إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 29 يوليو 2025

تحريرُ قَدْرِ الصَّاعِ النّبويِّ

 

تحريرُ قَدْرِ الصَّاعِ النّبويِّ

 

الحمد لله وحده، أما بعد؛ فإنّ المُدَّ بملء اليدين مضمومتين جميعًا يُعتبر مُدًّا واحدًا، وقد جرى كلام الفقهاء في تحديد مقداره بناء على واحد من مناطين:

 الأول: الاكتفاء بظاهر الأمر النبوي بإجرائه على المُدّ، وهذا يُرَدُّ الى العرف، وهو مُدُّ اليدين المتوسطتين المعتدلتي الخلقة كأكثر الناس، وهو الأصل، وهو المختار لمن تيسّر له ذلك.

المناط الثاني: وهو مبني على الأول تسهيًلا وتقريبًا وتحريرًا، وهو تحديد المُدِّ بناء على الآصع التي وُجدت بالسند إلى عصر الصحابة رضي الله عنهم، وهي بضعة أوانٍ منسوبة إلى رجال من الصحابة المرضيين، علمًا أنّ الآصعَ الصحابيّة مفتقرة لإثباتٍ من جهة السند، وأيضًا فهي مفتقرة لإثبات أنّها دقيقة ومحددة وليست لأجل الكيل فقط، وأيضًا فهي مفتقرة لإثبات أنّها لا تحوي زيادة متعمّدة احتياطًا وصدقة، فمن الصالحين من يزيد كيلته لغرض زيادة الصدقة طلبًا للأجر واحتياطًا للقَدر، فربما كان من ذلك شيء، ولو علم الصحابيّ أنّ مكياله سيكون أصلًا لربّما غيّره، فهذه كلها محتملات، وإذا دخل الاحتمال سقط الاستدلال، ولكن يستأنس بها من غير أن تكون حجة. ومما يرجح أنها مبنية على غلبة الظن اختلاف كيل ما وُجد منها، فهي مختلفة الأحجام لا متفقة المكيال، فدل على أن الأمر مبني على التسامح وغلبة الظن لا التشديد بالتدقيق.

فالراجح والله أعلم: هو القول الأول، أي الاكتفاء بمُدِّ اليد المعتدلة الخلقة بدون تحديدٍ دقيق للوزن، بل الاعتبار بغالب الظن الأعم كسائر العبادات كإزالة النجاسة ورفع الحدث والقبلة وأعمال وأقوال الصلاة والطواف وسائر العبادات رفعًا للحرج عن الامة. وعليه؛ فتقدير المُدّ داخل في هذا الباب كغيره، فلو قَدَّرَ كلُّ امرئ مُدَّهُ بيديه إن خَلَتا من صغر أو كبر غير معهود؛ فمُدُّه معتبر شرعًا، كما هي عادة مكاييل السلف من الصدر الأول وما بعده، فكل يقدّر مُدّ بنفسه، وليس هناك كثير اختلاف بينها أصلًا، لتقارب مقادير كفوف الناس في الجملة، مع العفو عن يسير الاختلاف، فيُكتفى بأن يمدّ يديه مضمومتين بأربع حفنات طعام. فهذا كافٍ شرعًا، وليس بحاجة لتدقيق شديد، فضلًا عن حسابها بحبة القمح ونحوها. وإن أخذها بالتقدير الوزني واعتمدها؛ فهي كافية شرعًا عن إعادة تقديره بأمداد كفّيه في كل مرة. لذلك قال ابن باز رحمه الله تعالى لما ذكر وزن الصاع النبوي: "لكن باليدين أضبط من الوزن، كونه باليدين المعتدلتين المملوءتين، كما بيّن أهل اللغة"([1]). أهـ.

فإن أردتها بالوزن: فإنّ كيلوين ونصف الكيلو (2500 جرام) كافية إن شاء الله تعالى، وهو متوسط الأقوال وأجودها، وإن أخرجتها كيلوين وأربعين جرامًا (2040 جرام) فهي مجزئة كافية، وإن زدت إلى ثلاثة كيلوات أي: (3000 جرام) فهو زيادةُ خيرٍ وإحسانُ احتياطٍ، وإن كان غير لازم، وكل ما ذكرته لك فهو عام لكل لون من الطعام، ووزنُ كلِّ نوع من الطعام تابعٌ لمُدِّه، وهي متقاربة في الجملة، ولأن مقدار الصاع قليل، وبالله التوفيق، والله تعالى أعلم.

هذا الملخص وإلى التفصيل:

المستقر لدى أهل العلم أنّ الصاع النبوي يساوي أربعة أمداد، والمد يساوي ملء اليدين المعتدلتين بضمهما معًا وليس بإفراد كل واحدة عن الأخرى. وبما أنه قد صار مقدارًا شرعيًا لأنصبة الزكاة وغيرها كالطهارة والكفارة؛ فمن المحتّم تحرير مقداره.

فمن حيث المعنى: فالصَّاعُ، وَالصُّوَاعُ، وَالصَّوْعُ، فِي اللُّغَةِ: هو مَا يُكَال بِهِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ جَمْعُهُ آصُع، وأَصْوُعٌ، وَأَصْؤُعٌ، وَأَصْوَاعٌ، وَصُوعٌ وَصِيعَانٌ([2]). وأصله إناء يُشرب منه.

والصاع اصطلاحًا: مكيال يكال به في البيع والشراء، وتقدر به كثير من الأحكام الشرعية([3]).

والصاع قد ذكر كثيرًا في السنة، وقد ذكر أيضًا في القرآن العظيم في سورة يوسف ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢﴾ [يوسف: 72]، قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: "والصواع هو لغة في الصاع، وهو آلة للكيل يقدر بوزن رطل وربع أو وثلث. وكانوا يشربون الخمر بالمقدار، يقدر كل شارب لنفسه ما اعتاد أنه لا يصرعه، ويجعلون آنية الخمر مُقدَّرة بمقادير مختلفة، فيقول الشارب للساقي: رطلًا أو صاعًا أو نحو ذلك. فتسمية هذا الإناء سقاية وتسميته صواعا جارية على ذلك"([4]).

فالصاع في الأصل: هو آلة لقياس الحجم، ولما أرادوا تيسيره والمحافظة على مقداره قدروه بالوزن. ومن هنا جاء الاختلاف في مقاييسهم. فبالنسبة لتقديره بالوزن فهو يختلف باختلاف نوع الطعام المكيل، ومن هنا اختلفوا في حسابه بالكيلو، فمنهم من قدره بـ 2040 جرامًا، ومنهم من قدره بـ2176 جرامًا، ومنهم من قدره بـ3000، ومنهم من قدره بغير ذلك. وقد قدرته اللجنة الدائمة للإفتاء بما يساوي ثلاثة كيلو جرام تقريبًا احتياطًا للعبادة.

هذا؛ وإنّ المُدّ لم يذكر في القرآن الكريم، إلا أنه ذكر في السنة النبوية في عدة أحاديث. وقد وقع الاتفاق على أن المُدَّ جزءٌ الصاع، وأنّ الصاع يساوي أربعة أمداد، إلا أنهم اختلفوا في المُدّ كم رطلًا يساوي، وعليه اختلفوا في تقدير الصاع.

وقد كانت القياسات لدينا قديمًا بالميل والرطل، ولازال معمولًا بها في بعض الدول كأمريكا، ولكن بعد نفوذ البريطانيين في أكثر بلاد العالم صارت القياسات طولًا ووزنًا بالكيلو، فاحتجنا حينها إلى معادلة ذلك نسبة وتناسبًا. وجادّة المتقدمين هي الوزن بالرطل. علمًا بأن وحدتي القياس الرطل للوزن والميل للمسافة هما أقدم من النظام المتري الشائع حاليًّا في الوزن بالكيلو جرام والمسافة بالكيلو متر عالميًّا.

وعليه؛ فبالنسبة لتقدير الرطل؛ فإنّ الرطل الواحد يساوي (0.45359237) كيلو جرام (أو 453.59 جرام). وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الصاع يساوي خمسة أرطال وثلثًا بالعراقي، وذهب الأحناف إلى أنه يساوي ثمانية أرطال بالعراقي([5]).

علمًا بأن ضبط الصاع بالأرطال في زماننا غير دقيق، لأن أصل الصاع النبوي وحدة حجم لا وزن، فالصاعَ معيار لقياسِ الحجمِ، أما الكيلو والرطل فهما معياران لقياسِ الوزنِ، فالصاعُ من التمرِ ليس وزنُه كالصاعِ من القمح أو الشعير أو الأرزِ أو الذرة ونحوهن، لذلك يختلف وزن الطعام بحسب جنسه، فالصاع معيار للكمية لا الوزن، أما المكاييل حاليًّا فإنها تُقدّر بالوزن. ولذلك ينبغي التنبّه عند تحديد الصاع بالوزن إلى بيان وزن كل جنس على حده، فيقال: الصاعُ من البُرِّ يساوي كذا بالجرام أو الكيلو، والصاع من الأرز يساوي كذا بالكيلو، والصاعُ من التمرِ يساوي كذا بالكيلو، وهكذا. وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى قبل ثمانية قرون: "قد يستشكل ضبط الصاع بالأرطال، فإن الصاع المخرج به في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيال معروف، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج، كالذرة والحمّص وغيرهما"([6]). قال الشبراوي معلّقًا: "ومن المعلومِ أن ضبطَ الصَّاعِ بالأرطالِ في زمانِنا متعسِّرٌ جدًّا، حيثُ إنَّ كلَّ شيءٍ تقريبًا أصبح يُقدَّر بالوزنِ"([7]).

والصاع أربعة أمداد، ولكن هناك خلاف في مقدار المد. فالجمهور على أن المُدّ رطل وثلث، وذهب الحنفية إلى أنه رطلان. وعلى قول الجمهور فإن المد يساوي ٥٤٤ جرامًا على اعتبار أن المُدّ رطل وثلث، وأن الرطل مقداره ٤٠٨ جرامات.

قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفَرَقُ ستة عشر رطلًا، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، وهو صاع النبي ﷺ([8]). قال: فمن قال: ثمانية أرطال قال: ليس ذلك بمحفوظ. قال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، قيل: الصيحاني ثقيل، قال: الصيحاني أطيب، قال: لا أدري"([9]). وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب محدث فقيه من رواة الكتب الستة، ونسبة الصاع إليه على اعتبار أنه مشتهر عنه وموجود عنده ومتوارث لديه عن النبي ﷺ. أو أنه كان عنده صاع كصاع النبي ﷺ فجعل الناس صيعانهم على صاعه فاشتهر الصاع به، ويحتمل أنه كان يصنع الصيعان([10]).

ثم ذكر الإمام أحمد أنّ الصاع الذي كان معروفًا لديهم هو صاع ابن أبي ذئب، ومقداره خمسة أرطال وثلث. والصيحاني هو نوع من تمر المدينة، والمقصود بقوله: "ثقيل" أي: أنه لو وزن منه خمسة أرطال وثلث فإنه لن يملأ الصاع؛ لأنه ثقيل الوزن، وليس مثل التمر الآخر الذي يكون خفيفًا، وهذا معلوم لدى أهل النخيل، فمن التمور ما تكون كثافتها أشد من غيرها كنبتة السيف مثلًا فيثقل وزنها لكثرة مائها وشدة كثافتها، ومنها ما يكون أقل كثافة حتى يقترب من الحشف الخفيف.

والمقصود؛ أن التمر الصيحاني إذا ملئ منه الصاع يكون وزنه أزيد من خمسة أرطال وثلث. لذلك قال الإمام: "الصيحاني أطيب". أي: أنه إذا ملأ الصاع بالصيحاني الثقيل فهو أطيب، يعني: أنه يملأ منه الصاع وإن كان يزيد في الوزن عن خمسة أرطال وثلث لكونه ثقيلًا، فإن مقدار خمسة أرطال وثلث منه أقل من ملء الصاع لثقله، وإذا أتى المؤمن بصاع يملؤه بطعام ثقيل له قيمة لا شك أنه أكمل وأطيب وأحسن وأشكر. وقوله: "لا أدري": أي لو وزن أحد من التمر الصيحاني خمسة أرطال وثلثًا ولم تملأ الصاع، واكتفى بها، هل تكفي أو لا تكفي؟ فهو يشك في كونها كافية؛ لأنها لم تبلغ مقدار الصاع من حيث الكيل، وإن كانت بلغت مقداره من حيث الوزن([11]). فتردده مبني على معيار الإجزاء لديه؛ هل الاكتفاء بالوزن، أم لا بد من مراعاة الحجم، والذي جاءت به السنة مراعاة الحجم، لذلك استروح لها وقال: "أطيب". والله تعالى أعلم.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "وجدت الآثار قد نقلت عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم بثمانية أصناف من المكاييل: الصَّاعِ، وَالْمُدِّ، وَالْفَرَقِ، وَالْقِسْطِ، وَالْمُدْيِ، وَالْمَخْتُومِ، وَالْقَفِيزِ، وَالْمَكُّوكِ، إلا أن عظم ذلك في المُدّ والصّاع»([12]). وقال في تقدير الصاع: "فقد فسّرنا ما في الصاع من السنن، وهو كما أعلمتك: خمسة أرطال وثلث، والمُدُّ رُبْعُه، وهو رطل وثلث، وذلك برطلنا هذا الذي وزنةُ مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا"([13]).

فالرطل: معيار يوزن به ويكال، والأرطال تختلف باختلاف أعراف الأمصار، وقد كان ذلك مشهورًا كما قال الجاحط: "الأمراء تتحبب إلى الرعية بزيادة المكاييل، ولو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب الزيادة في المكاييل. ولذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي، والفالج، والخالدي. حتى صرنا إلى هذا الملجم اليوم"([14]).

ولهذا؛ فالرطل الشامي مقداره ٤٨٠ درهمًا([15])، والرطل المقدسي مقداره ٨٠٠ درهم، والرطل الحلبي مقداره ٧٠٠ درهم، والرطل المصري مقداره ١٤٤ درهمًا([16])، وأقلُّها الرطل البغدادي فإنه يقارب 130 أو 128 درهمًا. والكلام هنا إنما هو على الرطل البغدادي الذي اعتبره جمهور العلماء أساسًا تقاس به الموزونات والمكيلات في المعاملات الشرعية. قال الفيومي رحمه الله: "قال الفقهاء: وإذا أطلق الرطل في الفروع فالمراد به رطل بغداد"([17]).

وحتى مقدار الرطل البغدادي فإنه مختلف فيه بين أهل العلم([18]). قال ابن الرفعة الأنصاري: "اختلف النقلة في الرطل البغدادي، فقيل: إنه مئة وثمانية وعشرون درهمًا، وقيل: مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.. وقيل: مئة وثلاثون درهمًا"([19]). وقال الخاروف معلّقًا: "والجدير بالذكر أن الفقهاء اختلفوا في تقدير دراهم الرطل البغدادي فيما بينهم. فالحنفية قالوا بأنه يتركب من «١٣٠» درهما كيلًا أو «٩١» مثقالًا كيلًا، وأما المالكية والحنابلة فقالوا بأنه يتركب من «١٢٨» درهمًا كيلًا أو «٩٠» مثقالًا، وقال الشافعية: إنه يتركب من ٤/ ٧ ١٢٨ درهمًا كيلًا أو «٩٠» مثقالًا. ورغم هذه الاختلافات فإن الرطل البغدادي يعادل «٤٠٨» جرامًا"([20]).

وفي كتاب الميزان في الأقيسة والأوزان: أنه توصل بعد بحث عميق ودقيق في هذا الموضوع إلى أن وزن المثقال الذي قدر به الرطل البغدادي يساوي ٤، ٥٣ جرامًا، وأن الدرهم بناء عليه يساوي ٣، ١٧ جرامًا([21]). فيكون وزن المثقال= ٣/ ٧ ١ ×٣، ١٧= ٤، ٥٢ جراما تقريبًا. بناء على أن وزن الدرهم الإسلامي الشرعي يقارب (3) غرامات([22]). قال الشيخ عبدالله المنيع معلِّقًا على ذلك: "وعليه فإن مقدار وزن الصاع بالجرامات باعتبار أن وزن المثقال = ٤، ٥٣ جرامًا يكون = ٤٨٠ × ٤، ٥٣ = ٢١٧٤، ٤ جرامًا أي ٢١٧٥ جرامًا تقريبًا. ويكون مقدار وزن الصاع بالجرامات باعتبار أن وزن الدرهم = ٣، ١٧ جرامًا يكون = ٦٨٥، ٧١٤× ٣، ١٧ = ٢١٧٣، ٧ جرامًا تقريبًا.

وقد بحثت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية مقدار الصاع بالكيلو جرام وكان بحثها معتمدًا على أن صاع رسول الله ﷺ أربعة أمداد، وأن المد ملء كفي الرجل المعتدل، وكان منها تحقيق عن مقدار ملء كفي الرجل المعتدل، وتوصل هذا التحقيق إلى أن مقدار ذلك قرابة ٦٥٠ جرامًا للمد، فيكون مقدار الصاع ٢٦٠٠ جرام.

والذي عليه العمل والفتوى حسب ما صدر من سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة المنصوص عليها في الجزء الرابع عشر من مجموع رسائله وفتاواه([23]). وكذلك الفتوى الصادرة من اللجنة الدائمة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء برقم ([24])١٢٥٧٢ أن الصاع النبوي مقداره ٣ كيلو تقريبًا"([25]).

قال ابن باز رحمه الله تعالى: "صاع النبي ﷺ أربع حفنات، أربع حفنات باليدين المعتدلتين، وأما الوزن هو الوزن.

الحاصل: أنه بالحفنات أضبط، حفنات باليدين المعتدلتين المملوءتين، هذا صاع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو بالرطل خمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي والرطل تسعين مثقالاً، والرطل والثلث يعني: مئة وعشرين مثقالاً، فالمعنى أنه أربعمئة وثمانين مثقالًا، الصاع النبوي على هذا لكن باليدين أضبط من الوزن، كونه باليدين المعتدلتين المملوءتين كما بين أهل اللغة"([26]). وقال: "زكاة الفطر مقدارها بصاعنا الآن ثلاثة كيلو تقريبًا؛ لأن خمسة أرطال مثل صاع النبي ﷺ وهو باليدين الممتلئتين المتوسطتين أربع مرات كما ذكر في القاموس وغيره إذا ملأ يديه أربع مرات، وهما معتدلتان، وملأهما ملئًا تامًا، هذا عن مد، والأربع عن صاع، وبالكيلو ثلاثة كيلو تقريبًا، ثلاثة كيلو يشف قليلاً([27])، فإذا أخرج ثلاثة كيلو فقد احتاط وأخرج صاعًا كاملًا للفطرة"([28]). وسئل: كم يقدر الصاع النبوي بالكيلو؟ فأجاب: "ثلاثة كيلو إلا شيئًا قليلًا، ثلاثة كيلو تقريبًا"([29]).

وفي فتاوى اللجنة الدائمة: "المقصود بالصاع: صاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل الخلقة"([30]). وجاء عنها أيضًا: "إن الذي تحرر لنا في مقدار الصاع النبوي: أنه قدر أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل في الخلقة إذا كانتا مملوءتين. وهذا هو الذي ذكره بعض أهل العلم كصاحب النهاية والقاموس، وأما الآصع الموجودة في الأسواق فيختلف بعضها عن بعض وعليه فإن العمدة في التقدير ما ذكره العلماء بالتقدير بحفنة يدي الرجل المعتدل خلقة، والله أعلم"([31]).

وقال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى: "صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، وقد قدر العلماء رحمهم الله هذا الصاع أعني صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبر الرَّزِين، يعني الجيد، وإنما قدّروه بذلك لأن المكاييل تختلف والموازين أضبط، فذلك قدّروها بالوزن فمن احتاط وأخرجها من البر الرزين كيلوين ونصف فلا حرج عليه، لأن الزيادة خير، ومن أراد أن يقتصر على الواجب فإنّنا قد حررناه فبلغ كيلوين وأربعين غرامًا، وأعني بذلك الصاع النبوي. والأمر في هذا واسع، يعني أن الإنسان إن أخرج أكثر من الواجب فلا حرج عليه، خلافًا لمن قال من العلماء: إن إخراج أكثر من الواجب مكروه، لأنه زيادة عما فرضه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الصواب: أنه ليس بمكروه، وأنه لا بأس به"([32]).

وقد أجرى الشيخ خالد السرهيد دراسة عملية بالتعاون مع الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس فحاول تقدير الصاع النبوي بطريقة الحفنات المعهودة، فقاسها على أربعين رجلًا معتدلي الخلقة ومتوسطي اليدين، وانتهى إلى أن هذه الطريقة تعطي نتائج متباينة؛ لأن الأيدي تختلف، وانتهى إلى أن الصاع يقارب: 2500 مللتر([33]). أي: 2500 جرام.

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان، والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

15/1/1447

aldumaiji@gmail.com

 

 

 

 

 



([1]) فتاوى نور على الدرب (١٥/ ٢٧٨).

([2]) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب، ومغني المحتاج ١ / ٣٨٣، والإيضاح والتبيان ص ٧٣.

([3]) روضة الطالبين ٢ / ٣٠١ - ٣٠٢، وتبيين الحقائق ١ / ٣٠٩

([4]) التحرير والتنوير، لابن عاشور ١٣/‏٢٨

([5]) وانظر: المغني 4/168، مواهب الجليل 3/119، مغني المحتاج 1/575، كشاف القناع 2/59

([6]) «روضة الطالبين» (٢/ ١٦٢).

([7]) إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب ١/‏١٤١

([8]) وفي بعض النسخ أن قوله: "وهو صاع النبي ﷺ" من قول أبي داود رحمه الله تعالى.

([9]) سنن أبي داود ١/‏٦٢ (٢٣٨).

([10]) وانظر: المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي ١/‏٣١٢

([11]) وانظر: شرح سنن أبي داود للعباد ١٩/‏١٢ وقال: "والصاع في هذا الزمان يعادل ثلاثة كيلوا جرامات، فإذا أخرج ثلاثة كيلو جرامات من الأرز من الرز في زكاة الفطر فإنها بقدر الصاع".

([12]) الأموال، لابن سلام (٦٨٨).

([13]) الأموال، (٧٠٠).

([14]) البيان والتبيين ١/‏٢٥٧

([15]) انظر: لسان العرب ١١/ ٢٨٦

([16]) انظر: مطالب أولي النهى للرحيباني ١/ ٤٦

([17]) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للفيومي ١/‏٢٣٠

([18]) تحويل الموازين والمكاييل الشرعية إلى المقادير المعاصرة، عبد الله بن سليمان المنيع، منشور في مجلة البحوث الإسلامية ٥٩/‏١٧٣

([19]) الإيضاح والتبيان، لابن الرفعة (٦٥).

([20]) الإيضاح والتبيان: تحقيق الدكتور محمد الخاروف (65).

([21]) نقله عنه محمد الدريويش في أحكام السوق في الإسلام (١١٩).

([22]) وهي بالضبط: (٢.٩٧٥ جرام)

([23]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز. (١٤/ ٢٠٠).

([24]) انظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٣٧١).

([25]) تحويل الموازين والمكاييل الشرعية إلى المقادير المعاصرة، عبد الله بن سليمان المنيع، منشور في مجلة البحوث الإسلامية ٥٩/‏١٧٣

([26]) فتاوى نور على الدرب (١٥/ ٢٧٨).

([27]) أي: ينقص قليلًا.

([28]) موقع الشيخ على الشبكة، نور على الدرب، مقدار الصاع النبوي.

([29]) موقع الشيخ. فتاوى الدروس كم يبلغ مقدار الصاع النبوي بالكيلو؟

([30]) فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى ٩/‏٣٦٥

([31]) فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى ٩/‏٢٢٢

([32]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٢٠/‏١٣٩ وانظر أيضًا: تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة ٣/‏٤٨

([33]) الصاع النبوي (تحديده والأحكام الفقهية المتعلقة به) خالد بن سعد بن محمد السرهيد: (77).

الاثنين، 28 يوليو 2025

حمل مجانا كتاب: التحرير في حديث توسل الضرير


 حمل مجانا كتاب:

التحرير في حديث توسل الضرير


التحرير في حديث توسل الضرير

 

التحرير في حديث توسل الضرير

 

الحمد لله تعالى، وبعد؛ فلا زال الخرافيون والقبوريون يتشبثون بحديث الضرير زعمًا أن فيه دليلًا على مشروعية التوسل الشركي الذي يقوم عليه بنيان طرائقهم. وقد تكلم العلماء في كشف شبهتهم وبطلان تعلقهم بما وهموه. وممن تكلموا في ذلك ابن تيمية في الرد على البكري، وفي قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وابن عبد الهادي في الصارم المُنكي – وهو نفيس جدًّا في هدم شبه القبوريين بعامة -  وحمد بن ناصر آل معمر في الرد على القبوريين، وسليمان بن سحمان في الصواعق المرسلة الشهابية، وعبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، ومحمد نسيب الرفاعي في التوصل إلى حقيقة التوسل، والألباني في التوسل أنواعه وأحكامه، وغيرهم كثير، وسنلخص بعض ما كتبوه لعظيم البليّة على من تعلّق به في شركه مما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى قد أمر بالتوسل المشروع لا الممنوع.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وقد روى الترمذي حديثًا صحيحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علّم رجلًا يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم شفّعه فيَّ".. فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء.

 

فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقًا حيًّا أو ميتًا... وقول هؤلاء باطل شرعًا وقدرًا، فلا هم موافقون لشرع الله، ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله.

ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعًا وقدَرًا بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يُجعل أحدهما كالآخر.

وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلهذا قال في دعائه: "اللهم فشفعه في"، فعُلم أنه شفيع فيه، ولفظه: "إن شئت صبرتَ، وإن شئتَ دعوتُ لك" فقال: ادع لي. فهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضًا لنفسه ويقول في دعائه: "اللهم شفّعه فيّ"، فدل ذلك على أن معنى قوله: "أسألك وأتوجّه إليك بنبيك محمد" أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا".

فالحديثان معناهما واحد: فهو صلى الله عليه وسلم علّم رجلًا أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلًا عنه.

فلو كان التوسل به حيًّا وميتًا سواء، والمتوسِّلُ به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول؛ لم يعدلوا عن التوسل به، وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليهم وسيلة، إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.

وكذلك لو كان الأعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت الضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن - دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه.

ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حيًّا هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره، كما يفعل كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم الميت حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك". أهـ. مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1 / 325) مختصرًا. وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة (1 / 528).

وقال رحمه الله في الاقتضاء: "وقوله: "يا محمد، يا نبي الله" هذا وأمثاله نداء يُطلب به استحضار المنادَى في القلب فيُخاطَبُ لشهوده بالقلب، كما يقول المُصلّي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.

 فلفظ التوسل بالشخص والتوجّه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، فيُراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي مجيبًا له – أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم - مطيعًا لأمره مقتديًا به. فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته". أهـ. اقتضاء الصراط (1 / 415 -416) وانظر أيضًا: الاستغاثة، وتسمى كذلك: الرد على البكري (1 / 114) قلت: ومن شواهد استحضار الغائب في القلب بلا عبادة قول الشاعر:

خيالُكَ في عيني وذِكرُك في فمي      ومثواك في قلبي فأينَ تغيبُ

وقال الألباني رحمه الله في التوسل: "يرى المخالفون أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.

 وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة وأهمها:

 أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له وذلك قوله: "ادع الله أن يعافيني"، فهو قد توسل إلى الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره. ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه أو حقّه لما كان ثمّة حاجه به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: "اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني وتجعلني بصيرًا". ولكنه لم يفعل. لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حقّ الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة يذكر فيها اسم المتوسل به، بل لا بد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.

 ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك". وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه - أي عينيه – فصبر؛ عوّضته منهما الجنة". رواه البخاري ( 5653 )

 ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: "فادع"، فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، لأنّه صلى الله عليه وسلم خيرُ من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصرّ عليه، فإذن لا بدّ أنه صلى الله عليه وسلم دعا له، فثبت المراد.

 وقد وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى - بدافع من رحمته وبحرص منه على أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه - إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه. فأمره أن يتوضأ، ويصلي ركعتين، ثم يدعو لنفسه، وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدّمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وهي تدخل في قوله تعالى: ( وابتغوا إليه الوسيلة ). وهكذا فلم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا فالحادثة كلها تدور حول الدعاء - كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.

رابعًا: أنّ في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم إياه أن يقول: "اللهم فشفّعه فيّ"، وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم أو جاهه أو حقّه، إذ أن المعنى: اللهم أقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيّ، أي اقبل دعاءه فيّ أن تردّ عليّ بصري. والشفاعة لغة: الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخصّ من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.

خامسًا: إنّ مما علّم النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يقوله: "وشفّعني فيه" أي اقبل شفاعتي - أي دعائي - في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم - أي دعاءه - في أن تردّ علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه، وهذه الجملة صحت في الحديث أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهي وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل.

سادسًا: إنّ هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه صلى الله عليه وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنّفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أنّ السرّ في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

 إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات؛ فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: "اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم" إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك أي: على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، "إني أتوجه إليك بـ(دعاء) نبيك"، و"يا محمد إني توجهت بـ(دعاء)ك إلى ربي". فأما تقديرهم ( بجاهه ) فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سباق الكلام ولا سياقه تصريح أو إشارة إلى لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فبقي تقديرهم من غير مرجح فسقط من الاعتبار، والحمد لله.

وثمة أمر آخر جدير بالذكر وهو أنه لو حُمل حديث الضرير على التوسل بالذات لكان معطّلًا لقوله فيما بعده: "اللهم فشفّعه في، وشفّعني فيه" وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله". أهـ. التوسل للألباني (1 / 70- 76) مختصرًا.

وقال عبد الرحمن دمشقية: ".. وقبول الشفاعة أي قبول الدعاء، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ميّت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه". رواه مسلم ( 947 ) فمعنى "شفّعهم الله فيه" أي قبل دعاءهم له. فيكون معنى "شفّعني فيه" أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه.

ومن الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء، بل تركوا التوسل به، فهذي جادّتهم. وهكذا فهم الصحابة التوسل، فقد تركوا التوسل به إجماعًا، كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمّه العباس. وانظر: جلاء العينين (455).

فقوله: "يا محمد إني توجّهت بك إلى ربي" أي أتوجّه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت: "إن شئت دعوت لك". وهذا ما فعله الرجل، فإنه توجه إلى النبي وطلب منه أن يدعو له. فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه، وذهب إليه ليسأل الله له، وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه، ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى: ( رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا)، وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله. وهذا التوجه هو حكاية حال، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يدعو ربه. ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع.

وهؤلاء يفهمون من قوله صلى الله عليه وسلم: "إئت الميضأة" وكأنّ معناه عندهم: اذهب إلى بيتك! ولم لا تكون الميضأة قريبة منه صلى الله عليه وسلم كما يفهم من سياق الرواية، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء؟! وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد. فيكون التوجّه خطابًا لحاضر في قلبه وليس استغاثة، كما نقول في صلواتنا: "السلام عليك أيها النبي"، وكما يقول أحدنا اليوم: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله"، وكما قالت فاطمة حين مات صلى الله عليه وسلم: "وا أبتاه: أجاب ربًّا دعاه". ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء: "اللهم فشفّعه فِيّ" أي اقبل دعاءه في.

وقوله: "يا محمد": ليس دعاء، وإنما هو تكلم مع حي حاضر. بدليل أن الأعمى لم يستغث بالنبي من بعد. وبدليل أن الصحابة لم يفعلوا، ولم يكونوا يخاطبون النبي بقولهم: يا محمد. بل الثابت عدول عمر عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتوسله بالعباس رضي اله عنهما.

فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي: أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته (قلادة الجواهر 434 و239). فهذا من سنن النصارى.

أما سنة نبينا فقد كان صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه، ويسأل الله وحده، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة: "وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين". رواه مسلم (771) فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.

 

فإنّه توجّه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا ما حدث حقًّا - فقد توجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له فوعده بذلك. ولذلك قال في آخر دعائه: "اللهم فشفعه في"، أي اللهم اقبل دعاءه فِيّ. والرجل يحكي ما فعله، وليس في صيغة كلامه ما يستدل به على جواز قول المشركين: "شيء لله يا رسول الله"! والدليل على ذلك أن ننظر: ماذا قال الأعمى بعد قوله "يا محمد"، هل قال: أغثني أعد إلي بصري؟ لقد قال: "يا محمد" لكنه لم يسأله، وأنتم إذا قلتم: "يا محمد" تقولون: أغثنا أمدنا بإمدادك، تعطّف تكرّم تحنّن علينا بنظرة! فإن كان سأله بعد قوله: "يا محمد" فقد قامت حجتكم، وإن كان لم يسأله فقد قامت الحجة عليكم. فالحديث حجة عليكم لا لكم.

وليس كل خطاب لغير الحاضر استغاثة به، وإلا فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود قائلًا: "والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". رواه البخاري (1597) ومسلم (1270)". أهـ. أحاديث يحتج بها الشيعة (1 / 106 - 110) باختصار. وانظر: غاية الأماني للألوسي، والتوصل إلى حقيقة التوسل (1 / 137) وما بعدها. وشرح العقيدة الطحاوية للحوالي (1 / 1209 -1211)

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله.

إبراهيم الدميجي

مسألة تلبّس الجانّ بالإنسان

 

مسألة تلبّس الجانّ بالإنسان

الحمد لله، وبعد؛ فلقد كثر خوض الناس في هذا الزمان في مسألة تلبّس الجانّ بالإنسان، وهذه المسألة مبنيّة على أُسّين:

أولاهما: وجود الجن، فهذا أمر معلوم متيقن منه، ومُنكِرُ الجنِّ كافرٌ لتكذيبه صريح القرآن والسنة المتواترة، فقد ذكرهم الله تعالى في آيات عديدة، كقوله عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦) بل أنزل سورة سميت باسمهم، قال تعالى: ( قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ١) وعدم رؤيتنا لهم لا ينفي وجودهم، فقد جعل الله لهم خاصية الاختفاء عن أعيننا، قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) وذكر سبحانه وتعالى أصل خلق الجن فقال تعالى: (وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧) وقال النبي ﷺ: "خُلِقَتْ الملائكةُ من نور، وخُلِقَ الجانُّ من نار، وخُلِقَ آدمُ مما وُصف لكم"، رواه مسلم (5314)

ولا يوجد في طوائف المسلمين من ينكر وجود الجن، بل حتى الكفار من اليهود والنصارى يؤمنون بوجودهم.

الثاني: دخول الجنّ لجسد الآدمي، ومنه التلبّس، فهذا ثابت، لكنه ليس كثبوت وجود الجن، وعليه من أنكر التلبّس فقد أخطأ وضلّ وكذّب ما ثبت في الأدلة الشرعية والواقع المتكرر وجوده. ولكن لخفاء هذه المسألة لا يُكَفَّرُ المخالف فيها، ولكن يُخَطَّأ ويُضلّل؛ لأنه لا يعتمد في إنكار ذلك على دليل، ولم يتعمّد تكذيب الوحي، وإنما يعتمد على عقله القاصر عن فهم كثير مما يحيط به في حياته، وهذا خذلان وضلال، مع أن العقل الصحيح لا يتعارض البتة مع النص الصحيح الصريح.

وقد ذُكر تلبس الجان للإنسي في سورة البقرة فقال تعالى: (ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ) أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا على هيئة المصروع الممسوس. وقد جاء في السنة ذكر المسّ كذلك ـــ وهو التلبّس ـــ فعند ابن ماجه وصححه الألباني عن عثمان بن أبي العاص ؓ قال: "لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلّي! فلمّا رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ، فقال: "ابن أبي العاص؟" قلت: نعم يا رسول الله، قال: "ما جاء بك؟" قلت: يا رسول الله، عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: "ذاك الشيطان. ادنُه"، فدنوت منه، فجلستُ على صدور قدمَيّ. قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: "اخرج عدوَّ الله"! ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "الحق بعملك". قال: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد". وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، إن القرآن ينفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: "يا شيطان، اخرج من صدر عثمان". فما نسيت شيئًا أريد حفظه" وورد في ذلك أيضًا أحاديث كثيرة.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إن الجنّ لا يدخل في بدن المصروع من الإنس، فقال: "يا بني يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على المنطقيين" (407): "إن دخول الجني بدن الإنس، وتكلّمه على لسانه بأنواع الكلام وغير ذلك أمر قد علمه كثير من الناس بالضرورة..". وقد عالج ابن تيمية الإنسان المصروع بسبب الجني مرات كثيرة، وحدَّث عن نفسه في ذلك فقال: "كما قد فعلنا نحن هذا، وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين". (مجموع الفتاوى (19 / 60) وبنحوه قال الحافظ ابن حجر، وقبلهما ابن حزم في كثير من أهل العلم. وبالجملة: فإنكار الجن كفر، أما إنكار التلبّس فضلال. ولله تعالى أعلم.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmaiji.com