إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

السبت، 24 يناير 2026

تعظيم رب البريات في بيان حديث «إنما الأعمال بالنيات»

 

تعظيم رب البريات في بيان حديث «إنما الأعمال بالنيات»

الحمد لله رب العالمين، أما بعد؛ ففي الصحيحين عن يحيى بن سعيد الأنصاري([1]) عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب ◙ قال: سمعت رسول الله يقول: «إنما الأعمال بالنية ــ وفي رواية بالنيات ــ وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وهو حديث عظيم جليل القدر قد حوى جملة فوائد لا غنى لمسلم عنها.

قال الحافظ ابن مهدي رحمه الله تعالى: «من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث». وقال: «لو صنّفت كتابًا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث» فهو حديث عظيم عليه مدار الإسلام والإيمان مع بضعة أحاديث أخر([2]).

ومن جلالته أن رسول الله قد خطب به فقال: «يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية»([3])، وخطب به عمر أيضًا على منبر رسول الله ، قال الإمام الشافعي : «هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من الفقه»([4]). كذلك قال الإمام أحمد وغيره: «إنه ثلث العلم»([5]).

قال ابن الملقّن : «وسببه كما قال البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنه يكون عبادة بانفرادها، بخلاف القسمين الآخرين، ولهذا كانت «نية المؤمن خيرٌ من عمله»([6])، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: يدخل هذا الحديث في ثلاثين بابًا من الإرادات والنيات.

وقال أبو عبيد: ليس شيء من أخبار النبي حديثًا أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث([7]).

وقال ابن دحية: لم أجد فيما أرويه من الدينيات أنفع من قوله: «إنما الأعمال بالنيات» إذ مدار العلم عليه، وهو نور يسعى بين يديه([8]).

والضابط لحصول النية: أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع؛ كانت حاصلة مثابًا عليها وإلا فلا، وإن لم يقصد ذلك كان عملاً بهيميًا، ولهذا قال السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية.

 وقال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في أربعينه: هذا الحديث أصل كبير في صحة الأعمال الدينية، وأنها موقوفة على خلوص النية، وهي بالإضافة إلى الأفعال والأقوال بمنزلة الأرواح للأشباح، والأعمال كالأجسام الموات والنية الصالحة لها كالحياة، فمتى لم يقصد العامل بعمله وجه الله دون ما سواه كان سعيه خائبًا وأمله كاذبًا، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة: 5]. والإخلاص يرجع إلى الكتاب والسنة، أما الكتاب فكل آية تضمنت مدح الإخلاص وذم الرياء نحو ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤﴾ [يوسف: 24] ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ [الشورى: 20] ﴿كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»([9])، وقوله: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»([10])، وقوله: «إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها فهي له صدقة»، وقوله في حديث سعد: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك»([11]).

ولما عزم مالك على تصنيف الموطأ كتب بعض من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بما عملوا، فأُتي بذلك فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلا ما أُريد به وجه الله([12]).

قال الفضل بن محمد بن حرب: فكأنما أُلقيت تلك الكتب في الآبار وما سمع بشيء منها بعد ذلك يُذكر»([13]).

قال شيخ الإسلام : «والنية([14]) محلها القلب باتفاق العلماء، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم.

 والنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله فلابد أن ينويه ضرورة، ولو كُلّف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كلفوا ما لا يطيقون، فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملاً مشروعًا أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه وذلك هو النية، وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلابد أن ينويه إذا علمه ضرورة، وإنما يتصوّر عدم النية إذا لم يعلم ما يريد، مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد، أو من يريد أن يعلّم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه، ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال، ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل بالعقل»([15]).

وقال: «وقوله : «إنما الأعمال بالنيات» يبين العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله يكون بالإخلاص في الدين لله، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه، قال: فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

وعلى هذا دل قوله تعالى:﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110] فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وألا يشـرك العبد بعبادة ربه أحدًا؛ وهو إخلاص الدين لله([16])، وكذلك قوله: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢﴾ [البقرة: ١١٢]، وقوله: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله: ﴿۞وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢﴾ [لقمان: ٢٢]، فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان هو إحسان العمل لله، وهو فعل ما أمر به فيه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠﴾ [الكهف: ٣٠].

فإن الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالآمر به، والاستهانة بنفس العمل، والاستهانة بما وعده الله من الثواب، فإن أخلص العبد دينه لله، وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون([17]).

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله.

إبراهيم الدميجي

IIII


 



([1])   ورواه عن يحيى بن سعيد أئمة الإسلام، يقال: إنه رواه عنه نحو من مئتي عالم مثل مالك والثوري وابن عيينة وحماد، وهو حديث صحيح متفق على صحته تلقته الأمة بالقبول والتصديق مع أنه من غرائب الصحيح. مجموع الفتاوى (18/ 247).

([2])   وقد اختلف في عدّها على عشرة أقوال، أمثلها أنها ثلاثة: «إنما الأعمال بالنيات» رواه الشيخان، «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» أخرجه الترمذي وابن ماجه، «الحلال بيّن والحرام بيّن» رواه الشيخان، ومنهم من زاد عليها «وازهد في الدنيا يحبك الله» رواه أبو داود والدارقطني. وقد نظمها أبو الحسن المعرور فقال:

عمدة الدين عندنا كلمات

 

أربع من كلام خير البريّة

اتق الشبهات وازهد ودع

 

ما ليس يعنيك واعملنّ بنيّة

وانظر تفصيل الأقوال في: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام للحافظ ابن الملقّن (1/ 153)، وفي جامع العلوم والحكم لابن رجب (5).

([3])   البخاري (1/ 10).

([4])   معرفة السنن للبيهقي (1/ 191).

([5])   فتح الباري (1/ 11).

([6])   الديلمي في مسند الفردوس، والطبراني في الكبير (6/ 228) بإسنادين ضعيفين.

([7])   فتح الباري (1/ 11).

([8])   الإعلام لابن الملقن (1/ 158ــ 160).

([9])   مسلم (4/ 2564).

([10])      متفق عليه البخاري (2783). و مسلم (1353)

([11])  متفق عليه البخاري (56). و مسلم (4409).

([12])      التمهيد لابن عبد البر (1/ 86) عن محقق الإعلام.

([13])      الإعلام لابن الملقن (1/ 162ــ 165) باختصار. وقد ذكر رحمه الله اثنتين وثلاثين فائدة من هذا الحديث الجليل.

([14])      النية لها إطلاقان: الأول: إرادة وجه الله وحده لا شريك له بالعمل، وهذا هو الإخلاص. الثاني: تمييز العبادة عن غيرها.

قال شيخ الإسلام: «ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين: فتارة يريدون بها تمييز عمل من عمل، وعبادة من عبادة، أو يريدون بها تمييز معبود عن معبود ومعمول له عن معمول له» المجموع (18/ 256).

([15])      مجموع الفتاوى، ابن تيمية (18/ 262، 263) باختصار.

([16])      لذلك يشترط العلماء لقبول العمل إضافة للشرطين الإخلاص والمتابعة شرطًا ثالثًا وهو الإيمان المصحح لبقية أفراد العبادة. ومن الشروط كذلك الموافاة على الإيمان. نسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه.

([17])      مجموع الفتاوى (18/ 250، 251).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق