إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 17 أغسطس 2014

براءة إلى الله من داعش وموبقاتها

براءة إلى الله من داعش وموبقاتها
الحمد لله وبعد: يقول أحد الدعاة من ذوي المشاركة في الحوارات مع المخالفين من أهل القبلة وغيرهم: لاحظت أن ظاهرة داعش أصبحت مشجبًا للتنفير من منهج سيد المرسلين وصحابته المرضيين وقفلًا مرتجًا دون وصول الرسالة السامية الصافية لقلوب أولئك، فالنصارى يصرخون بنا: هذا القتل للأبرياء هو دين محمد الذي تدعوننا إليه، فليس بنا إليه حاجة، وقد وجدت منظمات التنصير وجبة إعلامية كاملة الدسم من جرائم تلك الفئة المارقة. أما المبتدعة من غلاة المتشيعة والمتصوفة والمتكلمة وغير الغلاة بل والليبرالية فيرفعون عقائرهم بأن داعش فرع عن السلفية (ويزيدون الوهابية) وهذا دليل على أن السلفية منهج باطل يلبّس على الناس ويقتلهم بغير حق، وأن السلفية منهج غالٍ منحرف وهكذا يسحبون عوار داعش المجرمة للسلفية الرفيقة الرحيمة، ولن أعجب حين أرى بعض القراء الكرام يصعّرون خدودهم استهجانًا لوصفي السلفية بالرفق واللطف فهذا من غربة الزمان، وكم ظلمت السلفية من منتسبة لها زورًا، فكل ما خالف الكتاب والسنة فأهل السنة منه برآء وإن زعم الفاجر خلاف ذلك, فالعبرة بالحقائق لا الشعارات (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)
داعش - وما أدراك! - هي فصيل مختلط من ثلاث فئات:
الأولى: ضباط مخابرات من رافضة وأهل كتاب ومهمتهم قيادة التنظيم ووضع الاستراتيجية (غير المعلنة) ومن مهامها تأمين الدعم المالي واللوجستي، وصناعة قادة الصف الثاني (القيادة التكتيكية المحدودة) باختراق أو بعمالة، وبينهم تنسيق بسبب تقاطع مصالحهم وإن لم يتفقوا، فوحدة الهدف جمعتهم وهذا الهدف هو ضرب أهل السنة في معتقدهم وهويتهم ووحدتهم، وإشغالهم عن الإثخان في عدوهم، وإن شئت برهان ذلك فتأمل المستفيد من ضربات داعش ودعايتها بالنظر لأماكن العمليات وأوقاتها سواء في سوريا أو العراق أو لبنان أو مصر أو الخليج أو غيرها وقريبا سترونهن في غزة آن غفل حماتها عنهم، بل وفي أوروبا وأمريكا إن احتاجت تلك الدول لمبرر ما!
 ومن أهداف أولئك إشهار بشاعة أفعال داعش بشكل قُصِد منه نحت مضامين مروّعة في الخلفية الذهنية للمتلقي هنا وهناك.
وطريقة دفع هذه الفئة هي أن نكافحهم بنفس سلاحهم الماضي, فيجب أن تنبري مخابراتنا لاختراق هذا التنظيم وإعادة صياغته أسوة بغيرنا، فسلاح التجنيد والاختراق هو من أمضى الأسلحة في الميدان وما قبله وما بعده.
 الثانية: خوارج على مذهب الأزارقة وأشباههم من أفراخ ذي الخويصرة الذين يكفرون بالكبائر, ويظنّون أن من أجل القربات استباحة الدماء المعصومة والأموال المصونة لا على شيء إلا أنهم ليسوا من فئتهم, فيقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.
 وهذه الفئة ليست قليلة العدد للأسف وخطرها شديد جدًّا من جهة شدة ضلال مذهبهم ودمويته (وقد صح حديث رسول الله في تضليلهم ووعيدهم من عشرة أوجه بعضها في الصحيحين، وهم شر الخلق والخليقة، وقد توعدهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لئن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد، وكذلك من جهة صدقهم وحماستهم الذاتية في ترويجه والدفاع عنه (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك ليهم حسرات آن عليم بما يصنعون)
وطريقة مدافعة هؤلاء بسلاحين هما اللسان والسنان، فباللسان تدفع شبههم وتهتك ستور مآلات مقالاتهم وتقام عليهم حجة القرآن، إضافة لجهادهم بالسلاح والقتال, ولنا في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أسوة في الأمرين, فقد أذن أولًا لابن عباس رضي الله عنهما أن يناظرهم ويكشف زيفهم, ثم قاتلهم بنفسه وبمن معه في النهروان, وفي الصحيحين: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد). وقد سجد لله شكرًا حين واتاه تحقيق البشرى السابقة بقتل ذي الثدية. فخطر هذه الفئة المارقة يكمن في تبديلهم حدود الدين سواء في النظر العلمي أو التطبيق العملي.
الفئة الثالثة: شبيبة ذوو غيرة وحماسة وحب للقتال في سبيل الله مع جهل مطبق بمناطات الأحكام ومدارك الشرع، وسوء نظر لعواقب الأمور, فساقهم الغضب مما يرونه من تقصير أو مظالم إلى ركوب أعظم المفسدتين, وأُتوا أكثر ما أُتوا من إساءة تطبيقات الولاء والبراء والردة ودار الحرب ونحوها فهم لم يلتزموا مذهب الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة ابتداءً لكنهم قلبوا قضية الواسع والمضيّق، فحجّروا الواسع مما تكلم فيه الأئمة الأعلام من شروط وأحوال أحكام الردة والكفر وإقامة الحجة وكفر الوصف ودرء الشبهة والحد ونحو ذلك مما يلزم التريث الطويل فيه والصدور عنه ببصيرة تامة لا مغبشة معتمة, وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى عن مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده؛ فليس مني ولست منه)
وفي المقابل فإنهم يوسّعون ما ضيّقه الشرع كتشديده في الدماء والأعراض والأموال, فحينما تدرأ الشريعة الحد بالشبهة نراهم يستحلونه بها (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)
والجدير ذكره أن هذه الفئة الساذجة هي حطب داعش ووقودها الأعظم، وكم من مريد للخير لم يبلغه (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)
 وفرض الوقت تجاه هذه الفئة البائسة أربعة أمور سابقان ولاحقان: فالسابقان: تحصين أفكار الناشئة والشباب ضد الغلو الفكري والانحراف المنهجي, وتلك مهمة منابر الدعوة ومحاضن والتربية ومراكز الإعلام. والثاني: تحصين نفوسهم بنشر العدالة والوضوح والرفق تطبيقًا عمليًّا لا ادعاء وتنظيرًا، وذلك حتى نمنع طفيليات الحقد وجراثيم المقت من النمو والتكاثر في خلايا جسدنا الواحد.
والأخران اللاحقان هما: مدافعتهم برفع بلائهم وشرهم باللسان فإن أبوا الفيئة فبالحرب والسنان (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فبغيهم وظلمهم وتعديهم واضح للعيان، كفاهم الله شر نفوسهم وكفى الأمة شرهم.
أخيرًا إن كان ثمّة خير في هذه النازلة فهي نفخ روح اليقظة لدى أهل العلم والدعوة والتربية والإعلام للقيام بما يجب عليهم حيالها, فقد انتهى وقت التردد لمن كان مشتبهًا في أمرهم, فحتى وإن قيل ببعض الأكاذيب الدعائية ضدهم _ وهي ليست بقليلة _ فما لم يُقل أكثر, فالبكور البكور قبل قرع سن الندم ولا لات حين السلامة!
ومضة: هناك علاقة طردية بين علم وعقل المرء وبين احتماله لخلاف الناس وحمل الأعذار لهم, فالعلم يوسّع التسامح المنضبط في الدين, والعقل يوسّعه في الدنيا.
إبراهيم الدميجي
18/ 10/ 1435



الخميس، 31 يوليو 2014

الوسطية دين المسلمين

الوسطية دين المسلمين
الحمد لله وبعد: قال الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ أي عدولاً خياراً, لأنهم الشهداء على الأمم, بل هم شهداء نوح عليه السلام حينما يكذّبه غدًا قومُه بنفيهم تبليغه رسالة ربه, ورسولهم صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم. فهم موصوفون بالوسط بمعنى الخيار العدول, فكذلك نهجهم بين الغلاة والجفاة, فهم في موضوع الربوبية وسط بين الملاحدة النفاة, وبين الحلولية والاتحادية, وفي الأنبياء بين مكذبيهم ومؤلهيهم, هكذا اضطرد منهجهم في العقيدة والأحكام والتعاملات, والأخلاق والسلوك, فإذا رأيت طرفي نقيض فثَمّ حق في الوسط, يمثّله أهله من صادقي الاتّباع.
قال تقي الدين رحمه الله في رسالته الجامعة المانعة (الواسطية) واصفاً منهج أهل السنة والجماعة: «هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم, فهم الوسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة, وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية, وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم, وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج».
فردود الأفعال غالبًا لا تتّسم بالانضباط والموضوعية, بل يسوقها الانفعال ويقودها الغضب, فلا تتوقف في رد ما تراه باطلاً عند منطقة الحقّ, بل تتجاوزها إلى الطرف الآخر المخالف, وكلا طرفي قصد الأمور ذميم, وعلى سبيل المثال لما خرجت الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) قابلتهم الوعدية (المرجئة), وكذا الجبرية ضد القدرية (النفاة), والتعطيل في مقابل التمثيل, والنصب مقابل الرفض, والغلو (المعاصر) في التكفير مقابل الإرجاء (المعاصر), والافتئات ضد السلطان مقابل التهالك عليه.. وهكذا.
هذا وإن أول نزاع في الإسلام كان قد وقع في مسألة الوعد والوعيد. وقد اشتمل الوحي بشقيه القرآن الكريم والسنة النبوية, على نصوص الوعد والوعيد, وأهل التوفيق والسعادة هم أهل السنة والجماعة الذين أعملوها جميعاً ولم يكذبوا بشيء منها, (كلٌّ من عند ربنا).
ومن تطبيقاتهم العملية لهذا المنهج السلفي المستقيم لتحقيق الوسطية والخيرية حديث الإمام الزهري رحمه الله؛ فقد حدّث الزهري بحديث الرجل الذي أوصى بنيه بأن يحرقوه بالنار بعد موته ويذرّوا رماده.. الحديث متفق علي صحته, ثم أردفه بحديث المرأة التي دخلت النار في هرة.. الذي رواه مسلم, ثم قال رحمه الله مبيناً سبب روايته للحديثين في مجلس واحد: «لئلا يتكل رجل, ولا ييأس رجل». قال الإمام النووي رحمه الله معلقاً: معناه؛ لمّا ذكر الحديث الأول, وما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء, فضمّ إليه حديث الهرّة الذي فيه من التخويف ضد ذلك؛ ليجتمع الخوف والرجاء.. وهكذا معظم آيات القرآن العزيز يجتمع فيها الخوف والرجاء.
هذا وإن ومن أشد ما جوبهت به الدعوة السلفية رميها بالتكفير بإطلاق, من قبل المرجئة أو ممن تأثر بهم, والمتتبع لتدوينات كثير من منتسبة السنة يفزع لرواج هذه الشبهة عليهم, وهذا من غربة العلم الأصيل والله المستعان, قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:
ونبرأ من دين الخوارج إذ غلوا     بتكفيرهم بالذنب كل موحد
وظنوه ديناً من سفاهة رأيهم       وتشديدهم في الدين أي تشدد
ومن كل دين خالف الحق والهدى    وليس على نهج النبي محمد
وحينما قيل للشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله: إنكم تكفرون الناس بالمعاصي, قال: «ليس هذا من قولنا بل هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب, ولم نكفر أحداً بعمل المعاصي, بل نكفر من فعل المكفرات كالشرك بالله أن يعبد معه غيره...»
 فباب التكفير غليظ, كما أن باب الإرجاء سرب مهلك, فالمكفرات محددة في الشرع, ولها ضوابط وشروط وموانع, فلا نتوقف عن تكفير من قام كفره وبلغته الحجة الرسالية, كما لا نتخوض التكفير بلا ضابط ولا علم, وكل ذلك بدلائل الشريعة لا بالهوى والتعصب.
ملاك القول: أن كل عمل فلشيطان منه حظان لا يبالي بأيهما فاز, إما تخذيل عن طاعة فيقع العبد في التقصير, أو تنطع فيها فيركب قلائص الغلو. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
ومضة: ‏أحيانًا نظن أننا ننصر قضية ما ونعلي شأنها، بينما نحن في الحقيقة نظلمها ونحط منها! وذلك بعرضها بشكل ضعيف مع تسطيح الردود على ما يورد عليها.
إبراهيم الدميجي
6/ 10/ 1435
aldumaiji@gmail.com

الاثنين، 28 يوليو 2014

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

الحمد لله وبعد: فتوحيد رب العالمين, وإله السماوات ولأرضين, هو تحقيق للشهادتين, وهو أعظم التكاليف بإطلاق, كما قيل: أمرٌ هذا شأنه؛ حقيق أن تُثنى عليه الخناصر, ويُعضّ عليه بالنواجذ, ويقبض فيه على الجمر, ولا يؤخذ بأطراف الأنامل, ولا يؤخذ على فضلة, بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يُطلب على الفضلة. ومن لطف الله ورحمته أن جعل حروف لا إله إلا الله كلها لسانية ليس منها حرف شفهي, كي يسهل نطقها على المحتضر, «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أبو داود وعند الشيخين مرفوعاً: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
والتوحيد هو حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه, قال الإمام المجدد في الأصول الثلاثة: «...وهذا دينه, لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلّا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه؛ التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذرها منه؛ الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه».
وكلمة التوحيد قامت بها السماوات والأرض, وخُلق من أجلها الخلق, ونصبت من أجلها الموازين, وقام لأجلها سوق الجنة والنار, وأسست بها الملة, وجردت لأجلها سيوف الملة.
قال الشيخ حمد بن عتيق في إبطال التنديد: «توحيد الألوهية أول واجب على المكلف, وقد أفصح القرآن فيه كل الإفصاح, وأبدى فيه وأعاد, وضرب لذلك الأمثال, وفيه وقعت الخصومة بين الرسل وأتباعهم» وبوّب الإمام المجدد في كتاب التوحيد (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب) وفي حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على ذلك الباب: «تحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد, وتحقيقه من وجهين؛ واجب ومندوب؛ فالواجب تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي, فالشرك ينافيه بالكلية, والبدع تنافي كماله الواجب, والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه. والمندوب هو تحقيق المقربين الذين تركوا مالا بأس فيه حذراً مما فيه بأس, وحقيقته انجذاب الروح إلى الله فلا يكون في قلبه شيء لغيره».
وتأمل كيف كان التهليل – وهو شعار التوحيد - من أعظم مكفرات الذنوب, قال شيخ الإسلام: «التهليل يمحو أصول الشرك, والاستغفار يمحو فروعه».
والدعوة إلى التوحيد هي مهمة المرسلين وأتباعهم, ومن أجلها حصل الافتراق العظيم بين الرسل وأقوامهم المكذبين. قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» رواه مسلم. وقال لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق على صحته.
وشريعة الإسلام شديدة في التوحيد, سمحة في الأحكام, كما جمعهما حديث: «بعثت بالحنيفية السمحة» رواه أحمد. (حنيفية) أي: في العقيدة ففيها التشديد, فقد قال للذي قال: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً» رواه أحمد والنسائي. (السمحة) أي في التشريع «صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً...» رواه البخاري.
وفي الدعوة إلى التوحيد قال الحسن البصري بعدما قرأ هذه الآية: «هذا حبيب الله, هذا ولي الله, هذا صفوة الله, هذا خيرة الله, هذا أحب أهل الأرض إلى الله, أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب فيه من دعوته, وعمل صالحاً في إجابته». رواه عبد الرزاق عن معمر.
ولمّا اتهم بعض الناس إمام الدعوة بأنه طالب دنيا أجابهم بكتاب وضح فيه التوحيد وضده, ثم قال: ولو كنتم تعلمون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنت أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم, ولكنكم قوم لا تعقلون!
وشرطا الدعوة؛ الإخلاص والمتابعة. وصفات الداعي؛ الفقه؛ ليعلّم على بصيرة, والرفق؛ وهو أقرب الطرق لنيل المقصود, والحلم؛ للصبر على الأذى في طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء. وشرط التمكين للأمة إنما هو التوحيد ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا)
وضده الشرك, وهو أظلم الظلم, وأقبح الذنوب ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾
واعلم أن تهوين شأن الشرك الأكبر في غاية الخطورة, فلو أن رجلاً يقوم الليل, ويصوم النهار, ويحج كل عام, ويعتمر كل شهر, ويتصدق بكل ماله, ويجتهد في أعمال البر, ثم وقع في شرك أكبر؛ كدعاء الموتى, والاستغاثة بهم, ونحو ذلك, وقد قامت عليه الحجة الرسالية, فعمله حابط, وجهده خائب, وسعيه مردود, عياذاً بالله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾ فالشرك الأكبر إذا طرأ على الإيمان فإنّه ينقضه بتمامه, كما الحدث في الطهارة يبطلها.
 وليس العمل بنافع مالم يسلم من نواقضه, وأعظمها الردة عن دين الله, لذلك لمّا احتج بعضهم على شيخ الإسلام إبّان دخول التتر الشام بأن التتر مسلمون ويشهدون شهادة التوحيد! رد عليهم الشيخ بأنهم نقضوا ذلك, وقال: إن رأيتموني في ذلك الجانب ــ أي صف التتار ــ وعلى رأسي مصحف منشور فاقتلوني.
 فمسألة البراءة من المشركين عظيمة الخطر, جليلة القدر, عزيزة المطلب, وأعظم الناصحين للأمة هم من يغرسون أصول التوحيد وتوابعه فيها, ويهدمون الشرك وفروعه, ويحاربونه بالحجة والبيان والسيف والسنان, فإذا استقام توحيد الأمة انتظمت لها بقية الأمور, وساغ الخلاف والاجتهاد فيما دونه مما يعذر فيه المقلدون. لذلك لما أشار بعض تلاميذ شيخ الإسلام عليه أن يصنّف في الفقه ــ أي العمليّات ــ فيما نقله البزار, أجاب بأن أحكام الفقه أمرها قريب, وإذا قلد المرء أحد الأئمة فيه فلا حرج عليه, ولكني رأيت أصول الدين قد تنازعها الناس.
فعلى الناصح الحازم أن يعتصم بالعروة الوثقى والحبل المتين, وأن يوقن أنه لا يستقل عن توفيق ربه طرفة عين, فلو وكله الله إلى نفسه ضاع وهلك, والتوحيد أشد الأشياء نزاهة وحساسية, فأقل شوب يجرحه ويشوه صفاءه, وهو ضياء ونور في القلب, يشع على النفس طمأنينة وعلى المستقبل أمنًا وفلاحًا.
ومضة: قال واعظ الإسلام عبد الرحمن بن الجوزي: «وحّد زيد بن عمرو وما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكفر ابن أُبيّ وقد صلّى القبلتين! فيا من هو من عسكر الرسول! أيحسن منك كل يوم هزيمة؟!
 ومن أراد من العمّال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه, فيا أقدام الصبر احملي فقد بقي القليل, ويا أيها الراكب قد علمت أين المنزل فاحد لها تسر».
إبراهيم الدميجي


الأربعاء، 16 يوليو 2014

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
الحمد لله وبعد: فالأنعام سورة عظيمة من القرآن العظيم, وجُلُّها في ترسيخ المعتقد الحنيف وبيان صفات الجليل الجميل سبحانه, وقد اشتملت من القوارع والزواجر ما فيه كفاية للمؤمنين, روى الطبراني رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة واحدة, حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح" حسّنه ابن حجر. ومن قرأ صدرها بتدبر لم يملك قلبه إلا أن يخفق رَهَبًا وإجلالًا ومحبة ورجاءً لله رب العالمين.
وقد بين الله في هذه السورة الجامعة سنة كونية جعلها ناموسًا للبشرية بعامّة, وهي تكشف البُعد القِيَمي لفضيلة الشكر مع توضيح عاقبة ضده من المحق والسحق بعد الإمهال والاستدراج,  وأن الرزايا الدنيوية هي في حقيقتِها تنبيهات للمؤمن كي يقشع عن قلبه غبار المعصية وقَتَرَ الخطيئة ويرجع لطمأنينة الطاعة وسكينة الإيمان, قال تبارك وتعالى:  (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) كم نحن بحاجة ملحة لمثل هذه الجرعات الإيمانية التي تحقن في قلب المؤمن حب التوبة وعدم الركون للزائلة والاعتبار بمن غبر والاعتصام بالله تعالى والضراعة إليه والانكسار بين يديه. فما أقرب العبد من رحمة ربه إذا ألقى لربه مقاليد أموره وتبرأ من الحول والطول إلا به وابتهل إليه ابتهال المضطر الملهوف, واعترف بذنبه وخضع وخشع.
البأساء هي الفقر وضيق العيش, أما الضراء فهي الأسقام والآلام, والتضرع هو الدعاء الملحّ مع الافتقار والانكسار, وتلك المحن عتاب لطيف لتثوب الأمم لربها عن معصيته, فابتلاهم بالشدة ليضرعوا إليه فلما لم يفعلوا ابتلاهم بالنعم, وهذا من المكر بهم, وهذا الاعتبار للفرد وللجماعة, ثم قال الله تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) وهنا إغراء وتوبيخ, أي فهلّا إذ ابتليناهم وامتحنّاهم بذلك عادوا إلينا بالتوبة والندم والاعتراف؟! ولكن الحاصل أنّهم أصروا على تنكّب محجّة التوابين وبدلًا من توبتهم ازدادوا جرمًا وكفرًا فعوقبوا بالرّان والقسوة على قلوبهم, وأبعد القلوب عن الله هو القلب القاسي, ومن لم تلينه مواعظ القرآن وتغير الأحوال فلينتظر المليّن الأعظم بنار تلظّى, عياذًا بوجه الله تعالى.
وإن من أشد العقوبات على الذنب أن يُبتلى المذنب بذنب آخر فتجتمع عليه حتى تقسّي قلبه وتوبق مثواه! ويزيّن الشيطان عملَه السيّء حتى إذا وافاه غدًا وحقّت الحقائق وذابت الشهوات وانقشعت غيوم الغفلات تبرأ منه!
ثم قال الله تعالى: (فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) أي فلمّا تركوا الحق خلفهم وأعرضوا ابتلوا بفتح الدنيا ولذتها الزائفة ولحظتها الزائلة, فأصاب سكرُ الغفلة قلوبهم في مقتل, وفرحوا بسحابة صيف مارّة, وتباشروا بلعنةٍ في لباس نعمة! فأتاهم العذاب بغتة فاصطلم نعيمهم وسحق دنياهم, وألحقهم بنار الأبد فما أشقاهم! والمُبْلِسُ هو الآيس من كل خير, وأشد العذاب ما كان بغتة. فعلى الناصح لنفسه أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بربه. قال قتادة رحمه الله: بغتَ القومَ أمرُ اللهِ, وما أخذ الله قطُّ قومًا إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغِرَّتهم, فلا تغترّوا بالله. وقال الحسن رحمه الله: من وُسِّع عليه فلم ير أنّه يُمكر به فلا رأي له. وقال إسماعيل بن أبي رافع رحمه الله: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
وقد ثنّى الله هذه الموعظة في سورتي الأعراف والمؤمنون قرعًا لقلب كل ناصحٍ لنفسه مريدٍ سعادتها لأبدِ الأبد, ففي سورة المؤمنون قال سبحانه: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) وفي الأعراف: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون) فلم يضرعوا لربهم فأمهلهم وأملى لهم, ثم استدرجهم بإدرار الأرزاق عليهم ورفع بلاء الدنيا عنهم فقال: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا) أي كثر عديدهم وزاد نفرهم وانبسط نعيمهم فطغوا ولم يخضعوا وكفروا ولم يشكروا (وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) أي هذا فعل الأيام وما نحن إلا كغيرنا ممن سبق, فكانت سنة الله أمامهم ومن فوقهم فغدوا كأمس الدابر فجأة: (فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون)
ثم قال سبحانه بعد تحذير الناس من عذابه بياتًا أو ضحى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) أشهد أنهم خاسرون كل الخسار, عياذًا بالله من مكرِه, وفي المسند بسند حسّنه الأرنؤوط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج) وقال الحسن: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجلٌ, والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. اللهم عفوك وغفرانك ورحمتك.
وبعد: فهلّا نظر كل منا لنفسه ونقدها نقد بصير, واستعان بالله في هدايتها لتكون مطمئنة للحق علمًا وعملًا, ساعية لبحبوحة الجنة وفردوسها الأعلى, فالجنة تريد عملًا لا كسلًا وجِدًّا لا لعبًا, وهي يسيرة على من يسرها الله له, وليس بين ولي الله وبينها إلّا أن تخرج الروح من الجسد, مالم تحبس في كبيرة أو دَيْنٍ. وكل نعيم دونها غرور, وكل ساعة في رياضها سرور, (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
وخيرًا نفعل لأنفسنا إن أصغينا إلى مواعظ القرآن, فالحياة تنحسر عنا شيئًا فشيئًا حتى يحين رحيلنا الأخير, اللهم اجعله لجنات النعيم. 
ومضة: هل رأيت وجه الموت بحادث أو مرض ونحوه ثم توارى عنك؟ اعلم أنها رسالة من الدار الآخرة وبرقية من البرزخ فاجعلها منك على ذُكرٍ وللحميد شاكرًا حامدًا محبًّا.
إبراهيم الدميجي
20 رمضان 1435
aldumaiji@gmail.com

السبت، 5 يوليو 2014

تعلّمْ أن تُحِبَّ النّاس

تعلّمْ أن تُحِبَّ النّاس
الحمد لله وبعد: فما هو الشيء الذي يسعى لتحصيله كل الناس ويبذلون لأجله أغلى ما عندهم ثم في النهاية لا يحصّله على التمام إلا الأقلون؟
إنه السعادة, وهي ذلك المزيج الشعوري الجميل بإدراك المُنى, وتعظم السعادة حينما تكون الأمنية عظيمة وإدراكها تامًّا, فكلما قويت الرغبة ازدادت نشوة الحبور عند إدراكها, وتأمل أعظم نعيم الجنة بلذة النظر إلى وجه الجميل سبحانه! فاللهم نسألك من فضلك العظيم.
في هذه الدنيا لا يخرج الإنسان عن ثلاثة أحوال – مع تعاقبها عليه – فإما أن يزيد زمان سعادته على عدمها, أو العكس, أو استواء الطرفين. وكل إنسان يسعى لتكميل نقص أسبابه لتحصيل رغيبته العاجلة أو الآجلة. وهل أنعم من الراحة والعافية!
تريد راحة نفسك إذن فلا تُعلّقها بما لا بد لها من فراقه من حطام الفانية أو سُكّانها. فعلى قدر زهد قلبك تفوز براحة روحك, فنعيم الدنيا مُنغَّصٌ مهما استدارت بك ألطافه, وأكدارها زائلة مهما لوّعتك خطوبها, بل لا شيء لأجلها يستحق الكراهية.
تريد نعيمًا لا كدَّ فيه ولا كدر معه, ابشر به فهو في متناولك, إنه حب الخير للناس. وإنه ليسير على من يسره الله عليه, وإن الموفق المحظوظ هو من أكرمه الله به. فهو جَنَّةٌ قبل الجَنَّةِ, وراحةٌ قبل الراحة, وسرورٌ يستتبع سرور. أّولا يكفيك يا صاحبي: "حتى يحب لأخيه"؟  وإن لنَيْلِهِ طرائق وأسبابًا منها عشر أُراها مفيدة:
1-   أحبب نفسك أولًا:
فتعلّم أن تحب نفسك وأنّى لك ذلك إلا إن أحسنت التعرّف إليها فهي بعيدة على قربها وعميقة على قرب تناولها, وصعبة على يسرها. تذكر عيوبك المستورة والمنظورة, واكشف نوازع نفسك, وكن صريحًا في تفتيشها, واحذر خداعها وتلونها, فعقلك قد يخدعك من حيث لا تشعر.
 جِماعُ ذلك أن تكون كما أنت بلا تكلّف ولا تصنّع, أرسل نفسك على سجيتها, فكن بطبيعتك ولا تدّعي لنفسك زكاءً أصفى, ولا ذكاءً أحدّ, ولا علمًا أغزر, ولا مالًا أكثر, ولا مقامًا ليس لك.
فأول درجةٍ في سلم الراحة أن تكشف نفسك كما هي, فلا تُعليها ولا تُدنيها إلا تواضعًا, وليس الإزراء بأشدّ من الاستعلاء, ومن تواضع لله رفعه. وليس معنى ذلك أن تسوطها بسياط الكبت والهضم لما لها فيه سبب فلاح ولطيفةُ فرحٍ, والقصدَ القصدَ تبلغوا.
2-   الحياة أقصر من إضاعتها في الأحقاد والكراهية:
لو رحلت لنزهة قصيرة مع من تحب وقد تعبت في إعدادها فهل ستسمح بسرقة سويعات من وقتك الباهي وزمنك الزاهي في خصومات تكدّر صفو سعادتك في تلك السياحة؟ قطعًا لن تفعل وسيقول حالك: في باقي الزمان متسع للنكد فَلِمَ العجلة؟! فأقول لك يا محب: فالدنيا بأسرها كذلك لمن يحسن حساب الزمن, وما هي إلا سنوات وترحل عنها بعمرك الذي اضمحل في تضاعيف أحداثها, وتنسى كما نُسى سابقوك, فابتهج واسعَدْ وأَسْعِدْ, لا تحبس نفسك في تراث حقدك, وانطلق ففي الحياة متّسع, انتزع رمح الحقد القاتل من قلبك, فلا تسمح لكدر الحقد إن وصل قلبك أن يطيل مكثه أكثر من سحابة قيض نجديِّة! وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا.
3-   استخرج أحسن ما عند الناس:
وستراها أكثر مما تطيق إحصاءها, فما من البشر أحدٌ إلا وهو يمتاز بمحامد, فانظر لها نظر المحب الحامد, لا الغيور الحسود, فالروح الجميلة يطربها جمال الأخلاق, وتهزُّها مكارم الشّيم حيثما كانت, وتأمّل إيجابيات خصمك وحسناته مهما كشف عن وجهه برقع الحياء, وحاول – بكرمك – أن ترفع محامده حتى تفوق وتعلو ما بلغك عنه أو منه من سوء, وانظر لنصف الكأس الممتلئ فيه. ولقد تأملت في الناس فرأيت أن الحسد يستتر خلف كثير مما يسمّونه أسباب كراهية, فجُز ناديهم بطهارة قلبك وبياض فؤادك, وإن البرَّ يا صاحبي أسلافٌ.
4-   صارح من بلغتك إساءته وعاتبه, ولا تقبل فيه قالَةً ما لم تخرج منه بعذر وإعذار:
وكم من لفظةٍ خاطئة خرجتْ فلفظَتْهَا نفوسُ الأخيار فأماتوها في مهدها, ثم شكرهم في قابل الأيام من رَمَوها, وكم كلمةً بريئة من قلب مؤمن غافل تلقّفتها حمّالة حطب النميمة وأركبتها قلائص الغيبة والبهتان ففرقت بين المحبين فطارت بهم إذ لم يتبيّنوا, وأثارت نقع الأحقاد بين المؤمنين بعد أن غاب حليمهم وحضر طائشهم وعجولهم, ومن قرأ التاريخ شيّبتْ قذالَهُ عجائِبُهُ!
5-   تأمل خصمك بعد رحيله عن دنياك أو رحيلك:
اقفز بمخيلتك وارحمهم بعد أن ترحم نفسك, تذكر رحيلك عنهم وتركهم خلفك في ذي الفانية أو رحيلهم لمصيرهم وما فيه من أهوال, نعم يا صاحبي فقد يمتن الله عليك ببصيرة وعلم ويقين بالآخرة وأهوالها, فاجعلها مرآة تعكس تعاملك مع الناس أحبابًا وأخصامًا. واعرف قدر الدنيا.
وما أدنى هِمَّةَ من ينازع على جناح البعوضة! أولم يكفك أن تعلم أن عاجل نصرك هو علمك بخذلان من رام ظُلمَك من جهة ضلاله أولًا ثم ببغيهِ آخرًا, فتذكرها دومًا ففيها للمظلومين سلوىً وعزاء.
6-   تأمل ضعفهم وقلّتهم وفقرهم وحاجتهم:
ولئن تدثروا بالغرور, وتلفعوا بالستور, فلقد علمتَ أنهم مثلك ضعفاء مهما استقووا, وفقراء مهما استغنوا, وقِلّةٌ مهما تكاثروا, ومحتاجون مهما صمدوا بدعواهم! فارحم وأشفق, واسمُ وارتفع فالقاع يا هذا مزدحم.  
7-   تذكر حبهم لله وعبادتهم له ومودّتهم لصغارهم وأهلهم.
فهناك جامع للإنسانية, ومهما ابتعد الإنسان عنك بفعله أو تصوّره أو عدائه فيبقى جانب ولو قليل يستحق منك نظرة وتأمّلاً, فتذكر مشتركاتك معهم مهما دقّت, فمن كان منهم حنيفٌ فأحببه لإيمانه, فهو يعبد الإله الحق الذي تعبده, ويتطهر له ويسلم وجهه له, ومن كان غير ذلك فأشفق عليه وارحمه من شقوته, واسع في هدايته ورشده.
حتى البهائم والنبات والجمادات تلك المخلوقات المُسبّحة بحمد ربك يتلمّسْنَ من فؤادك المفعم بالطهر خفقة مودّة ودفقة اعتراف بجمالهن المكنون والمنظور, وما أجمل قلبك إذ يعجُّ بالعنادلِ المغرّدة, ولن تخسر يا صاحبي شيئًا بهذا الحب الجميل.
8- ادع لهم واستغفر لهم بظهر الغيب:
تذكّر فضل العفو والصفح والمسامحة, ولا تحسبنّك بالعفو تخسر, كلّا وربّي! ليكن حسن الظن رائدك, وتلمس جوانب العتبى والعذر لمن آلمَ ذاكرتَك أو جَرَحَ فؤادَك أو اكفهرت لأجله روحُك. سِرْ رويدًا في فلاة الطهر وأخمد جمر الانتقام بصب ماء العفو, ولا تلتفت لأصوات الغضب بين جوانحك وأغلق مراجلها بهتافك لها: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" فهلّا تذوّقتَ ليلةً أن تدعو صادقًا لعدوّك في سجودك؟! كن من الثلة السابقة بحمل أثقال الأخلاق, ولكلِّ سلعةٍ ثمنها "ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين"
9- تأمل سيرة خيرة خلق الله, ثم عظماء النبلاء ممن آتاهم الله رشدهم:
ومن تأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته على حبه الخير مع اختلاف الأحوال والأهوال عليه رجع بيقين نبوّته وصدق رسالته.
10- تذكّر أنك الكاسب الرابح والغانم الفالح:
فكم ستشتري سعادتك وانشراحك بمحبتك ورحابة صدرك وسعة عقلك. أقول: تذوق ذلك واعلم انه بلسمك الدائم, ألا ما أجمله وأبهاه وألذّهُ وأصفاه!
تلك عشرة كاملة, وفيها لمبتغ الخير مغنىً ولخاطب السعادة مقنع.
ومضة: ليس كل صمت حكمة, فبعضه عيٌّ وعجز.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية

7 رمضان 1435

الجمعة، 20 يونيو 2014

مزالق تطبيقية في البصمة الوراثية D.N.A

مزالق تطبيقية في البصمة الوراثية D.N.A
الحمد لله, وبعد: فمن عيوب البشر – وهي من مزاياهم أحيانًا - محبتهم للتجديد والابتكار ومللهم من الرتابة والتكرار, فهي عيب إن جلبت السَّأم من أمر لا بد منه لصلاح الإنسان في دينه كالذكر والصلاة واجتناب الحرام ونحوها, أو في دنياه كفتوره وكَسَلِهِ في عمله وطلب رزقه ومصلحته ومن يعول, كما ملّت بنو إسرائيل المنّ والسّلوى للبقل والقثّاء.
وقد راعى الشارع الحكيم ذلك فنوّع العبادات من ناحية جنسها ونوعها وزمنها ومكانها وقدرها, وقسمها على القلب واللسان والجسد والمال, وجعل للجنّة أبوابًا ثمانية ينادى من اجتهد في عملٍ من بابه.
 ومتى أحسن الناس التعامل مع هذه الغريزة النفسانية فإنها تنقلب دافعًا للعمل ووقودًا للعزم وحاديًا للهمّة, كمن نوّع أذكاره أو جدّد طريقة صدقته أو نوّع سبيل طلبه للعلم أو التجارة ونحو ذلك.
يدخل الخلل من هذا الباب من جهة تداخل حب التجديد أو التنويع أو التبديل فيما لم يأذن به الله لحفظ دين الناس أو دنياهم, ومنه تحتّم مصلحة بقاء ما كان على ما كان. وهذا باب واسع في السياسة ووسائل الدعوة وغيرها ولا تكفي هذه الحروف لبسطها, والمراد ذكر شاهد بذلك وهو ما يسمى بالفحص الجيني D.N.A أو تحليل البصمة الوراثية أو الحمض النووي, وكل هذا فرع عن الهندسة الوراثية.
وهذا العلم جديد بكليّته, ومع أن المشتغلين به قد قطعوا شوطًا بعيدًا فيه, وثبتت لهم فيه أقدام, وصارت بعض نظرياته قطعيات؛ إلا أن لكل جديد فورة وشِرَّةٌ ولأهله صولة وعجلة, حريّ بأهل الإسلام منهم أن يتأملوا وقع أقدامهم في خوضه حتى لا يزيغوا, وأن يتفقهوا في حدود الله فيه حتى لا يَضلّوا ويُضلّوا, فما من أمر في هذه الدنيا إلا ولله فيه علم وحكمة وحُكم. فلم يخلقنا سدى ولم يتركنا هملًا. "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
إن هذا العلم متعلق بجهة إثبات الأصل النَّسَبي وإعادة الفرع له سواء كان هذا الفرع شخصًا يراد ردّه لسلالة آبائه وإن بَعُدوا جدًّا, أو كان المراد رد الفرع الأصغر وهو الخلية البشرية سواء أخذت من دم أو شَعر أو لعاب ونحوه فيعاد هذا لأصله وهو الشخص الواحد المعني به, وهذا نافع جدًّا في أدلّة إثبات الجرائم وإقامة القرائن في الطب الشرعي ونحوه.
ولا بد هنا من استشعار أن أدلة البصمة الوراثية تكون ظنية لا قطعية من جهة احتمال تعرض التحليل لأخطاء بشرية أو مخبرية، كاختلاط العيّنات أو إبدالها سهوًا أو عمدًا وغير ذلك.
إذن فهذا العلم الجديد له جانبان:
الأول مباح بل ممدوح: وهو ما ساعد في إحقاق حق شرعي وإبطال باطل, فمن ذلك: مسائل الطب الشرعي والجنائي, كما أن الفحص الجيني يحل محل القيافة بل هو أضبط منها. ومن المهمات بيان أن القيافة إنما يلجأ إليها لفرز حالة فردية تنازع عليها أكثر من طرف, وليست لفرز حالات جماعية والكشف عن نسب قبائل بأسرها.
إذن فمجال جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب محصور في حالات التنازع على مجهول النسب، سواء أكان بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. كذلك في حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات أو مراكز رعاية الأطفال أو أطفال الأنابيب ونحو ذلك. كذلك حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف علي هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين ونحو ذلك. وبهذا صدرت فتوى المجمع الفقهي الإسلامي.
الثاني ممنوع: وهو ما ينادي به بعض الناس من إبدال الطرائق النَّسَبِيِّة الشرعية به, فيرُدُّون النسب بإطلاق للماء وليس للفراش, ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسم المسألة بقوله: "الولد للفراش" فمتى كانت المرأة فراشًا للرجل فأولادها ينسبون له شرعًا, لذلك لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، كما لا يجوز تقديمها على اللعان فالقرآن قد حسم المسألة في سورة النور.
 وتأمل حال أحدهم حينما أراد إلحاق ابنه العشريني معه في أمريكا, فاشترطت السفارة البصمة الوراثية, فتبين أنه ليس من مائه, فحدثت بسببها كوارث لم ترقأ حتى اللحظة, وأترعوا كأسَهُ تعاسةً وصدرَهُ همًّا!
ومن جدير التنبيه: أن الشريعة تراعي كل قضية من جميع جوانبها بدون إغفال أو ميل, لذلك فإثبات النسب يُكتفى فيه بالاستفاضة وعدم نفي المنسوب إليه الولد, فهذه هي الجادة وهي الأصل, أما غيرها فهو الاستثناء ومن أفراده الاشتباه والاحتياط, ومن ذلك احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ذلك المنسوب المتنازع عليه, فبعد حكمِهِ بأن الولد للفراش نظر لشبهه الشديد بالآخر فقال: "واحتجبي منه يا سودة" وهذا من باب الاحتياط للطرفين, فالحُكم لنَسَبيّة من وُلد على الفراش كان على الأصل, أما الحجاب فكان على الاحتياط. ويُلحق بهذا الرضاع المشكوك في عدده فيحتاط له من الجهتين فلا زواج ولا محرمية.
 ومهما يكن من أمر فلا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، وما يفعله بعض أهل الطيش باشتراط فحص البصمة له عواقب وخيمة ليست على الأفراد فقط بل على قبائل بأسرها, ولنوضح الصورة بمثال كاشف:
 فعند أرباب البصمة أن النسب العربي محصور في بضع نتائج لا يخرج عنها بموجب فحص عينات فردية عشوائية ليست استغراقية ولا أغلبية لا زمانًا ولا مكانًا, فإذا وجد شخص في الهند أو بريطانيا يحمل ذلك الجين حكموا بعروبته رأسًا حتى وإن كان لم يسمع بالعرب ولا لسانهم ولا موطنهم لا في حياته فحسب بل بعدة أجيال سابقة له! وهذه معضلة لن يستطيعوا الفكاك منها لأن اللغة والموطن معتبران في الحكم, وتأمل عكس ذلك يظهر لك المراد, فلو أن إنسانًا أو جماعة نزحت لجزيرة العرب قبل أربعة آلاف سنة أو أكثر ولم يخرجوا منها وتكلموا لسانها وتطبّعوا وسادوا, ثم تبيّن أن حمضهم النووي مخالف للجين السائد فهل يمكن بحال نفي عروبتهم؟! ولا تعجب فقد نشر بعض الناس مثل هذه الألغام المدمّرة للنسيج المجتمعي, فالعرف الصحيح السائد هو أن العربي هو من كان من نسلٍ قد درج في أرض العرب لبضعة أجيال وتكلم لغتهم وتطبع بطبائعهم ويكفيه ذلك. أما ضده فهو الأعجمي – ولاحظ اعتبار اللغة من الإعجام والإعراب -.
ومن فروع ذلك: انتساب الفخذ القبلي لجذمه, فما عدّه الناس وتعارفوا عليه واشتهر بينهم بلا نكير أن هذا البطن من تلك القبيلة فهو المعتبر, فالشيوع والمواضعة والاشتهار هي مأرِزُ قبول النسب وآخِيّتُه وليس الحمض النووي بحال.  
وتأمل ما لو أن رجلًا قبل ألف سنة حالف قبيلةً ثم انتسب إليها وأحفاد أحفاده ثم ظهر التحليل اليومَ مخالفًا! بل لو أن امرأة ما قبل مئات السنين أدخلت على زوجها ما ليس منه – لشبهة أو خطأ أو إكراه أو ذنب - ولحق به لأنه ولد على فراشه شرعًا, ثم تناسلت أجيال وبطون وقبائل من ذلك الإنسان, ثم أظهرت البصمة نفي أولئك, فما ذنبهم في أمر قد حسمه الشرع بنسبتهم لأبيهم الشرعي دون صاحب البصمة؟!
 وبالجملة؛ فالشرع قد اكتفى بالاستفاضة والاشتهار بلا نكير, وحَكَمَ للفراش لا للبصمة, فحكمهما غير متفقين على الدوام فلينتبه, إذ مناط الشرع الفراش ومناط البصمة الجينات.
لقد راعت الشريعة تكوين محضن آمن صالح للإنسان ليقوم بتحقيق العبودية لربه – وهي غاية الخليقة - لذلك فقد تشنّفت للوئام بين الناس واجتماعهم, وتوسّعت في إثبات النسب وتسامحت فيه، فاكتفت بقبول الشهادة فيه على الاستفاضة، فلا يُطالب بدليل خارجي إذا كان هناك إقرار ما دام واقع الحال لا ينافيه, وعقدت الشريعة معاونات خاصة بين القرابات كتحمل العاقلة للدية والأمر بصلة الرحم ونحو ذلك, فالنسب وسيلة لا غاية, فهو وسيلة لإقامة العبودية بإحسان الاستخلاف الأرضي.
 وحتى لا تختلط الأنساب فقد حمت العرض وشددت في الفاحشة وطالبت بحفظ الأنساب. ولكل شيء قدره الذي لا ينبغي الإيغال والتجاوز والتشديد فيه, فيكفي المؤمن أن يعلم من نسبه ما يصل به رحمه ثم لينته, وليحذر من التفاخر بنسبه أو نبز الناس بأنسابهم أو طعنهم فيها فكلّ ذلك عفنٌ جاهلي, وليعلم أن إبليس هو أول مفاخر بأصله حينما قال: "أنا خير منه".
وفي المقابل فقد شدّد الشرع في الانتساب لغير الأب – ومن ذلك الانتساب لقبيلة وهو يعلم أنه ليس منها -  فعند الشيخين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام".
ومضة: أعجبني جواب ذلك اللوذعي حينما سئل عن أصله فقال: من طين.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com