إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 20 يناير 2019

العفاف ضرورة الزمان


العفاف ضرورة الزمان
الحمد لله، وبعد: فإن العفاف تاج أخلاق المؤمنين، وشمس صفات المتقين، وقد أجمعت أمم الأرض على استحسانه، ورفعت صاحبه للمقامات العالية، ذلك أنه لا يكون إلا لشريف النفس سامي الخُلق، مأمون الجوانب الغادرة.
ولقد أثنى الله تعالى على أهله، وجلّلهم بحفظه ومعونته، ووعدهم أجزل العطايا وأكبر الهبات لأنهم تساموا بنقاء أرواحهم وحسن تدينهم عن كل ما يشوب ذلك النقاء أو يخدش جناب الإيمان.
وإنه لخُلُقٌ قلبي قبل أن يكون ظاهرًا، فالقلب العامر بمحبة الله تعالى والحياء منه وحسن الرجاء فيه وعظم الخوف منه وتمام التوكل عليه لا بد أن يثمر ذلك صحيح العفاف، فالعفاف عمل قلب لأنه حركة القلب للصلاح والمباح وكفه وسكونه عن الحرام، فهو عمل من هذه الحيثية، وهو كذلك ثمرة من ثمار أعمال القلوب الزاكية، وظهوره في الثمرة أجلى من العمل.
وحَدُّ العفاف: كف النفس عما لا ينبغي لها. وعلى قدر تحقيقه يقترب صاحبه من كماله في نفسه ورفعته عند ربه.
هذا والعفة أنواع عديدة، وجماعها الكف عن الحرام والاستيحاش منه والازورار بعيدًا عن ذرائعه. وهي منقسمه على الجوارح، وأصولها ثلاثة:
 عفة الفرج وعفة اللسان وعفة البطن، والبقية متفرعة عنها كالعفة في المال والرئاسة والمدح والتكاثر ونحو ذلك.
وإذا ضبط المرء عفته في أنواع العفة الثلاث فقد انتظمت له سائرها، وتيسرت له عواقبها، ويكون حينها قد لبس ثوب العفاف. وهي كالتالي:
 أولًا: العفة عما في أيدي الناس:
 وهي أن يعفَّ عما في أيدي الناس، سواء ببصره أو سمعه أو لسانه أو حتى فكره، وأن يقنع برزق الله له، فهو أحكم وأعلم وأرحم. قال الله تبارك وتعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) وكذلك بأن يترك مسألتهم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة". فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. (1)
ثانيًا: كف اللسان عن الأعراض:
فيجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وألا يقول إلا طيبًا. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". (2) ويتبع اللسان القلم والكتابة. فالقلم هو اللسان الثاني. ويلحق به الكف عن الدماء والازورار عن تخوّضها بلا برهان شريعة. ويتبعه كذلك لحظ العين أو حركة اليد أو غيرهما بازدراء أو همز أو لمز، أو أي أذيّةٍ لأي كائن – حتى لو كان كافرًا أو بهيمة أو طيرًا - لم يأذن بها الله عز وجل.
ثالثًا: عفة الفرج عمّا حرم الله:
وهي أن يعفَّ فرجه عن المحرمات والفواحش. وقد اشتدت الحاجة في هذا الزمان للتذكير به والتنويه بشأن أهله والتحذير من تدنيسه، والله المستعان.
الفرج الحرام حفرة إلى الجحيم، وأكثر أهل النار إنما دخلوا منها ومن اللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار. فقال: «الفم والفرج». (3)
ويتبع عفاف الفرج عفافُ رُسله كالسمع والبصر والكلام وغيرها. يكفي في خبث المعصية مسمّاها لأنها جرأة على مخالفة الجبار جل جلاله ونوع كفر لنعمه التي لا تعد ولا تحصى، فكيف نعصي من لا قوام لنا إلا به؟!
قيمة العفّة وضرورة المؤمن إليها!
إن العفاف برهان التقوى ودليل الاستقامة، فالدنيا بأسرها امتحان صبر واختبار صدق، فمن عفّ وكفّ وصبر لله على الاستقامة فهو المؤمن حقًّا والفاضل صدقًا.
والعفاف ضرورة الزمان، لأنا نعيش زمانًا عاصفًا بكل المقاييس، فأبواب الشهوات المحرمة مشرعة على القلوب الضعيفة بلا رقيب إلا من لدن علام الغيوب!
بل قد تسلطت الشهوات على الشبهات حتى استبطنتها خفية، فصارت الشبهات سلّمًا لبلوغ حظوظ النفس الأمارة بالسوء والفحشاء، ففي الأموال ضعف وازع الخوف من الربا – على سبيل المثال – بسبب اشتباه معاملات الحلال بالحرام، وساعد على ذلك فتاوى لمتفقّهة التيسير – زعموا – الذين يسوّغون للناس أبوابًا ما كان الشيطان يحلم بها في الزمن الأول! فابتدعوا للعامة معاملات تدور هي والربا على رحى واحدة وتصدر من نبع سوء واحد، قد يقترب بعضها حتى يكون ربًا صريحًا أو يتأخر قليلًا بحسب حقيقته، لكنه لا يخرج من المشتبه المذموم. ولا يعني هذا التعميم بحال لا بأوصاف ولا بأشخاص، فثم علماء أهل فضل وورع، وثمّ معاملات أحدثها الناس لا لبس فيها ولا اشتباه، إنما القصد تنبيه النبيه.
وفي الأنكحة اخترع الشيطان للناس طرقًا قذف زخرفها في قلوب بعضهم فروّجوها حتى اشتبه السفاح الذميم بالنكاح الشريف. وحتى لو خالفه في بعض صوره وشروطه لكنه باقٍ في قبيل المشتبهات. فإذا استمرأ العبد المشتبه والمكروه سهل عليه خوض الحرام الصريح، إذ ثوب الإيمان يتقلص عن المؤمن شيئًا فشيئًا مع كثرة اختلاط المشتبهات والمكروهات في قلبه، وينقص حتى لا يطيق مدافعة الباطل ولا مجاهدة الأمّارة!
حتى في أمور السلطان جرت ببعضهم كلاليب شُبَهٍ ارتضعت لَبَانَ الشهوات، فصار دين بعضهم شهوة سلطانه بلسان حاله فأشبهوا إمامية الرفض وطُرُقية الخرافة. 
وفي أمور الرئاسات وسباع الغضب وأدخنة اللهو وقتار الغفلة ما لا يكاد يُحصى تنظيرًا وتطبيقًا.
لذا، كانت قيمة العفاف عزيزة جدًّا في هذا الزمان.
إن العفيف سيد نفسه، غير مستعبد لهواه وطمعه، بل قد علّق ناصية عبادته على وفق شرع ربه، كلّما هبت على نفسه عواصف الشهوات ثبت به العفاف الراسخ في قلبه كالجبل الأشم، يسمو ببصيرته صُعُدًا في مراقي الفلاح، يتنسّم وحي ربه فيتسنّم سبيل رضوانه.
قلبه العامر بالغنى بربه كفاه عفافًا عما سواه، كان في بداية أمره يجاهد نفسه الأمارة حتى رقّاها لتكون لوّامة، فما زال بها حتى اطمأنت وسكنت وابتهجت واغتنت، وأيقنت أن الغِنى - كل الغنى - في الاستعفاف عما لا يحل؛ فكانت من المفلحين. حينها التفت بقلبه العفيف إلى ما خلّفه من حطام وبهرج ثم أشاح عنه عازمًا على لزوم ذلك المنهج، وأي منهج؟! إنه سبيل الله وصراطه ودينه ورضوانه.
يقرأ قول ربه الحاضّ على لزوم طريق العفة بكل أنواعها في البطن والفرج والمال والجوارح وهو يرى تكرار الأمر به في الشريعة: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) فغض البصر يسبقه غض القلب عن خطرات الحرام ويثمر منه حفظ الفرج وصيانته.
 وقال سبحانه آمرًا أمرًا حاسمًا جازمًا قاطعًا لكل تسويل باطل وتسويغ ذريعته: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) فعليهم العفاف ومن الله لهم الغنى. والفقر ليس بعذر في الخطيئة: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) وقد تكفّل الله تعالى لأهل العفاف بالغنى والمعونة، فقد بشرنا صلى الله عليه وسلم بوعد الله تعالى للمتعففين، وهو الوعد الذي أحقّه على نفسه كرمًا وامتنانًا وهو لا يخلف الميعاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف». (4)
ويتذكّر الصدّيق الذي رمى كل شهوة الدنيا خلف ظهره صارخًا في وجه الهوى: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) فعافاه مولاه: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) حفظه ربه بالعفاف لإخلاصه ونقائه وصدق توحيده فصرف حفرة الغفلة عنه عليه السلام.
لقد كانت العفة محورًا من محاور دعوة النبي العفيف الكريم صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، فلقد كان العفاف حاضرًا في حياته يفعله قبل قوله، فقد كان العفيف الكامل في زمنٍ لم يكن يُستنكر فيه طمع الهوى الظلوم، فقد كان هو الصادق الأمين، والأمين هو المستأمَن على كل ما يخشى عليه تلف الاستطالة من دم أو عرض أو مال.
لقد كان العفاف من الأصول الأولى للإسلام، فقد كان الأمر به واضحًا صريحًا من البداية، فقد ذكره أبو سفيان رضي الله عنه لهرقل حينما سأله عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في شأن كلام هرقل لأبي سفيان ومن معه من رجالات قريش، وفيه: "ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف.." (5)
والعفيف غني بقناعته وطيب نفسه وانشراح صدره، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة». (6)
لقد كان العفيف الأكبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه يعلي قيمة العفة ويُثنى على الناس بها، إذْ كان العفاف من معايير الإيمان لديه.
وتأمل حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في أوصاف أهل الجنة وأهل النار وكيف كان العفاف ظاهرًا جليًّا معتبرًا ويكأنه الميزان لغيره من الخصال، فحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا". وقال: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق. ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم. وعفيفٌ ذو عيال". (7)
وحتى عند أعنف أمر وهو القتل فعفاف المؤمن حاضر هنالك، فلا يتعدى ولا يمثّل فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعفّ الناس قتلة: أهلُ الإيمان». (8)
ومن أدعيته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لربه تعالى: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى". (9)
والعفيف موعود على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بالجنة، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». (10)
واعلم أن من أعظم أسباب العفاف صدق الدعاء والثقة بالعطاء وحسن الظن بمن هو أرحم بنا من أنفسنا، والعطاء أحب إليه من المنع، ويفرح إن دُعي وسُئل واستُعين واستُغيث واستُنصِر واستُغنِي.
وأكرِم بهذه البشارة النبوية للمتعففين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرض عليّ أولُ ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه». (11)
فتأمل كيف وصفه بالعفاف والتعفف، ذلك أن النفس مهما كانت سامية عن الدنايا فإنه لا يزال يعرض لها ما يكاد يصرفها عن استقامتها، فكان العبد في حاجة دائمة للمجاهدة بالتعفف، وفيه معنى استمرارية المجاهدة بالتعفف.
إن العفاف خلق يسموا بالنفس جدًّا ويرفعها وينزهها عن الإهانة والمذلة حتى مع ضيق ذات اليد، ولا بد للعفيف من قناعة تبرد لواعج حاجته وتشبع نهمة فاقته.
ولله أبي الحسن النعيمي إذ يقول:
إِذَا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ الِّلئام ... كَفَتْكَ القَنَاعَةُ شِبْعاً وَرِيَّا
فَكُنْ رَجُلاً رِجْلُهُ فِي الثَّرَى ... وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا
أَبِيّاً لِنَائِلِ ذِي ثَرْوَةٍ ... تَرَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبِيَّا
فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الحَيَاة ... دُوْنَ إِرَاقَةِ مَاءِ المُحَيَّا (12)
هذا ويتأكد العفاف جدًّا – بمعناه العام -  في أزمنة المجاعات أو الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل ويستطيل البشر في الدماء والأموال والأعراض، وهو حديث عزيز جدًّا حريّ بنشره وإشهاره، ففعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وأردفني خلفه وقال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: «تعفّف».
قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر- كيف تصنع؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «اصبر».
قال: «يا أباذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت (13) كيف تصنع؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك». قال: فإن لم أُتْرَك؟ قال: «فائت من أنت منهم (14) فكن فيهم». قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «إذًا تشاركهم فيما هم فيه! ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف (15) فألقِ طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك». (16) إذن فمن العفاف ما يكون في الدماء، وهو أعظم العفاف، والله المستعان.
وهاتِكَ لفتةً عظيمة جميلة في شأن العفاف وهي أن المرء في سيره لإعفاف نفسه ومن يعول فهو مكتوب من أهل سبيل الله، فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جَلَدِه ونشاطه. فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ (17) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان خرج يسعى على ولده (18) صغارًا (19) فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان (20)». (21)
هذا والعفاف الخالص لله عز وجل من أكبر أسباب كشف الكربات بإذن الله تعالى، وتأمل حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار. وفيه: "فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا". (22)
هذا وعفيف البطن موعود بالفلاح، ولفظ الفلاح هو أشمل لفظٍ لخيري الدنيا والآخرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه». (23)
فسِرُّ العفاف إذن هو القناعة!
وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه". قلت: تصديق ذلك في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". (24)
ذلك أن المال عزيز بأيدي أصحابه ولا يهون عليهم أخذه من أيديهم، بل إنهم ليصولون دونه صيال السباع الضواري (وتحبون المال حبًّا جما) فكما أنه يهمّهم ويسوقهم تحصيله فكذلك يؤرقهم ويروقهم حفظه، فالشّح مغروز في نفوس البشر، فمن أراد مزاحمتهم عليه قَلوه وأبغضوه إلا من سخت نفسه منهم لأمر خارج عن ذلك كزهد أو غياث أو تحبّب أو صدقة ونحو تلك الرغائب. فأقل الناس أهل القناعة، وأقل قليلهم أهل الزهادة!
واعلم أن فتنة النساء أشد من فتنة المال عند بعضهم، والعكس صحيح لدى آخرين، وكل امرئ قد ركّب فيه ضعف وميل بحكم بشريّته فيستحكم في جهة دون الأخرى، وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفتنتين فقال في شأن النساء: «ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء». (25) وقال في فتنة شأن المال: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». (26) فلدى بعض الناس ميل غريزي للنساء أكثر بكثير من ميله لجمع المال، ولدى آخرين طمع وجشع وشح وهلع للمال مع زهده في أمر النساء، والشيطان يشمّ قلب عدوه وابن عدوه آدم فحيثما وجد ضعفًا ولج منه، سواء من هذين البابين أو من سواهما كحب الرئاسة أو محبة الظلم أو غير لك.
وقد جمعهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خَضِرة (27) وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء». (28) ففتنة المال من أوّليات فتنة الدنيا للعالمين.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم يإحسان.
إبراهيم الدميجي
.....................................
1.    أبو داود (1643) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1643)
2.    البخاري (10)
3.    أحمد (2/ 472، 2/ 291) قال محقق جامع الأصول (11/ 694): رواه ابن حبان في صحيحه، وهو حديث صحيح بشواهده. وابن ماجه (4246)
4.    أحمد (7416) والترمذي وحسّنه (1655) وجوّد إسناده ابن باز في حاشية بلوغ المرام (765)
5.    البخاري، الفتح 6 (2941) واللفظ له. ومسلم (1773)
6.    أحمد (2/ 177) (6661) واللفظ له وقال الشيخ أحمد شاكر (10/ 139): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 301) (886)
7.    مسلم (2865)
8.    أبو داود (2666) واللفظ له. وأحمد (1/ 393) (3727) وقال شاكر: إسناده صحيح (5/ 275)
9.    مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (2721)
10.البخاري (6474)
11.الترمذي (1642) وقال: حديث حسن واللفظ له. أحمد (2/ 425) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن (18/ 137)
12.سير أعلام النبلاء (17 / 447)
13.حجارة الزيت: موضع بالمدينة في الحرة سمى بها لسواد الحجارة ولمعانها حتى كأنما طلبت بالزيت، والمراد: أن الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها لكثرة القتلى. وهذه إشارة إلى وقعة الحرة التي كانت زمن يزيد من الدماء.
14.أي: أهلك وعشيرتك ممن كان على عفافك وورعك.
15.أي: إن غلب ضوء السيف وبريقه عينك ونفسك وخشيت أن تقاتل فغطّ وجهك حتى يقتلك فتكون ابن آدم المقتول لا القاتل. وهذا خاص في أزمنة الفتن أما في غيرها فالمدافعة هي السنة لما رواه مسلم 1/87 (140) (225) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: "هو في النار".
16.أبو داود (4261) وصححه الألباني (3/ 803) وابن ماجه (3958) والحاكم (4/ 424) وأحمد (5/ 149، 163) واللفظ له.
17.قالوا هذا لمحبتهم الجهاد في سبيل الله وضنّهم بأشداء الرجال إلا يتوانوا عن تلك المواقف التي يُعزّوا بها دين الله، فأرشدهم صلى الله عليه وسلم بلطفه المعهود إلى أن فضل الله واسع وأن سبيله يشمل من كان ساعيًا في شأن عفافه وعفاف عياله.
18.الولد يشمل الذكر والأنثى، وفي التنزيل: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
19.يتبع الصغار من كان في حكمهم لمرضه أو إعاقته ونحو ذلك، وخصهم بالذكر إخراجًا للأقوياء من الأولاد حتى لا يتواكلوا ويكونوا عالة يقتاتون على جهد غيرهم وقد أغناهم الله بالقوة.
20.فالاعتبار أنما هو بالنيات.
21.رواه الطبراني في الكبير (19/ 129) وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (3/ 63)
22.البخاري (3465)
23.مسلم (1054)
24.أخرجه ابن ماجه ( 4102 ) والحاكم ( 4/313 ) وحسنه النووي في الرياض.
25.متفق عليه.
26.الترمذي ( 2336 ) وقال: حديث حسن صحيح غريب.
27.خَضِرَة: غضَّة ناعِمَة طريَّة نضِرة كالثمرة الطيبة.
28.مسلم ( 7124 )

الجمعة، 17 أغسطس 2018

همسة في أذن حالق لحيته


همسة في أذن حالق لحيته
الحمد لله وبعد، فحلق اللحية يكتنفه ستة محاذير شرعية وهي كالتالي:
- معصيةٌ لله تعالى ومخالفةُ وصيةِ رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بقوله: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" متفق عليه، وقد قال: "أعفوا اللحى" "أرخوا اللحى" "أوفوا اللحى" وكلها في الصحيح.
- وهي مجاهرة بالذنب وفي الحديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون" متفق عليه".
- إصرار على المعصية، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا صغيرة مع الإصرار!".
- أنها دعوة عمليّة للتقليد، وبخاصة ممن يقتدون به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". رواه مسلم.
- وهي من التشبه بأعداء الله ومخالفة سنن المرسلين، وفي الحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أحمد.
- ومن مفاسد حلق اللحية أن ذلك مدخلٌ لتلبيسِ إبليسَ على المرء في دينه، فيوسوس له أنه لابد أن يكون مستقيمًا تامًّا قبل إعفائها وإلا فهو منافق!
 وهذا باطل، فلا يخلو أحدٌ من ذنب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاءٌ، وخير الخطائين التوابون" رواه أحمد.
 كذلك فالإعفاء عبادة مستقلة كأي عبادة، ولو طردنا ذلك اللازمَ الباطل لانهدم الدين بالكلية. فكل عبادة وأمر ونهي له وزنه المستقل وحسابه المستقل يوم القيامة مادام الإيمان في الجملة صحيحًا.
إن على المؤمن أن يحرص على الكمال قدر طاقته فإن غُلب دون ذلك كان منه قريبًا بعون ربه ولطف سيده، ولكن ‘ن ضعف دون أمر أو نهي فلا أقلّ من أن يصحّح ما استطاع من شجرة إيمانه وأن يُحصل ما أطاق من صالح العمل.
 فهل يمنع تأخير الصلاة من الصدقة، وهل يمنع شرب الدخان من صلة الأرحام، وهل يضادُّ الغيبةَ شهودُ الجمعة والجماعة؟.. وهكذا.
كذلك فلإعفاء اللحية بركات، منها: امتثال الأمر، ومنها الدعوة العملية لاتباع السنة، ومنها طرد شياطين الإنس، فمعلوم أن القلوب تهاب ذي اللحيةِ أكثرَ من حليقها، وتخجلَ أن تُظهر له المعاصي أو تدعوه إليها.
 ومن حسناتها أنها حسنةٌ مباركةٌ تنادي حسناتٍ أخرى، ومنها أنها تزيد الإيمان لمن احتسب، وبخاصة إن كان ممن يتعرض للأذى بسبب إعفائها. ومن بركاتها: امتثال الأمر الإلهي، ومنها الدعوة العملية لاتباع السنة، ومنها طرد شياطين الإنس، فمعلوم أن القلوب تهاب ذي اللحيةِ أكثرَ من حليقها، وتخجلَ أن تُظهر له المعاصي أو تدعوه إليها، فلا تستهن باللحية، فهي من شعائر الإسلام، بهاءٌ لوجهك، ونور لطلعتك، واتّباع لسنة نبيك ﷺ، وطاردة للفسقة عن جنابك.
 وبالله التوفيق.
إبراهيم الدميجي


الأحد، 21 يناير 2018

ولتكن منكم أمة

ولتكن منكم أمة
حينما يكون المجتمع هو صِمَام أمان إنكار المنكرات فلا يمكن لأحد من الخلق تغييره بالقوة مباشرة.. ولكن بالمكر طويل الأمد مع بطش السلطة بالمخالفين قد ينالون مرادهم أو بعضه، ولله حكمة في ابتلاء الخير بالشر، فالدنيا دار بلاء وابتلاء، والعاقبة في الدارين للمتقين. (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض).
فقد تتغير أخلاق ومبادئ المجتمع بقوة السلطة وطول الأمد؛ كما ذكروا عن باسل الأسد أنه كان ينزع الحجاب بيده من وجوه العفيفات في الميادين العامة في دمشق حتى استمرأ الناس ذلك التبديل، وكما غير أتاتورك الأحرف العربية بجرة قلم رئاسي، ثم أتبعها بقرارات تبديلية للدين جملة.. بل كيف غير البويهيون والصفويون ديانة جلّ المسلمين السنة في فارس إلى دين الرافضة بقوة السلاح!
وبالجملة فمن سنن الله تعالى في المجتمعات أنها عصيّة على التبديل المباشر بالقوة إن كان لديها تديّن - مهما كان الدين - فكيف إن كان الدين المرضي من رب السماء سبحانه..
 وحتى لو صُكّت الأمة بالبطش واندفن الناس زمانًا تحت ركام خوفهم فلا يزال العزيز الحميد سبحانه يستغرس منهم فئامًا يستعملهم في عظيم مراضيه، قد جعلهم ذخائر عزم وحصون عفاف وبحار علم وسحائب رحمة وشموس هدى مهما ولوَل اليائسون ونشَج القانطون.. فعلى المؤمن أن يُحسن الظن بربه وأن يستفرغ وسعه في مدافعة منكرات نفسه وأمته لعل الله أن ينتظمه في حزبه السعيد (ألا إن حزب الله هم المفلحون).
 وتأمل ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في ذكرياته قال:
"وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكل ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير، وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روّعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً وعالماً جليلاً، وكان أستاذاً لنا".
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إبراهيم الدميجي

الثلاثاء، 2 يناير 2018

حروف نفيسة للعلامة السعدي رحمه الله في حقوق طلبة العلم على بعضهم

حروف نفيسة للعلامة السعدي رحمه الله في حقوق طلبة العلم على بعضهم
قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى:
أما الواجب على أهل العلم من العلماء الكبار ومَن دونهم ، والطلبة فيما بينهم: فعلى كل منهم أن يحب للآخر ما يحب لنفسه ، وهذا واجب عمومي على جميع المسلمين.
لكن أهل العلم عليهم من هذا الحقِّ أعظمُ مما على غيرهم ؛ لما تميَّزوا به ، ولما خصهم الله بهم .
وعلى كل منهم أن يدين لله ويتقرب إليه بمحبته جميعَ أهل العلم والدين ، فإن هذا الحب من أعظم ما يقرِّب إلى الله ، ومن أكبر الطاعات .
وهذا الحب يتبع ما اتصف به الإنسان من الأمور التي يحبها الله ورسوله ، من العلم والاشتغال به ، والعمل ، فإن نفس الاشتغال بالعلوم الشرعية وتوابعها من أجلِّ الطاعات .
ثم حصول العلم للشخص هو من الأوصاف التي يُحَبُّ لأجلها ، ثم تعليمه للناس وعمله مما يجب أن يُحَب عليه .
فكل هذه الأمور موجودة في أهل العلم ، فلهم من الحق على أهل العلم وعلى غيرهم أن يميِّزوا بهذا عن غيرهم ؛ لما لهم من المميزات .
وإذا عثر أحدهم وغلط في مسألة علمية تعيَّن ستر ما صدر منه ، ونصيحته بالتي هي أحسن .
ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد: إشاعة عثراتهم ، والقدح فيهم في غلطاتهم ، وأقبح من هذا: إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك .
وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ ، ولهم اجتهادهم فيه ، معذورون ، والواقع فيهم غير معذور .
وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين ، والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين .
فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم : التعاون على البر والتقوى ، والسعي في إعانة بعضهم بعضًا في كل ما عاد إلى هذا الأمر ، وستر عورات المسلمين ، وعدم إشاعة غلطاتهم ، والحرص على تنبيههم بكل ما يمكن من الوسائل النافعة ، والذب عن أعراض أهل العلم والدين ، ولا ريب أن هذا من أفضل القربات .
ثم لو فُرض أن ما أخطؤوا فيه أو عثروا ؛ ليس لهم فيه تأويل ولا عذر لم يكن من الحق والانصاف أن تُهدر المحاسن ، وتمحى الحقوق الواجبة بهذا الشيء اليسير ، كما هو دأب أهل البغي والعدوان ، فإن ضرره كبير ، وفساده مستطير .
أي عالم لم يخطئ ؟! وأي حكيم لم يعثر ؟!
وقد عُلمت نصوص الكتاب والسنة التي فيها الحث على المحبة والائتلاف ، والتحذير من التفرق والاختلاف ، وأعظم من يُوَجَّه إليهم هذا الأمر: أهل العلم والدين .
ومتى أخلوا بذلك ، وحل محله البغي والحسد ، والتباغض والتدابر؛ تبعهم الناس ، وصاروا أحزابًا وشيَعًا ، وصارت الأمور في أطوار التغالب وطلب الانتصار ، ولو بالباطل ، ولم يقفوا على حد محدود ، فتفاقم الشر ، وعظم الخطر ، وصار المتولي أكبرها : من كان يُرجى منهم - قبل ذلك - أن يكونوا أول قامع للشر !
وإذا تأملت الواقع ؛ رأيت أكثر الأمور على هذا الوجه المحزن ! ولكنه مع ذلك ؛ يوجد أفراد من أهل العلم والدين ثابتين على الحق ، قائمين بالحقوق الواجبة والمستحبة ، صابرين على ما نالهم في هذا السبيل من قدح القادح ، واعتراض المعترض ، وعدوان المعتدين .
فتجدهم متقربين إلى الله بمحبة أهل العلم ، جاعلين محاسنهم وتعليمهم ونفعهم نصب أعينهم ، قد أحبوهم لما اتصفوا به ، وقاموا به من هذه المنافع العظيمة ، غير مبالين بما جاء منهم إليهم من القدح والاعتراض ، حاملين ذلك على التأويلات المتنوعة ، ومقيمين لهم الأعذار الممكنة .
وما لم يُمكنهم مما نالهم منهم أن يجدوا له محملًا؛ عاملوا الله فيهم ؛ فعفوا عنهم لله ، راجين أن يكون أجرهم على الله ، وعفوا عنهم لما لهم من الحق الذي هو أكبر شفيع لهم .
فإن عجزوا عن هذه الدرجة العالية ، التي لا يكاد يصل إليها الواحد بعد الواحد؛ نزلوا إلى درجة الإنصاف ، وهي الاعتبار ما لهم من المحاسن ، ومقابلتها بالإساءة الصادرة منهم إليهم ، ووازنوا بين هذه وهذه .
فلابد أن يجدوا جانب الإحسان أرجح من جانب الإساءة ، أو متساويين ، أو ترجح الإساءة ، وعلى كل حال من هذه الاحتمالات فيعتبرون ما لهم وما عليهم .
وأما من نزل عن درجة الإنصاف ؛ فهو بلا شك ظالم ضار لنفسه ، تارك من الواجبات عليه بمقدار ما تعدى من الظلم .
فهذه المراتب الثلاث: مرتبة الكمال ، ومرتبة الإنصاف ، ومرتبة الظلم؛ تميِّز كل أحوال أهل العلم ومقاديرهم ودرجاتهم ، ومن هو القائم بالحقوق ، ومن هو التارك.
والله تعالى المعين الموفق.
الرياض الناضرة (٨٩_٩٢)


الخميس، 28 ديسمبر 2017

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا

 

الحمد لله وبعد: ففمما يتميز به النهج السلفي العتيق الحرص الشديد على حفظ بيضة المسلمين، واجتماعهم على إمام مطاع يسوسهم بالشرع الحنيف، لذا فقد شدد الشرع في شأن الخروج غير المبرر على من انعقدت له البيعة وصحّ له الحكم، فلا يحل خروج ونبذ إلا بشرطَي كفر الإمام وغلبة الظن على تغييره، وتقرير الشرطين إنما هو بيد الراسخين في العلم.

ومن هنا فينبز بعضهم السلفية بالضعف والخنوع لقولها بانعقاد ولاية المتغلب المسلم، والجواب من وجهين:

أولًا: أن هذا مقتضى الشرع، والأدلة في ذلك صحيحة صريحة كثيرة متنوعة، وبما أنها كذلك فيكفي المؤمن علمه بها ليستيقن قلبه وتطمئن نفسه ويعلم أن أمر الله كله خير.

ولكن لا يعني هذا ترك الإنكار على السلطان وإبراء الذمة بنصحه ونصح الأمة، والعمل على إقامة دين الله بحسب الوسع والطاقة.

ثانيًا: أنها قوة وعزة في الحقيقة وليست بضعف وهذا جليٌّ لمن تأمله، فالقبول للمتغلب ومبايعته ليس لشخصه بل لمركزه الذي يخوله القيام بأمر الناس، فإن غلبه غيره بويع المتغلب الآخر، لأن القبول بالأول ليس لشخصه بل لمكانه الذي يقيم به دين الناس ودنياهم.

وتأمل حال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي الرياض في وقت إمارة ابن رشيد للرياض فقد قاتل بشراسة وأفتى لأهل الرياض بالقتال ضد الملك عبد العزيز حينما أراد دخول الرياض للمرة الأولى إبان معركة الصريف المشهورة.

وبعد ذلك لم يعتذر الشيخ بل قال: قد كانت لهؤلاء بيعة في أعناقنا.

فالقضية إذن هي قضية مبدأ ودين، لا رَغَب ورَهَب.

وتأمل حال ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة مع السلطان المتغلب المسلم والتزام بيعته والتشديد في نكثها، حتى لا تروج الفتن في الناس بسبب القتال على الإمرة.

ذلك أن الولاية - مُلكًا كانت أو إمرة أو سلطنة - فهي بمنظور الشرع إنما هي تكليف محض شاق يليه حساب شديد يوم الدين، وليست تشريفًا ومغنمًا، ولكن من وليَ وعدل فإنه يستحق أن يكون من السبعة الذين يكرمهم الله غدًا بأن يجعلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك أن ولايات السلطة المطلقة سمّ للروح ناقع لا يسلم منه إلا من كان شديد التحصين بالإيمان والورع.

هذا، ولخطر مقام السلطان وخطر زعزعته على أمن الناس وسكينتهم ودينهم فقد شدد الشرع في حرمة الخروج عليه أو نقض بيعته أو شق عصاه بلا مبرر ومسوغ من الشريعة.

وبالجملة فالمنهج السلفي ليس بدعًا من الأقوال والأفعال والمناهج، بل هو الممثّل للإسلام الصافي والسنة النقية من شوائب البدع وغوائل المحدثات، وهو التِّلادُ حقّا للأمة.

لذا فلا تعجب من كثرة الخصوم لمنهج السلف وكثرة التغبيش حول هدايته؛ فلشموخه ووضوحه ورسوخه وقوة حججه وقرب معانيه لم يبق لهم سوى ضجيج التائهين، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.

إبراهيم الدميجي

الأحد، 24 ديسمبر 2017

من المناهي اللفظية

من المناهي اللفظية
الحمد لله الذي خلق اللسان، فأعرب به عما في الجَنان، ففارق الإنسانُ غيره بعلم البيان، وأتمّ به النعمة بكمال الأركان، وميّز العاقل عن الجاهل بما جرى على اللسانِ، أما بعد:
إن حفظَ المرء للسانه دليلُ عقله وأدبه؛ وبرهان زكاءِ نفسه، وروى البخاريُّ أن رسولِ اللّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم قالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
أن كثرة اللغط مفضية للخيبة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُه، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبه كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ. وقال ابن مسعود رضي اللّهُ عنه: مَا مِنْ شَيءٍ أَحَقُّ بِطول السِّجْنِ مِنَ اللسانِ.
 وروى الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر معاذًا بملاك الأمور فقال: "كُفَّ عليك هذا" وأشار صلى الله عليه وسلم إلى لسانه، فقال معاذ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!" وروى الترمذي وغيره عن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه، ثم قال: "هذا".
أيها الموفق: احفظ لسانك وصُنه واحرسه حتى لا يفتِك بدينك، فإنه سبعٌ ضارٍ عقور إن أطلقته في الهوى، وهو ذخيرة وكنز ومِغراف أجر كبير إن استعملته فيما خلق له من طاعة الله وذكره وشكره ودعاءه والثناء عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا؛ يزلّ بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم؛ ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول.
لهذا كان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث! يعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه". رواه الترمذي وصححه. وكان الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
عبد الله: إن صمتك عن رد مسبة الجاهل ليست نقصًا فيك، بل هي من كمال عقلك وجمال أدبك وهي مجلبة لدفاع الملائكة الكرام عنك، فقد جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يومًا، فجاء رجل فشتم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فسكت أبو بكر ولم يرُدَّ عليه، فشتمه الرجل مرة ثانية، فسكت أبو بكر، فشتمه مرة ثالثة فرد عليه أبو بكر، فقام صلى الله عليه وسلم من المجلس وتركهم، فقام خلفه أبو بكر يسأله: هل غضبتَ علي يا رسول الله فقمتَ؟ فقال الله صلى الله عليه وسلم: "نزل مَلَك من السماء يكذِّبه بما قال لك، فلما انتصرتَ - أي رددتَ عليه - وقع الشيطان - أي: حضر - فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان" رواه أبو داود.
هذا، ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أولى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
فإلى بيان شيء من أخطاء الناس الشائعة في كلامهم:
 فمن ذلك قولهم: (بِالعون) عند الاجتهاد في الإخبار، فهنا صارت الباء للقسم، والعون ليس من أسماء الله تعالى، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسنه.
ومن ذلك: القسم بغير الله مطلقًا كمن يقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم الله أو بحياة أحد أو حياة أولاده، أو بالأمانة ونحو ذلك.
ومن المناهي دعاء صفات الله تعالى، مثل قول بعضهم: يا قدرة الله ويا رحمة الله ويا وجه الله، ونحو ذلك، فهذا محذور، فاسأل الله بصفته ولا تسل الصفة نفسها، فإن الصفة ليست هي الموصوف بل هي دالة عليه، فقل: اللهم أسألك بوجهك وأسألك برحمتك وأعوذ برضاك من سخطك ونحو ذلك.
ومما ينهى عنه من الألفاظ: الاستثناء في الدعاء، كقول: جزاك الله خيرًا إن شاء الله، ووفقك الله إن شاء الله، وشفاك الله إن شاء الله ونحو ذلك، لأن في ذلك إيهامًا بسوء بثقلها على الله والله تعالى هو القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له". متفق عليه.
ومما ينهى عنه: سبُّ الوجه وتقبيحُه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام على صورته". رواه أحمد وحسنه الألباني.
ومن المناهي اللفظية: الذكر بمجرد تكرار اسم الله، فهذا من لوثات أهل الخرافة والتصوّف، فعندهم أن ذكر العامة هو لا إله إلا الله، وذكرُ الخاصة هو تكرارُ اسم الله، وذكر خاصة الخاصة هو تكرار: هو هو، وهذا من الجهل المطبق الثقيل، فإن أعظم الذكر على الإطلاق هو لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي من أجل إقامتها خلق الله الجن والإنس والجنة والنار وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وهي مفتاح الجنة وسبيل الرضوان، وهي التي ترجُح بالسماوات والأرض، فاللهم أحينا عليها وأمتنا وابعثنا عليها إله الحق.
ومن المناهي قول بعضهم: بذلت جهدي والباقي على الله. لأن فيه سوء أدب مع الله من جهة الإيهام بالتشريك في تدبير الله الأمور، فالأمر كله لله وليس باقيه فقط، وكذلك من جهة أنه اعتمد على نفسه أولًا ثم فوّض أمره ثانيًا، وهذه خطيئة، فتفويض الأمور لله لا ينفك عنه المؤمن.
ومن المناهي: التلبيس على الناس بتزيين ألقاب المنكر حتى تستسيغها النفوس، ولكم أن تعلموا أن إبليس هو أول من لبّس فقد سمّى الشجرة التي نهى الله آدم عن أكلها بشجرة الخلد، ثم تبعه حزبه فسموا الخمر بمشروب الروح والزنا بالعلاقة والميسر باليانصيب والرشوة بالقهوة والمكس بالجمارك وغير ذلك من تلبيس الشيطان.
ومن المناهي: قول بعضهم: يعلم الله أني فعلت كذا، وقد يكون كلامه مخالفًا للحقيقة ولو في بعض أجزائه فيكون قد اتهم الله بالجهل بقدر ما أخطأ فيه، تعالى الله وتقدس.
ومن المناهي: قول بعضهم: فلان شكله غلط، والله تعالى يقول: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" وقال: "الذي خلقك فسواك فعدلك". فالحذر من الاستهزاء بصنع الله تعالى وخلقه بأي حال.
ومن المناهي قول بعضهم: تبارك علينا فلان، وسبب النهي – كما حرره ابن القيم رحمه الله – أن كلمة تبارك جاءت على وزن تفاعل، وهذا البناء يراد به المبالغة في البركة وإنمائها وهي لا تكون إلا لله، خاصة وأن كل ما جاء في القرآن على هذا النحو فقد أُفرد لله تعالى وحده كقول الله تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان" و"تبارك الذي بيده الملك"، ولكن لا بأس أن يقول: فلان مبارك أو فيه بركه ونحو ذلك، إنما المحذور هو قول: تبارك فلان.
ومن المناهي قول بعضهم: شاءت حكمة الله كذا أو قدرة الله أو شاء القدر كذا ونحو ذلك، لأن الحكمة صفة للموصوف سبحانه، فلا مشيئة لها، والذي يشاء هو الله.
ومن المناهي الشنيعة قول بعضهم: ظلمك الله كما ظلمتني أو خانك الله كما خنتني، ونحو ذلك وهذا جهل عظيم بالله تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" والله تعالى يمكر بمن مكر به ولكنه لا يخون تعالى وتبارك وتقدّس.
ومن المناهي قول بعضهم: فلانٌ ما يستاهل، وفلان لا يستحق، ونحو ذلك لأنه اعتراض على حكم الله تعالى وتسخط على قدره وتعقّب لأمره. "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، "وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا".
ومن المناهي: سبُّ الدهر، وهذا يجري كثيرًا على ألسنة جهلة الشعراء، فيذمون الزمان وينعتونه بالغدر والخيانة والظلم ونحو ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابنُ آدم يسب الدهر، وأنا الدهر؛ بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار" رواه الشيخان، فالدهر مسخّر بأمر ربه فليس أهلًا للسب، وسبّه يعود على من صرّفه ودبّره، فليعتن المؤمن بذلك، وليحفظ لسانه من سّب ربه وهو لا يدري! ولا قوة إلا بالله.
ومن مناهي الألفاظ قول بعضهم: من حسن الطالع أن حدث كذا، فهذا التعبير قد تسلل إلى بعض العامة من شرك التنجيم وهو محرّم، لأن الطالع هو النجم، وعبدةُ النجومِ يحيلون التدبير إليها، ويقرؤونه من مطالعها ومنازلها، وقد هدم الرسل الشرك في الربوبية كما هدموا شرك الألوهية، فلا خالقَ ولا مدبرَ ولا متصرفَ إلا اللهُ وحده لا شريك له، "الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار".
ومن المناهي: قول بعضهم: اقرأوا الفاتحة على روح فلان، فهذا محدث، وكل بدعة ضلالة، والميت ينفعه الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والعمرة، فلا ينبغي أن يُتساهل فيما لم يرد في الشرع الحنيف، والاستحسان باب البدع.
ومن المناهي: قول من أراد تنزيه الله تعالى عن الخطأ: العصمة لله، ووجه المنع أن العصمة لا بد لها من عاصم، والله تعالى هو الذي لا عاصم من أمره، ولا يحتاج لمن يعصمه فهو الخالق لكل شيء، وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده. أما إن أراد بها أن الله هو الذي يعصم ويحفظ فلا بأس بها، والسياق هو الذي يحدّد المراد.
ومن المناهي قول: توكلت على الله وعليك، فالتوكّل عبادة لا يتوجّه بها إلا إلى الله وحده، وعلى المرء أن يقول: توكلت على الله ثم اعتمدت عليك، فيردف التوكل على الله بـ"ثمّ" المفيدة للترتيب، ويتحاشى لفظةَ التوكلِ على المخلوق ويستبدلها بلفظ الاعتماد، وهو الأحوط للدين والأبرأ للذمة والأصوَن للسان، أما عبارة: وكّلت فلانًا، فلا بأس بها لأنها من باب الإنابة لا الاعتماد.
ومن فروع النهيِ عن التشريك: النهيُ عن قول: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان ونحو ذلك.
ومن المناهي: الإعراضُ عن لُبابِ التوحيد وهو الدعاء، والاستهانة به، بشبهة علمِ الله تعالى بالحال، وقد يجادلون بما لا تصح نسبته لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بأنه قال حينما ألقي في النار: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وهذا باطل لا يصح لا سندًا ولا متنًا، وقد ذكر الله تعالى عن خليله عليه السلام أنه كثير الدعاء والضراعة إليه ومن دعواته: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" وقد قال حينما ألقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفيها كمال التسليم مع تضمن الدعاء بالسلامة، فهذا الدعاء العظيم قد جمع الثناء والمسألة، وهذا من فقه الأنبياء العظيم، لذلك قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم: "فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".
 ودعاء المسألة في حقيقته دعاء ثناء لأنه يتضمن الأصول الحسنة للتوكل على الله وحسن الظن به والعلم به وعظيم الرجاء والرغبة والرهبة، كما أن دعاء الثناء يتضمن دعاء المسألة بجميل التعرض لكرم الكريم بالثناء عليه الثناء الجميل، وبالله التوفيق.
ومن المناهي: قول بعضهم: مسيجد، مصيحف، لأن ذلك التصغير اللفظي موهم بالتصغير المعنوي المفضي للاستهانة بشعائر الله تعالى، فالواجب تعظيمها وإجلالها بالقول والفعل والاعتقاد. "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".
ومن المناهي التي بدأت في الانتشار: القول بأن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا، وأن الأديان الثلاثة على سبيل نجاة، وينسبون كفر اليهود والنصارى - ظلمًا وضلالًا - لإمام الحنيفية إبراهيمَ عليه السلام فيقولون: الأديان الثلاثة الإبراهيمية كلها موصلة للجنة، وهذا ضلال مبين، وتكذيب لله رب العالمين إذ قال: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" وقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون".  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.
ومن مناهي القول: قول بعضهم للأخر: الله يسأل عن حالك! فالله تعالى عليم بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية، وليس في حاجة لسؤال واستخبار، فحتى وإن كان قصد القائل أن يعافيَ الله فلانًا ويوفقه فالتعبير عن قصده لم يوفَّق له، بل عليه أن يقول: وفقك الله وأعانك ولطف بك وسلّمك ونحو ذلك.
ومن الأخطاء: تسميةُ النبي صلى الله عليه وسلم بأسماءِ بعض سور القرآن الكريم مثل: طه، يس. فهي ليست من أسمائه صلى الله عليه وسلم، بل هي من الآيات المنزلة في أوائل سور الكتاب العزيز كأمثال: ألم، ألر، ق، ص، ونحوها.
 إما أسماؤه صلى الله عليه وسلم فخذها من فيه إذ قال: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الذي يمحو اللّه بيَ الكفر، وأنا الحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب؛ والعاقب الذي ليس بعده نبي" متفق عليه.
ومن المناهي: قول: رأي الدين هو كذا وكذا، قال الشيخ أبو زيد رحمه الله: الرأيُ أساسه مبني على التدبر والتفكر، ويتردد بين الخطأ والصواب. فلا يقال رأي الدين، بل حكم الله وأمره ونهيه وقضاؤه، أما إذا كان الرأي صادرًا عن اجتهاد فلا يقال فيه رأي الدين، ولكن يقال: رأي المجتهد أو العالم.
هذا ومن الأدب مع الله تعالى أن تقول في إنكارك على من جاهر بالمنكر أو عاند أو حارب أو حادّ شرع الله أن تقول: ما أغرّ فلانًا بالله! ولا تقل: ما أجرأ فلانًا على الله، فهي موهمة لشيء من قدرة المخلوق على الخالق، وهذا محال. "يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم؟".
ومن المناهي الشديدة: أن يتألّى العبد على ربه إعجابًا بطاعته واحتقارًا لعباد الله، فيقول: لن يغفر الله لفلان، أو يستحيل أن يتوب فلان، أو فلان من أهل النار ونحو ذلك، فهذا التألي من أسباب حبوط العمل - عياذًا بالله - ولا يغني عنه أن يكون دافعه الغيرة على محارم الله، فالله لا يُتقرب إليه بمعصيته، والعباد عباد الله، وهو أعلم بهم وببواطنهم وبخواتمهم. ووقد روى مسلم عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه قولَه: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألّى –أي يحلف - عليّ ألا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك".
ومن المناهي قول بعضهم في سياق إلحاحه على أخر: وجهَ الله أن تفعل كذا، أو جاه الله عليك أن تفعل كذا، أو أسوق جاه الله عليك ونحو ذلك، وهذا سوء أدب مع الله تعالى، لأنه استشفاع بالعظيم الكبير الباقي على المخلوق الحقير الصغير الفاني، فهو محرم لا يجوز، بل قد ورد عند أبي داود - بسند فيه لين - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد غضبه حينما اشتُشفع بالله تعالى عليه، وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

تمام النعمة بالإسلام

تمام النعمة بالإسلام
"إن الدين عند الله الإسلام" تكامل إسلام العقيدة في ديننا بإسلام الشريعة، فتمت به النعمة الإلهية على البشرية.
وبحمد الله تعالى فمعدن الإسلام الأصيل إلهي محفوظ، فهو غير قابل للتغيير والنحت والتبديل، قد يتغير بعض معتنقيه لكن حقيقته باقية محفوظة في صدور وسطور من شاء الله تعالى الله من عباده الذين حفظه بهم وحفظهم به.
ومهما اشتدت ضراوة الحرب على الإسلام والتنكيل بأهله، ومهما علت قمم المكر به وكيده، إلا أن خصومه يعودون منه بأحمال الخيبة، ذلك أنه كامل في ذاته عصيّ على السقوط بكامله حتى وإن تعثر أهله لجهل أو ضعف عزيمة لكنهم في الحقيقة يعلون به ولا يُعلى عليهم بغيره.

إن حقيقة الإسلام شديدة النصوع بالغة النصح، فمن ضرب معدنه بحرب مادة وجد بين يديه مادة ثورية تجتثه، ومن رام تبديله بفكر أو خرافة اندهش لرسوخ حقائق العلم والفطرة في أركانه، ومن قارنه بغيره تبيّن له شموخه وسموّه ورفعته عن كل ما عداه من دين مبدل أو فكر محدث. "يخرجهم من الظلمات إلى النور".
إبراهيم الدميجي