إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 12 يوليو، 2013

"وإن تطيعوه تهتدوا"

"وإن تطيعوه تهتدوا"
الحمد لله وبعد:
لقد ذكر أهل السير أمثلة ناطقة ببركة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشؤم مخالفته, منها ما حدّث به جابرُ بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
 كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى انتهينا إلى وادي العقيق في وسَط الليل, فإذا الناس نازلون للمبيت. قلنا: فأين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: في مُقدّم الناس قد نام. فقال لي عبد الله بنُ رواحة: يا جابر, هل لك بنا في التقدّم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد, لا أحب أن أخالف الناس, لا أرى أحدًا تقدّم. قال ابن رواحة: والله ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقدُّمٍ. قال جابر: أما أنا فلست ببارح _وفي هذا بركة الحزم وعدم التقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم_. قال: فودّعني وانطلق إلى المدينة، فأنظرُ إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بلحارثَ بنَ الخزرج، فإذا مصباحٌ في وسَط بيته, وإذا مع امرأته إنسان طويل _أي نائمٌ قريبٌ منها_ فظنّ أنه رجل, وسُقِطَ في يديه, وندم على تقدمه. وجعل يقول: الشيطانُ مع الغِرِّ! فاقتحم البيتَ رافعًا سيفه قد جرّده من غمده يريد أن يضربهما. ثم فكّر وادّكر _وفي هذا فضيلةُ التأني والتثبت_, فغمزَ امرأته برجله, فاستيقظت فصاحت وهي توسن _من الوسن وهو النعاس, أي قامت من نومها فجأة_ فقال: أنا عبد الله, فمن هذا؟ قالت: فلانة ماشِطتي، سمعنا بمقدمكم فدعوتُها تمشِطُني فباتت عندي!
 فبات, فلمّا أصبح خرج معترضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فلقيه ببئر أبي عتبة, ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسير بين أبي بكر وبشير بن سعد, فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بشير فقال: "يا أبا النعمان" فقال: لبيك . قال: "إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروقَ أهله" _وفيه عظيمُ فراسةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم_ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَبَرُك يا ابن رواحة؟" فأخبره كيف كان تقدَّمَ, وما كان من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تطرقوا النساء ليلًا" قال جابر: فكان ذلك أولُ ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر _وتأمل حكمته_: فلم أر مثلَ العسكر ولزومه والجماعة, لقد أقبلنا من خيبر، وكنا مررنا على وادي القُرى فانتهينا إلى الجُرفِ  _موضعٌ قرب المدينة_ ليلًا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطرقوا النساء ليلًا, قال جابر: فانطلق رجلان فعصيا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرأيا جميعًا ما يكرهان! . المغازي: (1 / 441_442)
 نعم, فالله تبارك وتعالى يقول :"وإن تطيعوه تهتدوا" فالهدى بحذافيره والسعادةُ بتفاصيلها في اتباعه وطاعته, والشؤم والشر في مخالفته, وتأملّوا عقوبة جيش المسلمين بكسرهم في معركة أحد بسبب عصيان الرماة, ولربّما أُديلَ على الجيش بعصيان بعضه.
ومن رام الفلاح فليتعلّق بأهداب متابعة أهدى الناس, وأعلمهم وأنصحهم وأتقاهم, أنه محمد بن عبد الله, عبدُ اللّه ورسولُه وخيرتُه من خلقه. وأفضلُ الخلق على الإطلاق. وهو رسول اللّه إلى الناس كافة، وإلى جميع الثقلين الجنِّ والإنس. وهو أفضل الرسل، وخاتمُ النبيين لا نبي بعده، قد شرح اللّه له صدره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وهو صاحب المقام المحمود الذي قال اللّه تعالى فيه: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" أي المقامَ الذي يقيمُه اللّه فيه للشفاعة للناس يوم القيامة ليريحهم ربهم من شدة الموقف، وهو مقام خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره من النبيين، وهو أخشى الخلق للّه وأتقاهم له وأعلمهم به.
 وقد كرّر اللّه الأمر بطاعة الرسول واتّباعه في نحو أربعين موضعًا من القرآن، فالنفوسُ أحوجُ إلى معرفة ما جاء به واتّباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن الطعام والشراب إذا فات الحصول عليهما حصل الموت في الدنيا، وطاعة الرسول واتباعه إذا فاتا حصل العذاب والشقاء الدائم.
ومن اتّباعه وإجلاله تعظيمُ سنته صلى الله عليه وسلم, واعتقادُ وجوب العمل بها, والذبّ عنها, لأنها وحي من اللّه تعالى. كما قال تعالى: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" فلا يجوز التشكيكُ فيها, ولا التقليل من شأنها بالحال أو المقال. وقد كثر في هذا الزمان تطاولُ الجهالِ على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم, بل واستطالَ استهزاءُ السفهاءِ بها، وهذا من غربة الإسلام, والله المستعان, "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".
أن المثل البشري الأعلى لكل موفّق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ جعل الله له الكمال البشري في أجلى صوره, فيستحيل أن يُوجَدَ في سجلّه أدنى نقيصة أو أقل وأخبر سبحانه وتعالى أن فيه القدوةَ الحسنة لأمته، فقال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" قال ابن كثير رحمه اللّه: هذه الآية الكريمة أصلٌ كبير في التأسِّي برسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله.
إبراهيم الدميجي
2/9/1434

@aldumaiji

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق