إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 15 فبراير 2013

يا من كان له قلبٌ فانقلب!


يا من كان له قلبٌ فانقلب!
    الحمد الله الملك الحق المبين, خلقنا لعبادته, وأتم علينا نعمه ظاهرة وباطنة, فالسعيد هو الشاكر حقّاً, والمخذول من سقط في سبل الردى ومتاهات الهوى, وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, بلّغ البلاغ المبين, وهدى إلى الصراط المستقيم, صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:
    فإن العبد في سيره إلى الله تعالى لا يسلم من مكائد عدوّه الشيطان الرجيم, فإنه يشمّ قلبه, فإن رأى فيه عزماً وحزماً وإقبالاً على الآخرة؛ حاول أن يدفعه للزيادة والتنطّع والإحداث في الدين. وإن رأى ارتخاءً في همّته وَضَعَةً في عزيمته ألقى في قلبه الأمن من مكر الله, ومنّاه وساقه بالأماني حتى يلقيه في لُجَجِ التسويف فتطول غيبته وتعظم خيبته, ويرجع بالخسار!
    وفي المسند بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لكل عمل شرّة, _أي نشاط وهمّه_ ولكل شرّة فترة _أي كسل وفتور_ فمن كانت فترته إلى سنتي؛ فقد أفلح, ومن كانت إلى غير ذلك؛ فقد هلك".
     ولا يكاد يخلو المؤمن ذكرى حسنة من عبادة كان يألفها, وذكرٍ كان يأنس به, وطاعةٍ كان ينشرح صدره بها؛ فإذا مرّت على خياله تلك الذكريات؛ وضع يده على كبده أسفاً, وخرّت على وجنته دمعة حرّى تشكى مرارات البعد عن مغاني الأنس ومواطن نعيم الأرواح إلى الوحشة والجدب وذبول أزاهير الطاعة وشُحِّ ثمار العبادة, وحيل بينه وبين ما يشتهي من التوبة والأوبة من الحوبة تلو الحوبة, "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" و"القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن" ويا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك..
    فيا من كان له قلب فانقلب, وحالٌ فاستحال, أبشر بفتح الباب للتائبين فكن في معيتهم, ولا تستوحش فلا زال في الصدر خير ما دامت روحك تتردد بين حناياك حاملة إيمانك وندمك..فازجرها بسوط موعظة, واحْدُ لها تسر.
    ويا أخي لا زال حبلك واصلاً فلا تقطعه وإن اهترأ واخلولق, مادامت روحك تقعقع بين حناياك, فالبدار البدار, والوَحَا الوَحَا!
    ومن مدهشات تاج الواعظين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى (المدهش: 437_439) بتصرّف واختصار: يا من كان في رفقة "تتجافى" فصار اليوم في حزب أهل النوم..
يا ديار الأحباب كيف تغيّرتْ   ...   ويا عهدُ ما الذي أبلاكا
هل تولّى الذين عهدي بهم فيك   ...   على عهدهم وأين أولاكا
الذميلَ الذميلَ يا راكب إني   ...   لضمين أن لا يخيب سُراكا
    قد خلقت الداران لأجلك, أما الدنيا فلِتتزوّد, وأما الأخرى فلِتتوطّن. أفتراك تعرف مكانة "أذكركم" أو قيمة "يحبهم"؟!
    يا من كان قريباً فطُرد, يا من فَقَد قلبَه, وعدم التحيّل في طلبه, أين الزمان الذي بان أتراه بان؟! أين القلب الصافي كان وكان؟!
     يا عزيزي ما أَلِفتَ الشقاء فكيف تصبر؟ أصعب الفقر ما كان بعد الغنى, وأوحش الذلّ ما كان بعد العزّ, وأشدُّهُما العمى على الكِبَر!
سَقْياً لمنزلةِ الحمى وكثيبها   ...   إذ لا أرى زَمَناً كأزماني بها
ما أعرفُ اللذات إلا ذاكراً   ...   هيهات قد خلّفتُ أوقاتي بها
    وبعد خروج  الحافظ القيّم شمس الدين ابن القيّم رحمه الله من السجن فتح الله عليه بفتوح ربّانية علمية وعملية, فصنّف طريق الهجرتين ثم مدارج السالكين, وكلاهما في التوحيد وأعمال القلوب وتحقيقها.
    وسنورد نصّاً شريفاً مما خطّه يراعُهُ العظيم في كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين, وموضوعه الهجرة إلى الله تعالى بشهادة أن لا إله إلا الله, والهجرة إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بالعبودية والرسالة. وقد عصر في سِفْره هذا علمه, وسكب فيه تجاربه, وأودعه تأملاته, حريّ بكل طالب علم أن يرشف منه بل يعلّ ويعبّ. وعلى جلالة قدر هذا الكتاب بين كُتِبِه, إلا أن شهرته لم تلق حقّها في الذيوع, مع أنه لا يقل قامةً عن الزاد ولا الإعلام ولا المدارج تحريراً, بل لا أبعُد إذا قلت بعلوه باحتوائه على مباحث لا توجد في ما كُتب في موضوعه على الإطلاق. واعتبر ذلك بالمقارنة والتحليل..
    وهذا النصّ عبارة عن مقدِّمَةٍ عن تنوع العبادات مع وحدة الطريق في عرض رائق بلفظ شيّق, ثم وصف عميق مؤثر مزلزل لكل من كان له أُنْسٌ بالخلوة بربّه, وكان قد ذاق حلاوة الإيمان فطال عليه الأمد, أو وقع في حبيلة عدوّه فتنكّب الجادة, واستوحش الطريق..
    قال رحمه الله في (طريق الهجرتين:1/ 279_286):
      الطريق إلى الله واحد, فإنه الحق المبين, والحق واحد مرجعه إلى واحد, وأما الباطل والضلال فلا ينحصر, بل كل ما سواه باطل, وكل طريق إلى الباطل فهو باطل, فالباطل متعدد وطرقه متعددة, وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة, جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلا؛ فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق.
     وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله, وما يرضيه متعدد متنوع, فجميع ما يرضيه طريق واحد, ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال, وكلها طرق مرضاته, فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا, لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم, ولو جعلها نوعاً واحداً مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد, ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امرىء إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله, ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه, ومنه الحديث المشهور "الأنبياء أولاد علّات دينهم واحد" فأولاد العلات أن يكون الأب واحداً والأمهات متعددة, فشبّه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة فإنها وإن تعددت فمرجعها إلى أب واحد كلها.
     وإذا عُلم هذا, فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم, قد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله, فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله, ويفتح له فيها الفتح الخاص, أو يموت في طريق طلبه, فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته, قال تعالى: "ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله" وقد حُكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن؛ أنه رُؤي بعد موته وأخبر انه في تكميل مطلوبه, وأنه يتعلم في البرزخ, فإن العبد يموت على ما عاش عليه.
     ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر, وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله, فمتى فتر عنه أو قصر؛ رأى أنه قد غبن وخسر.
     ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة, فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها؛ أظلم عليه وقته, وضاق صدره.
     ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي, كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات, قد فتح له في هذا, وسلك منه طريقا إلى ربه.
     ومن الناس من يكون طريقه الصوم, فهو متى أفطر تغير قلبه وساءت حاله.
     ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن, وهي الغالب على أوقاته, وهي أعظم أوراده.
     ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قد فتح الله له فيه, ونفذ منه إلى ربه. ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار.
     ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة.
    ومنهم الجامع الفذّ, السالك إلى الله في كل واد, الواصل إليه من كل طريق, فهو قد جعل وظائف عبوديته قِبلة قلبه ونصب عينه, يؤمّها أين كانت, ويسير معها حيث سارت, قد ضرب مع كل فريق بسهم, فأين كانت العبودية وجدته هناك, إن كان علم وجدته مع أهله, أو جهاد وجدته في صف المجاهدين, أو صلاة وجدته في القانتين, أو ذكر وجدته في الذاكرين, أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين, أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين, يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها, ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها, لو قيل: ما تُريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت, جالبة ما جلبت, مقتضية ما اقتضت, جمعتني أو فرّقتني, ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها, مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر, قد سلم إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن, "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة, ومعنى النفوذ إليه: أن يتصل به قلبه, ويعلّق به تعلق المحب التام المحبة بمحبوبه, فيسلو به عن جميع المطالب سواه, فلا يبقى في قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه, فإذا سلك العبد على هذا الطريق؛ عطف عليه ربُّهُ فقربه واصطفاه, وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه, وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده, فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها, فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضي به من دون الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا؟! فلو كشف الغطاء عن أَلْطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم؛ لذاب قلبه محبة له وشوقا إليه, ويقع شكرا له, ولكن حَجَبَ القلوبَ عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب, فصُدَّت عن كمال نعيمها, وذلك تقدير العزيز العليم. وإلا فأيّ قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه؟! هذا ما لا يكون أبداً.
     ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته؛ وقع في آثار المعاطب, وأودع قلبه سجون المضايق, وعُذّب في حياته عذابا لم يُعَذَّبْ به أحدٌ من العالمين, فحياته عجز وغمٌّ وحزن, وموته كدر وحسرة, ومعاده أسف وندامة. قد فرط عليه أمره, وشتت عليه شمله, وأحضر نفسه الغموم والأحزان, فلا لذه الجاهلين, ولا راحة العارفين! يستغيث فلا يُغاث, ويشتكي فلا يُشكى, فقد ترحّلت أفراحه وسروره مُدبرة, وأقبلت الآمه وأحزانه وحسراته, فقد أبدل بأُنسه وحشة, وبعزه ذُلّاً, وبغناه فقرا, وبجمعيته تشتيتا, وأُبعد فلم يظفر بقرب وأبدل مكان الأنس إيحاشاً!
     ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكباً عنها, مكبّاً على وجهه. فأبصر ثم عمي, وعرف ثم أنكر, وأقبل ثم أدبر, ودُعي فما أجاب, وفُتح له فولّى ظهره الباب, قد ترك طريق مولاه, وأقبل بكليته على هواه, فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشؤونه فهو مقيّد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب. قد انحطّ بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين, وحُصِّل في عداد الهالكين!
     فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده, وإعراض الكون عنه إذ أعرض عن ربه حائل بينه وبين مراده, فهو قبر يمشي على وجه الأرض, وروحه في وحشة من جسمه, وقلبه في ملال من حياته, يتمنّى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه!
     حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال _والعياذ بالله_ فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق, وإحراقه بنار البعد عن قربه, والإعراض عنه, وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته, فلو توهّم العبد المسكين هذه الحال, وصوّرتها له نفسه, وأرته إياها على حقيقتها؛ لتقطّع والله قلبه, ولم يلتذ بطعام ولا شراب, ولخرج إلى الصّعدات يجأر إلى الله ويستغيث به يستعتبه في زمن الاستعتاب!
     هذا, مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي هي كخيال طيف أو مزنة صيف؛ نغصّت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها, وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليها, وتلك سنّة الله في خلقه, كما قال تعالى: "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" وهذا هو غِبُّ إعراضه, وإيثار شهوته على مرضاة ربه, يعوّق القدر عليه أسباب مراده؛ فيخسر الأمرين جميعاً, فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته, وشدة اهتمامه بطلب ما لم يُقسم له, وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم, فهمٌّ لا ينقطع, وحسرة لا تنقضي, وحرص لا ينفذ, وذل لا ينتهي, وطمع لا يقلع.
     هذا في هذه الدار, وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك؛ قد حيل بينه وبين ما يشتهي, وفاته ما كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه, وأحضر جميع غمومه وأحزانه. وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعدين المطرودين.
     فواغوثاه ثم واغوثاه بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين, فمن أعرض عن الله بالكلية؛ أعرض الله عنه بالكلية, ومن أعرض الله عنه؛ لزمه الشقاء والبؤس والبخس في أعماله وأحواله, وقارَنَهُ سوءُ الحال وفساده في دينه ومآله, فإن الرب إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس, وأظلمت أرجاؤها, وانكسفت أنوارها, وظهرت عليها وحشة الإعراض, وصارت مأوى للشياطين, وهدفا للشرور, ومصبّاً للبلاء.
     فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها, أو وجد بارقة من حبه ثم سُلبها, لم ينفذ إلى ربه منها, خصوصاً اذا مال بتلك الإرادة إلى شيء من اللذات, وانصرف بجملته إلى تحصيل الأغراض والشهوات, عاكفاً على ذلك في ليله ونهاره وغدوه ورواحه, هابطا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى.
     قد مضت عليه برهة من أوقاته وكان همّه الله, وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه, على ذلك يصبح ويمسي ويظل ويضحي, وكان الله في تلك الحال وليه لأنه ولي من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه, فأصبح في سجن الهوى ثاوياً, وفي أسر العدو مقيماً, وفي بئر المعصية ساقطاً, وفي أودية الحيرة والتفرقة هائماً, معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية, كان قلبه يحوم حول العرش فأصبح محبوسا في أسفل الحش!
فأصبح كالبازي المنتف ريشه ... يرى حسرات كلما طار طائر
وقد كان دهرا في الرياض منعما ... على كل ما يهوى من الصيد قادر
إلى أن أصابته من الدهر نكبة ... إذا هو مقصوص الجناحين حاسر
     فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها! يا عجبا له بأي شيء تعوّض؟! وكيف قرَّ قراره فما طلب الرجوع وما تعرّض؟! وكيف جعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله وطنا؟! أم كيف طاوعه قلبه على الاصطبار ووافقه على مساكنة الأغيار؟!
     فيا معرضاً عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم, ويا بائعاً سعادته العظمى بالعذاب الأليم, ويا مسخطاً من حياته وراحته وفوزه في رضاه, وطالباً رضى من سعادته في إرضاء سواه: إنما هي لذة فانية, وشهوة منقضية, تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها, فرح ساعة لا شهر, وغم سنة بل دهر, طعام لذيذ مسموم, أوّله لذة وآخره هلاك, فالعامل عليها والساعي في تحصيلها كدودة القزّ, يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليها من المعاطب, فيندم حين لا تنفع الندامة, ويستقيل حين لا تُقبل الاستقالة, فطوبى لمن أقبل على الله بكليته, وعكف عليه بإرادته ومحبته, فإن الله يُقبل عليه بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته.
     وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد؛ استنارت جهاته وأشرقت ساحاته, وتنورت ظلماته, وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال, وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنهم تبع لمولاهم, فإذا أحب عبدا أحبوه, وإذا والى واليا والوه, إذا أحب الله العبد نادى: "يا جبرائيل إني أحب فلانا فأحِبَّه" فينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء, ثم يحبه أهل الأرض فيوضع له القبول بينهم. ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة.
     وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته, ويقبل عليه بأنواع كرامته, ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. ويا مصرّف القلوب والأبصار صرّف قلوبنا على طاعتك. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا, وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب, يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, يا رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
إبراهيم الدميجي
4/ 4/ 1434
aldumaiji@gmail.com

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

شبهتان متجددتان لأهل الكتاب..ذكر المسيح عليه السلام بالروح والكلمة, والزعم بخصوصية العرب بالرسالة الإسلامية.


الجزء الرابع من كشف الشبهات الملقاة على الإسلام

شبهتان متجددتان لأهل الكتاب..ذكر المسيح عليه السلام بالروح والكلمة, والزعم بخصوصية العرب بالرسالة الإسلامية.

    الحمد لله الحق المبين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:

    فقد قال تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" [الأنبياء: 18]، وقال جل شأنه: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" [الإسراء: 81]، وقال صلى الله عليه وسلم: "لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه" متفق عليه.

    لا غرو أن دينًا كالإسلام يغار منه ويغير عليه المتعصبون للديانات المخالفة له، ويحاولون بشتى الطرق وكافة الوسائل طمس حقائقه وتثبيط عزائم أهله، ورد من استطاعوا من الباحثين عن الحقيقة عن حياضه والنهل من معينة الصافي النمير. وهذا شأن أعداء الرسل في كل زمن، وعلى كلٍّ فالمستقبل لهذا الدين والنصر في الدارين لأهله فهم الغالبون بالحجة واللسان دومًا وإن امتحنوا أحيانًا بغلبتهم بالسيف والسنان, ولكن الحق لا يضمحل ولابد في كل زمان من طائفة ظاهرة بالحق على الخلق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ولا تـخلو الأرض من قائم لله بحجة.

    وهنا وقفتان لكشف شبهتين للمخالفين له المعادين لحملته، التي ألقوها على ناصع بياض الإسلام ووهج ضيائه، مع ردها وكشفها ودحضها بحول الله وقوته ومشيئته:

    1ــ القول بأن القرآن الكريم قد ذكر المسيح عليه السلام بلفظ الكلمة والروح، والادعاء بأن هذا إقرار لدين مؤلهة المسيح والقائلين بالتثليث.

    والجواب: أن المضاف إلى الله تعالى قسمان:

    الأول: إضافة صفة؛ كقوله تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه" [البقرة: 255]، "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" [الذاريات: 58]، "وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً" [الأنعام: 115] فهذه المضافات إلى الله تعالى كالعلم والقوة والكلام هي صفات قائمة به تعالى وليست مخلوقة له بائنة عنه:

    الثاني: إضافة عين؛ كقوله تعالى: "وطهر بيتي للطائفين" [الحج: 26] "ناقة الله وسقياها" [الشمس: 13]، "عيناً يشرب بها عباد الله" [الإنسان: 6].

    وهذه المضافات: البيت والناقة والعباد هي مخلوقة لله تعالى بائنة عنه، لكنها نسبت إليه نسبة تشريف وتفضيل لها على سائر أجناسها المخلوقة لمزيد فضل فيها، كتـخصيص بيته بمكة من بين بيوته ــ المساجد ــ وتـخصيص ناقة نبيه صالح عليه السلام من بين النوق، وكتـخصيص عباده الصالحين من بين العباد، ومن هذا الباب وصف المسيح عليه السلام بأنه روح الله وكلمته، فهو قد خُلِقَ بكلمة (كن) وليس هو الكلمة، وكلمات الله لا تعد ولا تحصى، كذلك ليس هو الموصوف وحده بالروح بل جبريل وغيره كذلك([1])، ومن تأمل الآيات في وصف المسيح عليه السلام ظهر له هذا بأدنى نظر، فالله تعالى يقول مجليًا لحاله وكاشفًا لشبهة المؤلهة: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقه كانا يأكلان الطعام" [المائدة: 75] فهذا نص على بشريته التامة وطبيعته الآدمية بكل تفاصيلها ومحاملها، وقال تعالى: "إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" [النساء: 171] ولاحظ التأكيد على وصفه بالرسالة وهي أعظم شرف إنساني، وقال تعالى: "وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [المائدة: 72] فخصم المؤلهة والمثلثة هو المسيح نفسه، وتأمل تنصيص المسيح عليه السلام على خطورة الشرك والتحذير منه وأنه باب الهلاك، وقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" [المائدة: 73] وفي هذا إبطال التثليث من أُسِّه، وقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" [المائدة: 17] وفي هذا إبطال التأليه للمسيح، وقال تعالى مجردًا المسيح وجميع الخلق من القدرة إذا أراد بهم شيئًا: "قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً" [المائدة: 17].

    الخلاصة: أن ما أضيف إلى الله تعالى إما أن يكون صفة من صفاته كالعلم والقدرة والخلق، وإما أن يكون من إضافة الأعيان، فالخلق كلهم يضافون إلى الله من هذه الحيثية، لكن تـخصيص بعضهم يدل على مزية شرف وفضل له عليهم([2]).

    2ــ الزعم بخصوص العرب بالإسلام دون غيرهم.

    وكشف ذلك بمقدمتين:

    الأولى: أن إثبات نبوته فرع عن إثبات صدقه، فالأنبياء لا يكذبون أبدًا، وهم معصومون عن الخطأ والكذب في البلاغ.

    الثانية: إذا ثبتت نبوته وصدقه فقد ثبت كذلك عموم رسالته، فقد صدق في قوله: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" رواه البخاري، وقال تعالى مبينًا ذلك: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً" [الأعراف: 158]، وقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً" [الفرقان: 1].

    لذا فتكذيبه في خبره إبطال لنبوته وكلاهما ممتنع([3])، ومن صدقه في بعض وكذبه في بعض فقد كفر به جملة، ولا يستطيع أحد إثبات نبوة أحد من الأنبياء إلا بعد إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن دلائل نبوته أعظم وأكثر جنسًا وعددًا، والله تعالى يقول في شأن كل من يجادل في آياته: "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير" [غافر: 56]، والتوراة قد بشرت بعموم رسالته حتى بني إسرائيل "أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم..." (تثنية 18: 17ــ 21)، ففي كلمة (لهم) تصريح بدخولهم تحت دعوته ورسالته، كذلك المسيحيين بل جميع أمم الأرض ممن يعقل. والله الموفق والهادي.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.

إبراهيم الدميجي

25/ 3/ 1434

@aldumaiji

http://aldumaiji.blogspot.com/

 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


........................

([1]) انظر: الجواب الصحيح (2/ 155ــ 162).

([2]) وقد تتبع الشيخ رحمة الله الهندي الشبه المثارة على القرآن الكريم والسنة النبوية وفنّدها في الجزء الثاني من كتابه القيّم: إظهار الحق، كذلك فهناك كثير من الكتب المعاصرة التي عنيت بذلك مثل: رد شبهات النصارى، د. وديع أحمد، وشبهات حول الإسلام، محمد قطب، وغيرها.

([3]) الجواب الصحيح (1/ 125).

الاثنين، 28 يناير 2013

نقض الزعم بأن شريعة الإسلام مشتملة على وحشية، كالقتل والرجم وقطع اليد والجلد والاسترقاق


الجزء الثالث من حلقات كشف الشبه عن الإسلام

"نقض الزعم بأن شريعة الإسلام مشتملة على وحشية، كالقتل والرجم وقطع اليد والجلد والاسترقاق"

    الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, أرحم بعبده من الوالدة بولدها, خلق الخلق برحمته وعدله, وأقام ناموس كونه بحكمته وقدرته, رب العالمين, وإله الأولين والآخرين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الرحمة المهداة, والنعمة المسداة, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, أما بعد:

    فهذا هو الجزء الثالث من حلقات كشف الشبه عن الشريعة الربانية, وهو يعالج ما ألقاه المستشرقون والمستغربون من اتهام شريعة الإسلام بالقسوة البالغة والوحشية الجاهلية وعدم مراعاة المشاعر البشرية والكرامة الإنسانية.

    لقد عانت الأمم والشعوب ويلات القتل والترويع وسفك الدماء من عتاة المجرمين، والاعتداء على الأعراض والاغتصاب من زمر المفسدين، ونهب الأموال وسرقتها من اللصوص، وتـخويف المسافرين وقطع السبل من قطاع الطرق، وكل مجتمع غاصّ بقصص ومآسي أمثال هؤلاء إذا غاب الرادع ونقص الوازع، فلا يردع هؤلاء إلا قانون حازم، وقضاء حاسم، وعقوبات زاجرة، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، والحق العام للمجتمع لا يجوز إسقاطه بمبرر الرحمة بالمجرمين والعطف على السفاكين! فمن اعتدى على بريء واغتصبه وقتله ومثّل به ونهب ماله، فهل من العقل في شيء الاكتفاء بسجنه؟!

    لقد كانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل، أي القصاص من القاتل يمنع أمثاله من القتل، ويحفظ المجتمع من الجريمة، ثم جاء الإسلام فذهب بالغاية والمعنى إلى أبعد من هذا وأسمى وأنبل فقال جل ذكره: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون" [البقرة: 179] وفي هذا حكم سامية، فالتلويح بعقوبة القصاص العادل من القاتل يمنعه من اقتراف جريمته أصلاً، فيحظى بحياته ويفوز بروحه أولاً ثم يأمن المجتمع من جريمته ثانيًا، وفي هذا غاية العدل والإحسان.

    والواقع يشهد بذلك، ففي الدول التي تطبق القصاص العادل بدون جور ولا حيف ولا ضعف نجد أن جرائم القتل فيها أقل بكثير من دول أخرى وإن كانت الثانية أقوى كمًّا وكيفًّا في أجهزتها الأمنية الظاهرة، فيكفي قتل مجرم واحد قد اقترف جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاختيار كي يأمن مجتمع كامل، والملاحظ أن رعايا الدول التي تتساهل في العقوبات الجنائية أنهم إذا كانوا في دول حازمة وأراد أحدهم قتل مواطنه أن ينتظر به خروجه منها إلى بر الأمان من القصاص فإذا عادا لموطنهما عدا عليه فقتله ويتّم أطفاله ورمّل زوجته وروّع مجتمعه! أما في الدول العادلة التي تنظر بعين العدالة فلم تنس حق الضحية ولا المجتمع وتؤمن المحاكمة العادلة والتحقيق المنصف في دولة تطبق شريعة الإسلام فإن من هم بقتل فإنه يتحسس رقبته جيدًا لخوفه عليها، فيكون خوفه منجاة له ولمن همّ بقتله "ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون" [المائدة: 50] كذلك الحال في قطع الطريق والاغتصاب والسرقة ونحوها من الجرائم.

    إذن فالنظر إلى مسألة الحدود الشرعية واجتزاء لفظ القتل والرجم وقطع اليد ونحوها وقطعها من سياقها العام الاجتماعي الإنساني والقانوني والمصلحة العامة؛ يعتبر ظلمًا وقصورًا في النظر، فتطبيق حد واحد من الحدود يأمن به مليون إنسان ــ من جميع الملل والأديان والأجناس ــ ليس من الوحشية في شيء، بل ضده أقرب إلى الوحشية والطفولية الفكرية!

    فقطع يد السارق مع اكتمال شروط الحدّ وعدم الشبهة وانتفاء الإكراه وبلوغ النصاب والحرز ونحوه هو عين العدل، فهذه اليد السارقة هي يد خائنة غادرة قد أرخصها صاحبها، بينا نرى أن هذه اليد عينها إن كانت أمينة واعتدي عليها فإن ديتها هي نصف دية الجسد كله وهذا لتشريفها بالأمانة واتضاعها بالخيانة.

    وليس في القصاص ولا الحرابة ولا القطع ولا الرجم وحشية إذا كان بحق، خاصة إذا رأينا الاحترازات الكثيرة التي يطبقها القضاة المسلمون قبل الحكم بها، فالإسلام هو العدل المطلق والرحمة التامة.

    قال الدكتور وديع أحمد فتحي الشماس الأرثوذكسي السابق:  وكان من أسباب إسلامي أنني ذات يوم كنت مظلومًا من المسيحيين، وكان لي صديق مسلم يجادلني في الدين كثيرًا ــ وهو أحمد الدمرداش ــ فأخذ يحدثني عن العدل في الإسلام حتى أذهلني لأني لم أجد في المسيحية ذرة واحدة من جبل العدل في الإسلام ([1]).

    علمًا أن الحدود في الإسلام لا تطبق إلا بعد أمرين:

    الأول: أن الشريعة الإسلامية حددت شروطًا دقيقة حازمة قبل النطق بالحكم، مثل إثبات الجريمة بالبينة والقرائن القاطعة، وكون المجرم تام السن والعقل، وكونه مختارًا غير مكره، وكونه غير مضطر إلى غير تلك الشروط والضوابط، بل إنه في تاريخ الإسلام كله منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان لم تثبت جريمة الزنا بشروطها المعتبرة أبدًا، ولم يطبق فيها حكم واحد ــ حسب علمنا ــ إنما تثبت باعتراف المذنب بخطيئته وإصراره على الثبات على أقواله طلبًا للتكفير! ومن تأمل ذلك وجد فيه سرًا بديعًا وحكمًا سامية ورحمة بالمجتمع ومنها منع انتشار الفواحش في المجتمع المؤمن، فلو لم يُجعل ذلك الحكم الزاجر بشروطه المعتبرة الصعبة لأصبحت شوارع الناس وأسواقهم مباءات فواحش من قبل عصابات الدعارة، وجر الطاهرين والطاهرات إلى التشبه بأهل المجون والفسق، ولكن الإسلام طهّر المجتمع من تلك الرذائل، خلا من وقع تحت جنح الظلام، أو خلف الستور والجدران، فلعله يتوب وينزع ويستغفر ربه ويستتر بستر الله عليه.

    الثاني: إذا بطلت كل الذرائع القاهرة التي تحول بين الناس وبين الانحراف، ففي عام الرمادة (المجاعة) لم يطبق المسلمون حد السرقة، فمن ثبت اضطراره لم يقم عليه الحد.

"الردة"

    وفي حد الردة نقول ــ كما سبق ــ كما قال الله :"لا إكراه في الدين"  [البقرة: 257] ولا تجيز الشريعة الإسلامية إجبار أحد على اعتناقها بل كل واختياره ورغبته، أما إن كان المرء قد دخل في الدين راغبًا ثم خرج منه فهذا هزء بالدين وسخرية وهدمٌ ودعاية سيئة ضده، وهذا مما يزعزعه في نفوس الناس، لذا وجب حسم مادة الفتنة بقطع دابرها، والتشديد على من أراد هدم الملة من الداخل.

    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلاً أسلم ثم تهوّد، وبما أنه يهودي فلا نستغرب مكره وتهمته في الدخول فيه والخروج منه لصد الناس عنه ومشاقة لله ومضادة لدينه وانظر مثالاً واقعًا وهو ابن سبأ اليهودي ([2])، فأتى معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهوّد. قال: لا أجلس حتى أقتله قضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم([3])، ولعل معاذًا رضي الله عنه عنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدّل دينه فاقتلوه"([4])، وكان عمر رضي الله عنه يأمرهم أن يستأنوا ثلاثة أيام بمن فعل ذلك ويحبسوه ويطعموه لعله يراجع أمره، أو أن يكون عرض له عارض مرضي أو غيره فيزول، فمن عرف الحق وداخله فالحجة قد قامت عليه أكثر من الذي لم يلجه ولم يجربه ويداخله .

    قال الدكتور عبد الكريم زيدان: المرتد هو الراجع عن الإسلام فهو مسلم ارتكب جريمة الردة وليس غير مسلم تكرهه على الدخول في الإسلام، ولا يعني هذا إكراهه على الاستمرار على الإسلام لأن المسلم بإسلامه قد التزم أحكام الإسلام ولا يجوز الإخلال بالالتزام، ويعاقب من أخل بالتزامه بالعقوبة المناسبة، وبالإضافة لهذا الإخلال فالمرتد قد ارتكب جرائم أخرى منها الاستـخفاف بعقيدة الأمة ونظامها المرتكز على الإسلام، وفي ردته تشجيعًا للمنافقين لمتابعته في ردته وحرب الإسلام، وهذا الحكم الشديد للمرتد هو فرع عن حرية التدين؛ لأن الإسلام لا يكره أحدًا على اعتناقه إلا بعد القناعة التامة والرضا الكامل فيعلن إسلامه، فإن ارتد ــ فيما بعد ــ فهو إما أنه دخل الإسلام نفاقًا ولمصلحة خسيسة وبقي الكفر في قلبه؛ فهذا تلاعب بالعقيدة حقيق بالقتل، ولخروجه على النظام العام، وخيانة للأمة التي ترعاه والدين الذي يحميه، لذا انفرد الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان عن بقية الإعلانات للدول الأخرى في هذه النقطة، وهي أنه يتعين على المسلم الثبات على دينه إذا دخله راغبًا مقتنعًا ([5]).

    فلابد للدين الحق من دعوة بالحسنى لإدخال الناس فيه وهدايتهم به واستمتاعهم بمباهجه أولاً وإن احتاج الأمر إلى إزالة العوائق الحائلة والعوالق المانعة بين الحق وبين القلوب والعقول، وهذا هو الجهاد الحقيقي الداعي إلى الهداية والإيمان كما قال ربعي بن عامر التميمي رضي الله عنه لكسرى ملك فارس لما سأله عن قصد المسلمين في حرب الفرس: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. وهكذا فعلوا رضي الله عنهم، وإن الارتداد عن الدين الحق أعظم جرمًا مما يسمى الخيانة العظمى عند أهل السياسة الذين يحكمون بإعدامه زجرًا لمن خلفه وتشريدًا لهم عن متابعته فحق الله أعظم من كل ما سواه.

    وهل يريد أن يقول منتقد شريعة الإسلام: إن المجرم الذي نهب واغتصب وقتل العشرات بكل سادية ووحشية تكون عقوبته العادلة السجن المؤبد (25) سنة، أو حتى مدى الحياة؟! هل يسمي هذه رحمة؟!

    كلا إنها ليست رحمة، فليبحث لها عن اسم آخر، بل إنها غاية الظلم والجور والخيانة للضحية والمجتمع، فالجزاء من جنس العمل، ولو شرب المنادي بهذا الهتاف من كأس الجريمة الذي شرب منه الضحايا وذووهم لاستفاق من غفلته وصحا من رقدته، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالقصاص تشرق شمس العدالة الحقة لا دعاوى أهل النظر القصير.

   ومن زاوية أخرى فأحكام الإعدام التي تطبقها كثير من الدول عند بلوغ الجريمة مبلغًا خاصًا، أو لتـخفيف غضبة الجماهير، فإنا نرى في آلية تطبيق أحكام القتل والإعدام قسوة بالغة مقارنة بطريقة القتل الغالبة في الإسلام، فالأصل في الإسلام أن القتل يكون بضرب العنق بالسيف ضربة واحدة سريعة مباشرة فيموت فورًا، إلا عند التمكن من قتله بمثل ما قتل به الضحية قصاصًا متساويًا عادلاً، بعكس القتل عن طريق الكرسي الكهربائي الذي يموت صاحبه عدة مرات قبل خروج روحه، وكذلك الشنق المفضي أحيانًا إلى الموت البطيء اختناقًا في حال فشل انقطاع النخاع، كذلك الضرب بالرصاص إن أخطأ الرامي في التصويب المباشر على القلب.. فأين هذا من الرحمة الإسلامية حتى في طريقة القتل، ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"([6]).

    ومما يبين كمال الشريعة الإسلامية مقارنة أحكامها بغيرها، فتوراة موسى عليه السلام قد اشتملت على ذكر العدل أكثر من الفضل، وذكر الفضل في الإنجيل أكثر من العدل، أما القرآن الكريم فقد جمع بينها في غاية الكمال "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" [النحل: 90]، فالقرآن بيّن أن السعداء أهل الجنة نوعان: أبرار مقتصدون، ومقربون سابقون، فالدرجة الأولى تحصل بالعدل؛ وهي أداء الواجبات وترك المحرمات، والثانية لا تحصل إلا بالفضل، وهو أداء الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات.

    فالشريعة الكاملة تجمع العدل والفضل([7]) كقوله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" فهذا عدل واجب، من خرج عنه استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، ثم قال: "وأن تَصَدَّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون" [البقرة: 280] فهذا فضل مستحب، مندوب إليه، من فعله أثابه الله ورفع درجته، ومن تركه لم يعاقبه ولم يؤاخذه.

    وقال تعالى: "ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله" فهذا عدل، ثم قال: "إلا أن تصَدّقوا" [النساء: 92] فهذا فضل.

    وقال تعالى: "والجروح قصاص" فهذا عدل، ثم قال: "فمن تصدّق به فهو كفارة له" [المائدة: 45] فهذا فضل.

    وقال تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم" فهذا عدل، ثم قال: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم" [البقرة: 237] فهذا فضل.

    وقال تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" فهذا عدل، ثم قال: "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين"  [النحل: 126] فهذا فضل.

    وقال تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فهذا عدل، ثم قال: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" [الشورى: 40] فهذا فضل.

    والله تعالى في القرآن الكريم يحرّم الظلم ويوجب العدل ويندب إلى الفضل، كما في آخر سورة البقرة لما ذكر حكم الأموال وحال الناس معها؛ إما محسن وإما عادل وإما ظالم([8]).

ولم تكن شريعة التوراة في الكمال مثل شريعة القرآن الكريم، فإن القرآن فيه ذكر المعاد وإقامة الحجج عليه وتفصيله، ووصف الجنة والنار، ما لم يذكر مثله في التوراة، كذلك في ذكره لقصة هود وصالح وشعيب وغيرهم من الأنبياء ما لم يذكر في التوراة، وفيه من ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته، ووصف الملائكة وأصنافهم، وخلق الإنس والجن، وتقرير التوحيد بأنواع الأدلة، وذكر أديان أهل الأرض، ومناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين، ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة([9]) وفي شريعة القرآن تحليل الطيبات، وتحريم الخبائث، وشريعة التوراة فيها تحريم كثير من الطيبات عليهم عقوبة لهم، وفي القرآن من قبول الدية في الدماء ما لم يشرع في التوراة، وفيه من وضع الآصار والأغلال التي في التوراة ما يظهر به أن نعمة الله على أهل القرآن أكمل([10]).

    وأما الإنجيل فليس فيه شريعة مستقلة، ولا فيه الكلام عن التوحيد، وخلق العالم، وقصص الأنبياء وأممهم، بل أحالهم على التوراة في أكثر الأمر، ولكن أحلّ المسيح بعض ما حرم عليهم، وأمرهم بالإحسان والعفو عن الظالم، واحتمال الأذى، والزهد في الدنيا، وضرب الأمثال لذلك، فعامة ما امتاز به الإنجيل عن التوراة بمكارم الأخلاق الحسنة، والزهد المستحب، وتحليل بعض المحرمات، وهذا كله في القرآن،وهو في القرآن أكمل.

    فليس في التوراة والإنجيل من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، من الهدى ودين الحق مثل ما في القرآن.

    ثم نقول للذي انتقد حدود الإسلام ــ كحد الردة مثلاً ــ ووصفه بالبشاعة والاستبداد وقمع الرأي الآخر: هل الأعظم حرمة الدين أم حرمة الدنيا؟ لا شك أن الدين أعظم حرمة وحق الله أعظم من حقوق عباده، والدين متعلق بغاية الخلق، وحكمة الوجود، ومن أجله خلقت الجنة والنار، ونصبت الموازين، وأنزلت الكتب وأرسلت الرسل([11])، وبما أننا نرى نظام الدنيا والماديات المحسوسة لا يستقيم إلا بإثبات العقاب على المخالف، فتسن الأنظمة والتشريعات والعقوبات لضبط الحياة، فكيف بالحياة الحقيقية وهي حياة الدين؟!

    ونقاشنا هذا مع المقر بوجود الله تعالى، مع أن جميع البشر موقنون بهذا في قرارة نفوسهم "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" [النمل: 14] بل حتى عتاة الملاحدة من الفلاسفة قالوا: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات.

    والقول بحرية الدين لازم للقول بحرية الدنيا من باب أولى. ولا يعرف هذا إلا من نظر نظرة شمولية للغاية من الخلق، وقَرَن الآخرة بالدنيا، لذلك فمن صلاح المسلم أن يُمنع من الخروج عن دينه إعانة له على الخير، وربما في بقائه ولو مكرهًا ــ بعض الوقت ــ خيرٌ له، فقد تنجلي الشبهة، وتضعف الشهوة، ويستقيم القلب مرة أخرى على جادة الهدى([12]) لذلك فالحكم حاسم في الشريعة: "من بدل دينه فاقتلوه"([13])، وكم ممن ترك ذنبًا خوفًا من عقوبة الدنيا ثم مرت الأيام وحمد الله على ذلك لقناعته بخطئه، وكم ممن يكره الحق ثم لا يلبث بعد ممارسة أن يكون أحب الأشياء إليه، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن قوم يدخلون الجنة في السلاسل([14]).

"الجزية"

    هذا ومن السهام الموجهة نحو الإسلام: القول بتعسفه في إجراء الجزية على المخالفين في الدين. وهذا خلط عجيب للأمور ويتضح ذلك بما يلي:

    أولاً: أن هذا الذمي الذي سكن بلاد المسلمين هو معدود من رعاياهم، وبما أن عليهم تجاهه مسئوليات كحمايته وحراسته والدفاع عنه _ وتأمل قصة استرجاع ابن تيمية الأسرى الذميين من قازان لما أسرهم_ وتأمين حاجاته، ففي المقابل لابد أن يقابل هذا الإحسان والجهد بشيء من المعاوضة ــ الرمزية ــ وإن كانت أقل بكثير من المستحق، كذلك فهي تسقط عن العاجز والفقير الذمي بل يحظى بالرعاية والكفالة، كما رأى عمر ذميًا فقيرًا فأسقط عنه الجزية وتكفل له بالرعاية من بيت مال المسلمين، وهذه هي الشريعة الإسلامية القائمة على الرحمة والإحسان أولاً ثم العدل والمقابلة بعد ذلك.

    ثانيًا: أن هذه الجزية هي أقل مما يؤخذ من المسلم في مقدار الزكاة، وأقل نسبة مما يؤخذ من الضرائب في كثير من الدول المعاصرة، فأين مالت الكفة إذن؟!

    ثالثًا: ــ وهو المهم ــ أن الغرض من الجزية ليس جمع المال ولا التعسير على أهل الذمة، بل الهدف منها سام جدًا، ألا وهو الهداية للدين القويم والصراط المستقيم؛ فالهدف من الوجود هو عمارة الآخرة بعبادة الله تعالى والإيمان به، والاستقامة على دينه، لذا فمن رفض هذا الدين الذي به سعادته الحقيقية ونجاته المحتومة، فمن رحمة الله تعالى به أن لا يقتل حتى لا تتلف نفسه ويخسر آخرته، وتفوت فرصة نجاته، وحتى لا يدخل في الدين نفاقًا فيكون الإفساد حينها أشد، لذلك فاكتفى بإذلاله بالجزية قرعًا لقلبه، وإيقاظًا لفكره، ليراجع نفسه، وينظر في مصلحته الحقيقية، وهذه غاية سامية وحكمة نبيلة، قال تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [التوبة: 29] فإذا أحس بالنقص بادر إلى تكميل نفسه حتى يكون ندًا لكل الناس، فبعد نطقه بالشهادتين فقط يكون مباشرة مسلمًا كباقي المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، في الحقوق والواجبات. إذن فالغرض تنبيهه لخطأ طريقه، وليس الغرض إذلاله ولا أخذ دراهمه، لذلك لما كتب عمر بن عبد العزيز بمثل ذلك إلى والي مصر، أجابه: إذن يسلموا كلهم، ولا يبقى لنا ما نأخذه عليهم من الجزية، فأمر عمر بن عبد العزيز بضرب ذلك الوالي ثلاثين سوطًا، وقال كلمته المشهورة: "وددت لو أن كلهم قد أسلم، فإن الله بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا"([15]).

"الحريّة والكرامة"

    ولا أعلم قيمة تعاور البشر على إبرازها والمناداة بها كالحرية والكرامة, وإذا تنادى الناس للحرية وللكرامة، نقول لهم: لن تكون هناك حرية حقيقة إلا في ظل شريعة الإسلام التي أعطت كل ذي حق حقه، ووازنت بين مصالح الفرد والجماعة، فصالح الجماعة عائد أصلاً إلى الفرد في المقام الأول، ولا عكس، لذا كانت مراعاتها أولى. وهل أبلغ وأعدل وأكرم من قول الله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"(الإسراء: 70)؟

    وأي نظام غير الإسلام هو في حقيقته يقسم الناس ــ ولو باطنًا ــ إلى ملّاك وعبيد، سواء العالم الرأسمالي _وقد ظهرت بوادر سقوطه باحتجاجات العامة للخلاص من ربقته_أو الشيوعي _ وقد سقط منذ زمن قريب، وتبرأ منه من كانوا بالأمس يقاتلون دونه!_

     أما في الإسلام فالجميع أحرار، فيولدون أحرارًا ولو فقراء، ويبقون أحرارًا إلى أن تنتهي آجالهم وهذه أول فقرة في وثيقة حقوق الإنسان العالمية، وما عليهم إلا أن يكملوها بضبطها بتشريعات الإسلام لو كانوا يهتدون . لذلك فكبار أعداء الإسلام هم كبار أعداء الفقراء... وتأمل!

    ومع تطبيق العدل الشرعي الإسلامي يستمتع الناس، حتى غير المسلمين ممن استظلوا بظل الإسلام وعدالته، فيرحل القبطي من مصر إلى المدينة ليشكو إلى عمر رضي الله عنه ضربة عصا لحقت بولده من ابن والي مصر المسلم حين غلبه الشاب القبطي في السباق، وهو الذي كان إلى عهد قريب تلهب ظهره سياط الرومان فلا يحس بآدميته المسلوبة ولا يتحرك للشكوى، ولمن يشكو أصلاً لو أراد؟! ولكن العدل الرباني المتمثل في شريعة الإسلام الخالدة هو الذي جعل ضربة العصا توجع الكرامة، وتحرّك الرجل ألوف الأميال طلبًا للنَّصَف، ورفعًا للمظلمة، وردًّا للكرامة، ويُجاب الرجل إلى حقه، وينصف ممن ظلمه ولو كان ابن الوالي تحقيقًا للعدل الرباني الإسلامي([16]).

    ويصيح بها عمر هادرة صاخبة ويصرخ في الوالي، وقد أعطى السوط للمظلوم آمرًا له بالاقتصاص من ظالمه: اجلد ابن الأكرمين، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! فهل في شرائع الأرض ما يضاهي هذا العدل الفريد؟!

    بل حتى أمير المؤمنين نفسه ــ أعلى سلطة في الحكم ــ ليس له الحق في أخذ ما يريد، فهو على الناس كناظر الوقف على مال اليتامى ينظر الأصلح لهم، ولا يأخذ من بيت المال إلا بإذنهم ومشورتهم، بل يجلس في المحكمة كأي فرد من العامة إذا كان طرفًا في قضية، فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يجلس مع خصمه اليهودي عند القاضي شريح، متهمًا اليهودي بسرقة درعه وهو الصادق البار الراشد ــ فيقول له القاضي بحسم: يا أمير المؤمنين: هل من بينة؟ فيقول: لا، فيحكم القاضي بالدرع لليهودي مع علمه بصدق علي رضي الله عنه، ولكن لا محاباة بدون دليل وبرهان "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"[النساء: 58].

    قالت شاعرة الهند ساروجني ندو: يعتبر الإسلام أول الأديان مناديًا ومطبقًا للديمقراطية(بل هو أرقى منها كثيرًا)، وتبدأ هذه الديمقراطية من المسجد خمس مرات في اليوم الواحد عندما ينادى للصلاة، ويسجد القروي والملك جنبًا إلى جنب اعترافًا بأن الله أكبر، ما أدهشني هو هذه الوحدة غير القابلة للتقسيم، التي جعلت كل رجل أخًا للآخر بشكل تلقائي.

"الرق"

    أما الكلام عن الرق، فنحن نتعجب ممن يصم به الإسلام خاصة ممن ينتسب إلى الأمم النصرانية الأوروبية أو الأمريكية، وقد فعلوا بأهل أفريقيا ما فعلوا، وطاردوهم في الأحراش والأدغال والقرى كالحيوانات وقيدوهم بالسلاسل والأغلال، ثم حملوهم وكدّسوهم فوق بعضهم في سفن البضائع، وألقوا كثيرًا منهم لأسماك البحر لموتهم بسبب الجوع أو الضرب أو المرض، أو بإلقائه حيًا لترويع البقية، بإلقاء المقاومين في البحر! وأعماق الأطلنطي وأحراش أفريقيا وصحارى أمريكا ووهاد أوروبا تشهد بذلك الإجرام الممنهج.

وعلى كلٍّ فالجواب على مسألة الرق من وجهين:

    الأول: أن الخلق كلهم ملك لله تعالى، ولا يخرج أحد منهم عن ملكيته سبحانه، فهو يحكم فيهم بما يشاء، وقد اقتضت حكمته الربانية أن من تمرد عليه، وعبد غيره، واستكبر عن عبادة إلهه الحقيقي، وسيده الحق، ومولاه المبين، وملكه الأبدي، أن يحكم عليه بأن يسترقّه مخلوق ضعيف مملوك مثله، فيسترق بدنه دون روحه، لذلك فمن أشد المحرمات في الإسلام استرقاق من خضع لله تعالى ولم يخرج عن عبوديته له.

    ثانيًا: وبعد تلك العقوبة الإلهية على من لم يرض به إلهًا وربًا فقد فتح له باب الحرية على مصراعيها، وجعل له الكثير من المخارج من الاسترقاق البشري؛ فقد حث الإسلام الأسياد على عتق مماليكهم ابتداءً، وجعل العتق من أعظم القرب إلى الله تعالى، ووعد الله تعالى بعتق كل عضو من السيد من النار جزاء عتقه مملوكه لوجه الله، كذلك شرع في الإسلام باب الكفارات وجعل أفضلها وأعظمها على الإطلاق عتق المماليك والعبيد، فجعلها كفارة القتل والظهار واليمين والوطء في نهار رمضان وغيرها.

    فابتدأ أولاً بالحث على العتق، وثانيًا بإيجاب العتق وتحتمه وجعله كفارة لبعض الخطايا المعيّنة، وثالثًا فتح للمماليك باب المكاتبة بأن يشتروا أنفسهم من أسيادهم بمبالغ مالية على أن يسمحوا لهم بالتكسب للوفاء بما عليهم ليتحرروا، وحث الأسياد على قبول طلبهم للمكاتبة. كذلك فليس العتق في الإسلام خاصًا بمن أسلم من المماليك، بل حتى غير المسلمين يُشرع عتقهم، وكم من أرقاء أسلموا بعد عتقهم لما رأوا سماحة الإسلام، وتشنّفه لحرية الجميع.

     وإن من نافلة القول بيان أن استشهادنا ببعض أدبيات الأمم الأخرى لا يعنى الإعجاب والانبهار بما لديهم _مع تسجيل شهادة الحق لكل من قال بها_ غير أن في شهادتهم للحق محفزة لبعض بني قومنا بصدقية دينهم الذي رغبوا عن كثير من كمالاته والله المستعان.

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, لقد جاءت رسل ربنا بالحق.

إبراهيم الدميجي

@aldumaiji

16 ربيع الأول 1434

 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


...............................

([1])   في كتابه رد شبهات النصارى (ص280)

([2])   وانظر منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (1/ 23ــ 30).

([3])   البخاري (6923).

([4])   البخاري (6922).

([5])   باختصار وتصرف من بحث الدكتور ناصر الميمان المقدم للدورة (19) لمجمع الفقه الإسلامي الدولي.

([6])   رواه مسلم.

([7])   انظر: الجواب الصحيح (5/ 59ــ 77).

([8])   البقرة (261ــ 263).

([9])   الجواب الصحيح (5/ 72).

([10])   وانظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية (5/ 79).

([11])  ينظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 383).

([12])   انظر: العقلية الليبرالية، عبد العزيز الطريفي (ص209).

([13])   البخاري.

([14])   مسلم.

([15])   انظر: أحكام أهل الذمة، ابن القيم.

([16])   انظر: مذاهب فكرية معاصرة (ص226، 227).