إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 20 يناير 2026

الإخلاص التام

 

الإخلاص التام

الحمد لله رب العالمين، أما بعد، فإن خلوص الإخلاص وكماله مرتبة لا ينالها إلا القليل بعد القليل من آحاد الموفقين، ذلك أن للإخلاص أكدار لا تكاد تلحظها البصيرة ما لم يهدها ربها سبلها، وكثير من الناس عن تفاصيلها غافل. وليس القصد التكلف والتشقيق فليس هذا بسبيل رشد، إنما المراد ملاحظة المجاهدة والتبصـر لحقيقة النية، وفصل حظ الدنيا عن حظ الآخرة فيما يتشابهان به.

قال ابن الجوزي : «ما يكاد يحب الاجتماع بالناس إلا فارغ؛ لأن المشغول بالحق يفرّ من الخلق، ومتى فرغ القلب من معرفة الحق امتلأ بالخلق فصار يعمل لهم ومن أجلهم، ويهتم بالرياء ولا يعلم.

ومن راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم، أما العامل لله سبحانه وتعالى فهو بعيد عن الخلق، فإن تقربوا إليه ستر حاله بما يوجب بُعدهم عنه.

وقد رأينا من يرائي ولا يدري فيمتنع من المشـيء في السوق ومن زيارة الإخوان ومن أن يشتري شيئًا بنفسه. وتوهمه نفسه أنه يكره مخالطة السوقة، وهذا يربّي جاهًا بين العامة، إذ لو خالطهم لامتُحي جاهه، وبطل تقبيل يده. وقد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار. وأبلغ من هذا أن نبينا كان يشتري الشـيء ويحمله، وخرج علي بن أبي طالب يومًا وهو أمير المؤمنين فاشترى ثوبًا. وقد كان طلحة بن مطرف قارئ أهل الكوفة فلما كثر الناس عليه مشى إلى الأعمش فقرأ عليه فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة.

وهذا والله الكبريت الأحمر، والإكسير، والمعاملة مع الله هكذا تكون.

فأما ضد هذه الحال فحالة عابد للخلق مليء بمظهره، وقد عم هذا جمهور الخلق، حاشا السلف.

أفــــــــــدي ظبـــــــاء فلاة ما عـــــــرفــــــــــن بها        مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب»([1])

هذا، واعلم ــ رحمني الله وإياك ــ أن عبادة السر من أعظم وسائل الثبات، وقد كان السلف يستحبون للمرء أن تكون له خبيئة من عمل صالح لا يطلع عليها إلا الله، وبعض الناس يظن أن الخبيئة لابد أن تكون عن قوام دنيا كإطعام الطعام وكفالة الأرامل والأيتام ونحوه، وهذا قصور، فلا شك أن هذه من أبواب أعمال السر بين العبد وربه، ولكن كل عمل صالح كتمته عن الخلق فهو خبيئة لك، ولو بالذكر والصلاة والمناجاة ونحو ذلك. وهذه الأعمال الخالصة التي صنعت لوجه الله تعالى هي أعظم الذخائر يوم تبلى السرائر.

قال ابن رجب: «عبادة الخلوات من وسائل الثبات على الإيمان حتى الممات، ومعاصي الخلوات من أعظم أسباب الانتكاسات».

وقال ابن القيم : «اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدّد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفًا لا يحصيه إلا الله تعالى.

فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.

ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علمًا وعملًا ومعرفةً وحالاً.

وكلما عظم نورُ هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبًا إلا أحرقه.

وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئًا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرّة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه استنقذه من سارقه، أو حصّل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته وولّى الباب ظهره»([2]).

وقال : «إن كل آية في القرآن هي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهذا جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشـرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.

 

 

 

فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشـرك وأهله وجزائهم، فــ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ توحيد ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢﴾ توحيد ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ ﴾ توحيد ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤﴾ توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ توحيد ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ توحيد ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعم الله عليهم ﴿ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ [الفاتحة: 2-7] الذين فارقوا التوحيد.

ولذلك شهد الله لنفسه بالتوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله، قال: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ [آل عمران: 18، 19]، فتضمنت هذه الآية أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجلّ شاهد، بأجلِّ مشهود به. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة مراتب الشهادة الأربعة: العلم والتكلم به وإعلام غيره بما شهد به والالتزام بمضمونها والأمر به»([3]).

وقال شيخ الإسلام: «توحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، كما قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»([4])، وقال: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله وجبت له الجنة»([5])([6])، وهو قلب الدين والإيمان وسائر أعمال الجوارح له، كما في قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»([7]).

هذا ومن بركات التوحيد أن من حققه دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب([8])، كما في حديث ابن عباس في عرض الأمم على النبي ﷺ «فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب»، لم أخبر بصفتهم فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»([9])، قال عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على كتاب التوحيد: «تحقيق التوحيد قدر زائد عن ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه من شوائب الشرك والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه. والمندوب هو تحقيق المقربين الذين تركوا ما به بأس حذرًا مما به بأس، وحقيقته: انجذاب الروح إلى الله فلا يكون في قلبه شيء لغيره.

وقال الله تعالى مثنيًا على خليله إبراهيم عليه السلام الذي كمل مراتب الإخلاص والتوحيد: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠﴾ [النحل: ١٢٠] قال الإمام المجدد في الكلام على هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين ﴿ قَانِتٗا لِّلَّهِ لا للملوك ولا للتجار المترفين، ﴿ حَنِيفٗا لا يميل يمينًا ولا شمالاً كفعل العلماء المفتونين، ﴿ وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠ خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين»([10]).

وقال شيخ الإسلام: «القرآن كله مملوء من تحقيق التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح واقتضاء السعادة في الآخرة به. ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه. وحقيقته: إخلاص الدين كله لله، وأن تثبت ألوهية الله في قلبك وتنفي ألوهية ما سواه، وهذا كثير في القرآن، وهو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وذروة سنام هذا التوحيد لأولي العزم من الرسل، ثم للخليلين محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وسلم تسليمًا»([11]).

قال ابن الجوزي في شأن الإخلاص: «يا معاشر العلماء! قد كتبتم ودرستم، ثم إن طلبكم العلمُ فلستم في بيت العمل، ثم لو ناقشكم الإخلاص لأفلستم.

شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعزع، ﴿أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ﴾ [النحل: 27]، وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة ﴿وَقِفُوهُمۡۖ [الصافات: 24].

ريح المخلصين عطرية القبول، والمرائي سموميّ النسيم، نفاق المنافقين صيّر المسجد ﴿لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ [التوبة: 108] وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ «رب أشعث أغبر»([12]).

«أيها المرائي! قلبُ من ترائيه بيد من تعصيه يا أسفى! ذهب أهل التحقيق وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب، وتبدّلت العمارة بالخراب، يا ديار الأحباب عندك خبر! المخلص يُبهرج([13]) على الخلق بستر الحال، وببهرجته صحَّ النقد.

كان في ثوب أيوب السختياني بعض الطول لستر الحال([14]) وكان إذا وعظ فَرَقَّ، فرقَ قلبُه من الرياء فيمسح وجهه ويقول: ما أشد الزكام! وكان يحيي الليل كله، فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.

وكان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل رجلٌ غطّاه.

وكان ابن أبي ليلى إذا دخل داخلٌ وهو يصلي اضطجع على فراشه.

مَرِضَ إبراهيم بن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكل الأصحّاءُ لئلا يتشبه بالشاكين، هذه والله بهرجة أصحُّ من النقد.

قُرئ على أحمد بن حنبل أن طاووسًا كان يكره الأنين، فما أنّ حتى مات.

تفيضُ نفوسٌ بأوصابها
وما أنصفت مهجة تشتكي

 

وتكتم عوّادَها ما بها
أذاها([15]) إلى غير أحبابها
»([16])

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

إبراهيم الدميجي



([1])   صيد الخاطر، ابن الجوزي (288، 289).

([2])   المدارج (1/577 ــــ 579).

([3])   مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم (4/ 431ــ 444).

([4])   متفق عليه. البخاري (25) ومسلم (22).

([5])   أحمد (22384)، وأبو داود (3116)، وفيه صالح بن أبي عريب روى عنه جمع ووثقه ابن حبان، وحسنه النووي في المجموع (5/110).

([6])   فأول دخول الإسلام بها، والرحيل من هذه الدنيا بها.

([7])   رواه البخاري (1).

([8])   مجموع الفتاوى (1/ 70).

([9])   متفق عليه. البخاري (6541)، ومسلم (220).

([10])      تيسير العزيز الحميد (100، 101).

([11])      منهاج السنة النبوية (5/347- 349) باختصار.

([12])      رواه مسلم(1015).

([13])      البهرج: الذهب والجواهر المزيفة.

([14])      لعل له تأويلاً بإسباله، وإن كان شرف الغاية لا يبرر حرمة الوسيلة، والمعنى الذي قصده نفيس جدًّا.

([15])      في الأصل (هواها) ولكنه لا يليق بهذا المقام إجلالاً لله تعالى.

([16])      المدهش، ابن الجوزي (2/ 584ــ 587) باختصار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق