إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 12 يونيو 2014

التبشير الليبرالي بالدولة السعودية الرابعة.. ماذا وراء الأَكَمَة؟


التبشير الليبرالي بالدولة السعودية الرابعة.. ماذا وراء الأَكَمَة؟
الحمد لله وبعد: فيُطلق مسمى الدولة السعودية الرابعة ويراد به واحد من أمرين: الأول قطيعة زمانية كما حدث مع الدولتين – المرحلتين - الأولى والثانية, ولكن هذا – منطقيًّا - غير مراد هنا لأننا لازلنا في ظل الثالثة ولم تنقطع بعد! فلم يبق إذن سوى القصد الثاني وهو: القطيعة المنهجية عقديًا وفكريًّا وأخلاقيًّا مع الدولة الثالثة, فهذا هو مرادهم وأمنيتهم, وقد ألمح منظروهم لذلك كثيرًا وصرّحوا تارات. وبالطبع فهذه القطيعة سيعقبها - في أذهانهم - قطع الصلة بسلطة الأسرة الحاكمة عبر مرحلتين:
 الأولى: بردّها لتكون ملكيّة تشريفية بلا سلطان ولا قيادة.
 الثانية: عبر هدم المؤسسة السياسية كليًّا وبناء هيكل سياسي وثقافي وقيمي ليبرالي جديد لا يمت بصلة لما سبقه!
لذلك فمسماها الذي وضعوه (السعودية الرابعة) لا يعدو أن يكن رمادًا للعيون القلقة والعقول المترقبة, فلا خير في فتنتهم هذه, فلا دين محفوظ ولا دنيا صالحة.
يا سادة: المسألة ليست إشارت بعيدة من هنا وهناك استدعاها الذهن المتوجس وأكمل فراغاتها بخياله, كلّا بل إن دخان الفتنة راء للعيان, ومن له أذنان فليسمع!
خطورة ذلك في التالي:
1-   أن هذا الفكر يستبطن فكرًا ثقافيًّا دخيلًا على أمة الإسلام, ويقوم على تراث وأصول غربية المنشأ والنتاج, وثمارها خلاف غاية الخلق الإنساني "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" 
2-   أن سنن الله لا تتخلّف, وإن تأخّر وقوعها في نظرنا القاصر المقصّر فهو راجع إلى أسباب لم تكتمل أو موانع لم تزل, وكلٌّ بقدر الله وحكمته. "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا" وبالمقابل في الطرفين: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" إن خيرًا بخير منه أو شرًّا بعاقبته. ويا قوم: الوَحا فليس كل برقٍ خلّب!
3-   أن البناء القائم هو الأصلح للسلم الاجتماعي والرفاه الشعبي إن تم ضبطه بمعايير شرعية صحيحة وأيدي صادقة مخلصة.
وهنا ننبه لأمر مهم وهو أنهم في ابتداء مطالبهم لا يكثرون الحديث فيما يغضب السواد الأعظم للشعب عليهم من النداء بتنحية الشريعة والإلزام بالتغريب الثقافي والسلوكي, فهذا وإن كان هدفًا حاضرًا واضحًا لديهم إلا أنهم يرون أن من الصالح لهم تأجيل الحديث فيه ريثما يرون قابلية الساحة لذلك (الوباء) أما المرحلة الراهنة فهي الكلام العام المجمل عن الحقوق والحريات ونحوها بطريقة رمادية حمّالةَ أوجه, فيلقون كلامًا يقوله الصِّدِّيق والزنديق, بلا تفصيل وإيضاح إلا لما لا بد منه لاختراق لُحمة الشعب وسُداه, ويأبى الله إلا أن تخرج من أفواههم من حين لآخر فلتات محرجة فاضحة.
4-   الديمقراطية فاسدة على مر العصور, وإن كانت في زمننا قد أصلحت كثيرًا من عيوبها, بل قد فاقت - بكل مرارة - كثيرًا من تطبيقات المسلمين! وليس العيب في الإسلام, إنما في الانحراف عنه, فكثيرٌ مما نراه هي نماذج مشوّهة لشرعته. أما الديمقراطيات الحديثة فإنها - وإن أصلحت جانبًا من الدنيا - فأنّا لها إصلاح الدين, فأساسها الذين تقوم عليه هو المادية المطلقة. وهذا أمر لا بد أن يكون واضحًا بين عيني كل من يعاني أمر السياسات وفقه المقارنة بينها.
إن المتتبع لحال دول العالم عبر التاريخ يرى أن كثيرها قد تأرجح - في متوالية حقيقة بالدراسة والتعجب - بين استبداد مطلق ألجركي أو فردي شمولي ديكتاتوري وديمقراطية بحرية شبه فوضوية. فالأول يثمر الأمن والسلم مع خنق الحريات وسلب الحقوق, والثاني بضده حلاوة ومرارة, أما الإسلام فقد جمع حسنتيهما في نظام متسق فريد "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"
وملاك القول أن هؤلاء الذين يبشرون بالدولة الرابعة لا بد أن لهم إيحاء وتوجيه من الشرق أو الغرب ممن يرومون إبدال الدولة من جذورها بما فيها هيكل الأسرة الحاكمة, وتنفيذ هذا في العادة يكون تاليًا للمرحلة الاولى في حالة نجاح تلك المرحلة وإلا كان هو الأول وهي تالية له. 
والشعب بأغلبية ساحقة مؤمن سلفي بالفطرة, ويحب السكينة والطمأنينة, ويكره تغير الحال واضطراب الأمن, وكلما رفع أحد عقيرته بالتغيير صاح به الشعب من كل جانب قائلا بلا مثنوية: قد بايعنا هؤلاء على الكتاب والسنة فلن يكون الانتقاض من جهتتا, فمن وفى وفينا له, ومن نقض فعلى نفسه, فالقضية قضية دين وآخرة قبل أن تكون حظوظ دنيا.
ومضة: من أسباب نشر معتقد أهل السنة والجماعة في العالم الرفاه المالي الذي امتن الله به على الدولتين السعوديتين الأولى والثالثة فالمال رافد مهم للدعوة إلى الله سواء بالكتب أو الدعاة.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 6 يونيو 2014

حينما تخنق الفروع أصلها, وتمنع الوسائل غايتها!

حينما تخنق الفروع أصلها, وتمنع الوسائل غايتها!

الحمد لله, وبعد: فمن ألف باء فهم المسائل حسن التصور لها إجمالاً, أما تحقيق حدود التفاصيل فهو ميدان اختلاف الرأي, وفي دائرته يكون السجال مؤيدًا بالبراهين.
كمسلمين لدينا كلية مطلقة لا تقبل الجدل والتمحّك, ولا الضبابية والتمحّل, تلك هي محورية تحقيق العبادة لله جل وعلا.
فهذا القدر الكلي مجمع عليه, لذا فمنه المنطلق في الحوار وإليه العود في الترجيح.
فموضوع الغاية من الخلق محسوم بآية الذاريات, إنما الشقاق يكون بالقفز الفكري أو الشعوري خارجه! لذلك فطريقة القرآن هي رد الناس إلى هذه الغاية مهما تلونت سبلهم وأسبابهم, فيستحيل أن يتعدد الحق في نفسه, إذن فلا بد من مرجعية مهيمنة وحاسمة, تلك بلا تردد هي حاكميّة الوحي المنزل.
دعونا نقف على أمثلة متنوعة الألوان والرسوم حتى ندرك خداع النفس الأمارة لصاحبها حينما تتلفع له بقناع النصح والوداد المُخفي لما تحته من وجه الحقيقة الآثمة!
ثَمّ خمسة أمثلة, الأول: مثال الفقيه المبرّر بليّ أعناق النصوص لما يراه من تقديم مصلحة دنيا الناس على دينهم بتضخيم جانب أمن الجسد على أمن الديانة.
فحينما يتوسع الفقيه في منطق تسويغ فعل السياسي خارج حدود المقبول, وينشغل بترقيع خَللِ السياسي في مقابل تضخيم خوف المآلات بحجة - أو شبهة – دفع ورفع الفتن المتوهّمة, فنحن هنا أمام مثال لتقزيم الأصل وهو تحقيق العبادة لرب العالمين في سبيل حفظ دنيا لفرد أو جماعة.  وكم من مبطل  بلباس ناصح!
 ولا نعني بذلك إلغاء القصد النبيل للفقيه, فهو أمر قد جاءت به الشريعة وعظّمت شأنه, فلا يقوم الدين إلا بدنيا صالحة, والتاريخ شاهد صدق, إنما المطلوب أن يُحجّم الأمر بقدره الشرعي فلا يكون هو الأصل دون تحقيق العبادة لله.
وللتوضيح نقول: تحقيق العبودية عبادة محضة ومحور لا يقبل التجزئة, أما غير ذلك فهي وسائل لتحقيقها لا غير, فهذه الوسائل ملحقة بالعبادات من جهة أنها تفضي إليها لا أنها هي.
 قال تعالى: "والفتنة أشد من القتل" فالفتنة حينما تصرف عن الأصل الأعظم وهو الإيمان فهي بلا ريب أشد من قتل يُتلف الجسد وتبقى بعده حياة الإيمان. وفرض الوقت هو أن تُحفظ العبادات ووسائلها بحيث لا تنقلب الوسيلة غاية ولا الفرع أصلًا, وبالمقابل لا يجوز أن تُلغى الوسيلة بحيث لا يبقى للمرء بعدها لغايته وصول.
فحاكم الشام – على سبيل المثال لا الحصر – قد بدّل الدين وغيّر الملة وحارب الشريعة, فليس من الحكمة الشرعية في شيء أن يؤمر الناس بمسالمته وهو يظنون أنهم قادرون على إبداله بالصالح في الدين والدنيا.
الثاني: الغيور المنكِر المتحمس الذي ترتاح نفسه للّجَجِ والخصام, والعجلة, والبداءة بالتغيير بسلاطة اللسان وسوء الظن وتفتيش النيات وكشف العورات والفرح – عمليًّا – بالزلات, ونشر المنكرات وإشاعتها بقصد حربها وكسرها, والتساهل في اتهام أهل العلم والفضل بالتقصير في القيام بأمر الدين, ووصمهم بالمداهنة وبيع الآخرة نظير عمالةٍ من سلطان.. ونحو ذلك مما قد كُفيه ولم يكلّف به, ولكن أبت عثرتُه إلا أن تُكرعه حمأة البغي!
وقد يزيد هذا العَجولُ بلا علم ولا حلم فينكر باليد ما ليس تحت يده ومما ليس مأذونًا له فيه, وقد يستطيل بغيًا فيستطيب إشهار السيف على من حرّم الله في سبيل إقامة أمنيةٍ لا يراها خارج جمجته الحيرى! فيفرح بدرس نواقض الإسلام دون درس موانع التكفير بل يرعيها أذنًا صماء, فيكتفي بالأولى ليركض بها في نكيره, ويتعمّد الإغماض عن الثانية لأنها تقيد حريّة طيشه! ويكأنما نسيَ أن شارع الأولى والثانية واحد. وكم من مريدٍ للخير لم يبلغْه, وكم من كارثة لا ترقؤها الأيام ابتدأها من يظن فعلَه صالحًا! "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا"
يا صاحبي: إنكار المنكر فرض على الأعيان أو الكفايات بحسب الأحوال, فاحرص على اعتدال رمّانة ميزانك بلا وكس ولا شطط, فلا تقعد عن إنكارٍ مشروع, ولا تتخوض مالم تأمرك به الشريعة.
الثالث: الداعي إلى سبيل ربه ولكن عبر التوسع فيما يراه وسيلة جاذبة للناس للخير الذي يدعوهم إليه, فيركب المشتبه, ويتوسع فيما اختُلف فيه, وينسلخ من ضوابط من أجازوا له ما هوي مرحلة بعد أخرى حتى تظهر عورة منهجه بعد سقوط آخر ورقة للتوت ولو من غيره ممن استنّوا طريقته, بل َربّما عصى ربه في سبيل طاعته! والله طيب لا يقبل إلا طيبًا, ولم يجعل هداية خلقه وطبّ قلوبهم وأجسادهم فيما حرّم عليهم, وليس كل طريقٍ للحق موصلٌ وإن نبل هدف سالكيه.
فقف إذن حيث وقف سلفُك الصالح, فإنهم عن علم وورع وحكمة وتوفيق كفّوا "فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"
الرابع: المرء مع أسرته من زوج وذرية, فيسعى لأن يملأ أعمارهم بهجة وسرورًا, ويتذكر فصول الحب وحسن المعشر والرحمة والكرم ونحوها, ولكنه في غفلة هائلة عن النصح الحقيقي والشفقة التامة والحب الصادق الذي يفضي به إلى أن يأخذ بأيدهم إلى رضوان الله والجنة.
جميل جدًّا أن ترسم الضحكة والبسمة على محياهم شريطة أن تعمل على أن يستمر هذا معهم بعد رحيلهم عن هذه الدار الصغيرة الزائلة, فاعمل على رسم الهدف النهائي الأخروي وصِلْهُ بمباهج الدنيا التي لا تحلو أصلًا إلا مع طاعة الله. فإن رأيت فرعًا أمَّارًا بالسوء فاهتف به: "والآخرة خير وأبقى" "ورزق ربك خير وأبقى"
الخامس: المؤمن مع نفسه في حال زجرها أو إكرامها, فمن شق عليها بأطرِها على مسير لم تؤمر به, ولم يرفق بها في طريقٍ صالحٍ حتى كلّته وملّته, فحبس غريزته تأثّمًا دون إفراغها فيما سخّر لها خالقها من المباح, أو أطلقها حول الحمى, ثم أولجها الحمى, حتى إذا طرقت الحرام وألِفت العصيان لم يسمع لنداء الإيمان في قلبه ركزًا!
 وكما أن الإيمان لا يصح دون علم؛ فكذلك العلم لا ينفع دون إيمان, وتأمل كيف جمعهما ربنا بقوله: "قال الذين أوتوا العلم والإيمان"  
فإحسان العبادة غاية الصدّيقين, والرفق بالنفس مع الحزم معها وسيلة تحقيق هذا المقصد الأعلى بإذن ربنا الأعلى, ومتى طغت الوسيلة على الغاية هلكت الراحلة والراحل, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
ومضة: ضع يدك على فؤادك ثم اسأله: أي فؤادي، متى خفقتك الأخيرة؟!
اللهم اجعلها على الإيمان.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية
8/8/ 1435

aldumaiji@gmail.com

السبت، 31 مايو 2014

رقيقةُ المجاهدين لابن القيم


رقيقةُ المجاهدين
لابن القيم
الحمد لله معزِّ من أطاعه وناصرِه, ومذلِّ من عصاه وخاذِلِه, جعل الجلال والجمال هالةً على رايات المجاهدين, والصلاة والسلام والبركة على من بعثه الله هاديًا مجاهدًا مبشّرًا نذيرًا, أما بعد:
فما بال أقوم يرومون إبطال ذروة سنام الإسلام بذريعة إسقاط مدّعِي الجهاد, فيهدم الأصل التالد لشجرة الجهاد بحجة كسر عودٍ دخيل عليها, ويغلق باب القتال في سبيل الله عامّة بشبهة سدّ الطريق على غلاته الذين أخذتهم صولته وحماسته ومعمعان لهيبه عن حسن متابعة إمام المجاهدين الذي لا يقبل الله جهادًا إلا ما كان على شرعته وسنته, ولا يدخل أحدٌ من أمته على الله إلا من بابه وحسن التأسّي به, فالقتال في سبيل الله عبادة, وشرطا قبول العبادة الإخلاص والمتابعة, والحماسة مالم تُضبط بالوحي فهي وبال.
 يا قوم: متى كان الناس معيارا للشريعة؟! ومتى كانت حروبنا ضد الخوارج مانعة من قتال الكفرة؟!
الجهاد باق إلى قيام الساعة بنا أو بغيرنا " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" وفريضة الوقت هي إقامته وبيان حدوده وضوابطه وأحكامه لا هدمه وإبطاله.
والخوارج باقون, ومن لف لفهم من البغاة والظلمة وقطاع الطرق ومتصيدة الأخطاء باقون كذلك, والعبرة ليست بديموتهم في ميدان الابتلاء, بل في المصلحين لما انثلم من بناء الجهاد والمجددين لما اندرس من معالمه ونافخو روح الحماسة الإيمانية في صدور أهله, فما تركه قوم إلا ذلوا وأُديل عليهم وأُبدلوا.
وكما يُقاتل الكافر المحارب بأمر الشريعة؛ فكذلك يقاتل الخارجي المارق, فهم شرّ قتلى تحت أديم السماء, فهم مبدّلةٌ متهوّكة غلاة. قال الإمام أحمد رحمه الله: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم في صحيحه وروى البخاري منها ثلاثة أوجه حديث علي وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف, وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم فاقتلوهم; فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة; لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ).
هذا وإن الحرب العوان معهم أو مع من أٌمرنا بحربهم ليست شرًّا محضا وإن احترق بِأتُونها الأبرياء, بل هي كَيرُ امتحانٍ لمعادن الرجال, ومعيار دقيق لصدقهم مع ربهم "الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" وفي حديث صاحب السهم لما خر شهيدًا وقد أصابه السهم في ذات المكان الذي رغبه: "صدق الله فصدقه الله" رواه النسائي بسند صحيح في قصة شريفة.
وروى الإمام أحمد بسند صحيح حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري, ومن تشبه بقوم فهو منهم" ومن فروعه الرباط في سبيل الله, ويكفيه أن أجره مستمر بازدياد وهو في قبره, فعن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل, وأجري عليه رزقه, وأمن من الفتان" رواه مسلم, وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" متفق عليه.
ألا ما أصدق وأعطر آهات الراغبين في الانتظام في سفر الخالدين من الذين أنعم الله عليهم.
لئن قرّب الأبرارُ في العيد أنعُماً ... وَضَحَّوْا لمولاهم بعيراً فَما ليا؟
فيا ربِّ فاقبـلها قرابينَ راحتي ... فئاماً من الكفار أضحتْ بَوَاليا
أيا مبتغي الفردوس عجّل بصارمٍ    ...   وكن صادق الإقبال عند التلاقيا
فإن تحيَ عشت العز في كل لحظةٍ ...  وإن كانت الأخرى ستلقى المراقيا
فأسأل ربّي أن تكونَ منيّتي   ...   بعيداً عن الأوطان للشّرك غازيا
فخذ من دمائي يا سميعاً لدعوتي   ...   فما أطيب الآلام إن كنت راضيا
لئن عَزّ ديني واستبيحت جوارحي    ...   فأين مقام العزّ إلا مقاميا؟
إن الحديث عن الجهاد والنصر والاستشهاد لَيسعدُ النفسَ المؤمنة ويهزّها طربًا وأُنسًا, ومن قرأ القرآن والسنة رأى أن الجهاد بأنواعه محورٌ هامّ يقوم عليه ساق الإيمان بالله وبكريم موعوده. وقد تكلّم العلماء كثيرًا فضائله وبيان منزلته وتفاصيل أحكامه, وذهب جمع إلى أنه أشرف النوافل بإطلاق, ومهما كثر عديد القُربِ فيبقى منها لذروة السنام ذروة السنام!
ومن أمثل ما رأت عيني صحائف خطتها يراعة ابن القيم رحمه في زاد المعاد في كلامه عما بعد الهجرة وتدرج الشريعة في فريضة الجهاد, ويكأنما يصهل بها في محتدم الطعان ويهتف بها لمن رام نعيم الجنان.
 قال الإمام ابن القيم في الزاد (63-80) - بتصرف واختصار -:
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة, واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) [ الحج : 39 ] .
ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) [ البقرة : 190 ] .
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرما، ثم مأذونا به، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان: والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [ التوبة : 41 ] وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ) [ الصف : 10 ] وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب، فقال: ( وأخرى تحبونها ) [ الصف : 13 ] أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد، وهي: ( نصر من الله وفتح قريب ) وأخبر سبحانه أنه: ( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم.
فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع، ما أعظم خطره وأجله، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمن جنات النعيم والفوز برضاه، والتمتع برؤيته هناك. والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر. وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له   ...   فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد: ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) [ المائدة : 54 ].
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حُرقَة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ] فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، وقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) [ المائدة : 54 ] فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, فسلموا ما وقع عليه العقد فإن ( الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.
وتأمل قصة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم وفاه الثمن وزاده، ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد، فذكّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره ( أن الله أحياه ، وكلمه كفاحا ، وقال : يا عبدي تَمَنَّ عليَّ ) فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة، وأعطى الثمن، ووفق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه.
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد     حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم     إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن     نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد     ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهم زادا إليهم وسر على     طريق الهدى والحب تصبح واصلا
وأحي بذكراهم سُرَاكَ إذا دنت     ركابك فالذكرى تعيدك عاملا
وإما تخافن الكلال فقل لها     أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا
وخذ قبسا من نورهم ثم سر به     فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحي على وادي الأراك فقل به     عساك تراهم ثم إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمان عندي معرف الـ     أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن     تفت فمنى يا ويح من كان غافلا
وحي على جنات عدن فإنها     منازلك الأولى بها كنت نازلا
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا     وقفت على الأطلال تبكي المنازلا
وحي على يوم المزيد بجنة الـ     خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا
فدعها رسوما دارسات فما بها     مقيل وجاوزها فليست منازلا
رسوما عفت ينتابها الخلق كم بها     قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخذ يمنة عنها على المنهج الذي     عليه سرى وفد الأحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة     فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي     ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية, وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل ).
وقال: ( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة ).
وقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ( أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة )
وقال: ( من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة، وجبت له الجنة ). وقال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
وقال لأبي سعيد: ( من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة ) فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ).
وقال: ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) وقال: ( لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل واحد، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد ).
وقال: ( مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في أهله ستين سنة، أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة؟ جاهدوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ وجبت له الجنة ).
وقال لرجل حرس المسلمين ليلة في سفرهم من أولها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة: ( قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها ) وقال: ( من بلغ بسهم في سبيل الله ، فله درجة في الجنة ).
وقال: ( إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والممد به، والرامي به. وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وكل شيء يلهو به الرجل فباطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه، فنعمة كفرها) رواه أحمد وأهل السنن وعند ابن ماجه ( من تعلم الرمي ثم تركه ، فقد عصاني ) وقال: ( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق ) وذكر أبو داود عنه: ( من لم يغز، أو يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة ).
وقال: ( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم )
وقال تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [ البقرة : 195 ] ، وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد، وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ).
وصح عنه : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله ) وصح عنه : ( أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا ، فلا أجر له ) وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: ( إن قاتلت صابرا محتسبا، بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا، بعثك الله مرائيا مكاثرا، يا عبد الله بن عمرو على أي وجه قاتلت أو قتلت، بعثك الله على تلك الحال ).
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام نسألك الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين, ومخلصين غير مخلطين, ومستنّين غير مبدلين, إله الحق آمين, وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إبراهيم الدميجي
1/ شعبان/ 1435

الجمعة، 23 مايو 2014

سعد الحضبي: قد أتعبت من بعدك!

سعد الحضبي: قد أتعبت من بعدك!
   الحمد لله على كل حال, وبعد: فالخير من معدنه لا يستغرب, والسمو من أهله لا يُستنكر, ومعدن الحلم الوافر لا يظهره سوى جسام الخطوب, ولا يُعرف الحليم إلا عند الغضب, والبلايا تفحص معادن الرجال فيصفو الذهب الإبريز ويضمحل الزيف والكدر. والله تعالى قد خلقنا ليبتلينا في هذه الدار "يا قوم إنما هذه الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار" وقال سبحانه: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم"
   وقد كانت العرب تضرب المثل بحلم الأحنف بن قيس وعظيم عفوه فقالوا: أحلمُ من الأحنف. قلت: قرأنا في الكتب وسمعناها من الرواة ولكننا اليوم نراها عيانًا من سيدٍ كريم وحرٍّ نبيل, ذاكم هو الشيخ سعد بن سلطان الحضبي السبيعي وفقه الله وجبر مصابه وغفر لابنه.
   قيل للأحنف: ممَّن تعلمتَ الحِلم؟ قال: مِن قيس بن عاصم المنقري، رأيتُه قاعدًا بفناء داره، محتبيًا بحمائل سيفِه، يُحدِّث قومه، حتى أُتي برجل مكتوف، ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قَتَل ابنَك، فوالله ما حلَّ حُبوتَه، ولا قطع كلامه، ثم التفتَ إلى ابن أخيه، وقال: يا ابنَ أخي، أسأتَ إلى رَحِمك، ورميتَ نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمِّك، ثم قال لابنٍ له آخر: قُمْ يا بني، فحلَّ كتاف ابن عمِّك، ووارِ أخاك. وقد صار للأحنف عينُ ما رواه عن ابن عمه, فعفا عن ابن أخيه فورًا.
   لقد رفعت العرب قيسًا بهذا الحلم الشامخ, والعفو العظيم, وبهذه الطريقة التي لا يطيقها سوى سميذع عظيم فلما مات قيس رثوه بقولهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
فما كان قيس هُلْكهُ هُلْكُ واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
   أن حروف المجد لا تكتب بالكلام بل بالأفعال, والرجال مّوّاقفٌ والبلايا شواهد, وقد وهب الله سعد الحضبي سعة العقل ورحابة الصدر الذي تجاوز طباق الدنيا لموعود الله ولقائه, وعظيم اليقين بأن الآخرة خير وأبقى, وبحسن الظن برحمة من هو أرحم بولده من والديه, وبمن لا يأتي الخير إلا من يديه. فتجرّع مرارات فقد الحبيب فهو أبٌ للجميع ويعلم أن مصاب أخيه لا يقل عن مصابه, جمعت قلبيهما المصيبة, ووحّد روحيهما الرضى بمرّ القضاء. 
   أتاه البارحة الخبر الصاعق بقتل ابنه على يد ابن أخيه, فذهب من فوره للشرطة وتنازل عن القاتل – تاب الله عليه وغفر له - قائلًا : كلهم أبنائي. ثم زاد عظمة وحكمة وعقلًا حينما عزّى أخيه في مقتل ابنه. لله درك يا سعد. لقد أتبعت من بعدك!
   ألا ما أسمى العفوَ وأجملَهُ, وأحسنَ الصفحَ وأرفعه. جزاك الله عفوًا بعفوك, وأجرًا بصبرك, وجنة ورضوانًا بإيمانك وحسن خلقك. واشكر ربك على أن فضّلك بهذه اللطيفة الربانية, فأكثر خلق الله لا يستطيعونها وإن تمنّوها وراموها, فالناس تعفوا وتصفح ولكن بعد برودة غيظهم وهدوء نفوسهم, أما مع شدته واحتدامه فتلك منزلة العظماء, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
   أدعياء المثالية كثيرون, لكن المواقف الشديدة هي من تمتحن صدق الدعاوى ومقدار القيم, وعلى قدر ثبات المبدأ ورسوخ الخُلُق أمام رياح المصائب القاسية يكون علوّ الخُلق ونصاعة الحلم وطهارة القلب وبياض الوجه.
    قد علم سعد أن ابنه وابن أخيه رئتان في صدر ويدان في جسد, ولكنه حتم القضاء والقدر وسبق الكتاب والقلم, لا مفر منه ولا مهرب عنه "كان ذلك في الكتاب مسطورًا" وكل حيّ ميت وابن ميت.
   ليهنأ أهل العفو منشور السعادة مسطورًا في كتاب الله فقال سبحانه: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين . الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" وقال سبحانه: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"
    وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: "من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يُخيَّر من أي الحور العين شاء" رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني.
   ولنتأمّلْ قول رب العالمين: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" ففي هذا غاية الإغراء والترغيب, فقد أطلق الأجر بلا تحديد مقداره, فما ظنّك بأجرٍ تكفّل به الكريم الغني الوهاب؟!
   أخي سعد وأخي عليّ: أحسن الله عزاءكما وعزاءنا جميعًا, وعظّم أجركما وعوضكما عن فهد الصبر والأجر, وعوض فهدًا عنكم الرضى والجنة.
   اللهم ارحم عبدك فهد واغفر له ووسّع مدخله وأعلِ نزله واجمعه بوالديه وأهله وأحبابه في جنات النعيم, وإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله على كل حال.
إني أعزيك لا أني على ثقة   ...   أني بباقٍ ولكن شرعة الدينِ
فلا المُعزِّي بباقٍ بعد تعزية   ...   ولا المُعَزَّى وإن عاشا إلى حينِ
ومضة: مما جادت به قريحة فقيدنا الراحل فهد في ابتهاله وضراعته للرحيم الرحمن وفيها عزاء لأحبابه:
أنا في رجا اللي ما بعد خاب من يرجيه
 يحل الفرج في ساعة الضيق والشدة
لك الحمد يا ربي على ما تاخذ وتعطيه
 تهوّنها وتفرجها على منهو وصل حدّه
ألا يا الله وانا عبدك ولا يخفاك ما أخفيه
واشيل من الذنوب اللي تزيح طويق وتهدّه
له أستغفره واتوب والرحمة منه واليه
مصير العمر يفنى يا بشر لو طالت المدة
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@hotmail.com

24/ رجب/ 1435

قبسات من الحنيف العفيف (2/2)

قبسات من الحنيف العفيف (2/2)

الحمد لله وبعد: فلا زلنا نقتبس من ضياء سورة الكريم ابن الكريم عليهما السلام..
   التفات بديع إذ قال: "ورفع أبويه على العرش".. ثم التفت بخطابه "رب قد آتيتني من الملك"  وقبل المُلْكِ ابتدأ يوسف عزيزًا  "اجعلني على خزائن الأرض" أي وزيرًا للمال وتصريفه وتدبير المعايش, وقد يكون الحال قد انتهى به لملك مصر, بدليل تحدثه بنعمة الله عليه بإيتائه الملك, والعرب لا تطلق الملك على الوزارة, كذلك رفع أبويه على العرش, والعرب لا تطلق العرش إلا على سرير الملك. وهذا ظاهر القرآن.
   "وخروا له سجّدا" ظاهره أن يعقوب سجد معهم لابنه على سبيل التحية. فهذا نبيّ قد سجد لغير الله إذ كانت مباحة حينها, والملائكة سجدت لآدم بأمر الله, ولكن في زمان الأمّة الخاتمة انتقل السجود من كونه تحية فصار عبادة محضة, صرفُها لغير الله شرك وتنديد, فمنعُها ليس من باب سدّ الذريعة للتعظيم, بل لأنها قد صارت هيكل التعظيم نفسه, كما في آية الحجر: "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" وما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". وهذا من محاسن هذا الدين القويم, ومن منن المنان الكريم على هذه الأمة المرحومة, فكم في السجود من متع أرواح تسافر خلاله لفردوس الدنيا بالأنس بمعبودها ومألوهها, وأمان لها من مزعجات الزمان, فلله الحمد كما ينبغي له.
   "وقد أحسن بي" تحدثًا بنعم الله فهو النبي الشكور, وتأمل التعدية بالباء الملاصقةفهي هنا أبلغ من إليّ.
   "وعلمتني من تأويل الأحاديث" فيه شرف علم التعبير, فقد شكر هذا النبي الكريم ربه وحمده عليه في معرض ذلك الثناء البليغ العظيم. ومن طرق تحصيله وتحصيل الفراسة تحقيق التوحيد فقد علل تعبيره الرؤى بتحقيقه التوحيد إذ قال للفتيان في السجن: "ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله"
   "توفني مسلمًا" فقلوب الصديقين معلّقة بالخواتيم.
   "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"  فيه التحذير البليغ لمعاشر الموحدين الحنفاء, فحتى وإن كان الدخول أوليًّا للمشركين شركًا أكبر؛ فهذا لا يمنع أن تتناول بعض أهل التوحيد الذين لوّثوا نزاهته بشركيّات لم تخرجهم منه لكنّها أغضت من رونقه وبهائه وأظلمت من نوره وإشراقه وأنزلت من علوّه وسموه, وذلك الشرك الأصغر كيسير الرياء, والحلف بغير الله, وقول ما شاء الله وشئت, ولولا الله وفلان ونحو ذلك, وليت شعري كم سيكون وزن خطيئة التشريك في الميزان يوم العرض الأكبر؟! وقد كان من هدي الصحابة أنهم يستشهدون بنصوص الشرك على الأمرين.
   "وسبحان الله وما أنا من المشركين" خطيئة الشرك من أعظم المسبة لله تعالى, لذلك ذكر بمعيّته التسبيح وهو المبالغة في التنزيه والتقديس, ومن ذلك ما رواه أبو داود بسند حسن أن الأعرابي لما قال: نستشفع بالله عليك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبّح وكرر التسبيح, لأن جناب التعظيم لله قد مُسَّ, فناسب أن يسبح الله تعالى. وتعظيم الله تعالى هو ركيزة الإيمان ومعقد الديانة, لذلك كان من أعظم الأسماء الحسنى (العظيم). وقد تكرر هذا الاسم الشريف في القرآن بضعًا وثلاثين مرة, كذلك في الأدعية النبوية, ومنها دعاء الكرب. والعظمة إزار الجبّار جل جلاله وتقدّست صفاته وأسماؤه, كما في الحديث الرباني في الصحيح.
   "حتى إذا استيئس الرسل" ذكرها في سورة الفرج بعد الكرب, فمَن هذا المتفائل الذي يتصوّر أن يوسف بعد الجب والرقّ والسجن سينتهي به الحال للحرية والوزارة والملك, وأعظمها النبوة, يا لَهذا الفرج الرباني والنعم السابغة!
   كذا تفريج همومِ وكشف غمومِ يعقوب عليه السلام برجوع فلذات كبده, وتأكيده على علمه بالله تعالى في موضعين:
   الأول حينما عوتب ولِيمَ على بكائه تلك السنين على يوسف فأخبرهم أنّه يعلم من الله مالا يعلمون, أي من صفات كماله ورحمته وفَرَجه حتى كأنه يرى المستقبل عيانًا, فبصيرته قد عبرت بإيمانه ما لم يبلغه غيره, إنها النبوّة يا صاح.
   فالأنبياء هم أعظم الناس تحقيقًا لدرجة الإحسان, وتكميل مراتب الإيمان, وهم من عبدوا الله كأنهم يرونه حقًّا.
    ثم قالها مرّةً اخرى لما ارتدّ بصره إليه, وذكّرهم بسالف قوله الصابر الراضي الهادئ في تيك الليالي القاسية, وقت ثقل المصيبة التي تنوء بها الرواسي. فهل أعظم من فقد ابن سيكون نبيّ؟! "وأعلم من الله ما لا تعلمون" ألم تر أن ربه قد قلّدهُ مديحة: "وإنه لذو علم لما علّمناه"
هذا وقد ترددّ كثيرًا في السورة ذكر العلم, والمراد العلم بالله وبدينه, كذلك العلم بعاقبة الأمور, وهو من فروع حسن الظن بالله تعالى.
  "فنجّي من نشاء" مناسبة لثناء يوسف: "إن ربي لطيف لما يشاء" فما ثمّ إلا محض رحمة الله وفضله أو الهلكة والشقوة.
  "ولكن تصديق الذي بين يديه" لما بشرت الكتب والرسل السابقة بالقرآن كان نزوله عينُ تصديقها, فنزوله هو تأويل بشاراتهم, وكما قال يوسف لما خرّوا له سجدا: "هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقّا" فكذلك إنزال القران على محمد صلى الله عليه وسلم هو حقيقةُ تصديقِ البشارات السابقة وإثبات صدقها.
   ومضة: كم في هذا البيت من سلوى وراحةٍ وقوتٍ لمن استطال الطريق:
إذا طاب منك الودُّ يا غاية المنى   ...   فكل الذي فوق التراب ترابُ

إبراهيم الدميجي
صحيفة الاقتصادية
24/رجب/1435
aldumaiji@gmail.com