([7])  أحمد (5/ 251)، وذكره الوادعي في الصحيح المسند (490).

([8])  مجموع الفتاوى (10/ 365).

([9])  مجموع الفتاوى (10/ 98).