إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 23 مايو 2014

قبسات من الحنيف العفيف (2/2)

قبسات من الحنيف العفيف (2/2)

الحمد لله وبعد: فلا زلنا نقتبس من ضياء سورة الكريم ابن الكريم عليهما السلام..
   التفات بديع إذ قال: "ورفع أبويه على العرش".. ثم التفت بخطابه "رب قد آتيتني من الملك"  وقبل المُلْكِ ابتدأ يوسف عزيزًا  "اجعلني على خزائن الأرض" أي وزيرًا للمال وتصريفه وتدبير المعايش, وقد يكون الحال قد انتهى به لملك مصر, بدليل تحدثه بنعمة الله عليه بإيتائه الملك, والعرب لا تطلق الملك على الوزارة, كذلك رفع أبويه على العرش, والعرب لا تطلق العرش إلا على سرير الملك. وهذا ظاهر القرآن.
   "وخروا له سجّدا" ظاهره أن يعقوب سجد معهم لابنه على سبيل التحية. فهذا نبيّ قد سجد لغير الله إذ كانت مباحة حينها, والملائكة سجدت لآدم بأمر الله, ولكن في زمان الأمّة الخاتمة انتقل السجود من كونه تحية فصار عبادة محضة, صرفُها لغير الله شرك وتنديد, فمنعُها ليس من باب سدّ الذريعة للتعظيم, بل لأنها قد صارت هيكل التعظيم نفسه, كما في آية الحجر: "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" وما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". وهذا من محاسن هذا الدين القويم, ومن منن المنان الكريم على هذه الأمة المرحومة, فكم في السجود من متع أرواح تسافر خلاله لفردوس الدنيا بالأنس بمعبودها ومألوهها, وأمان لها من مزعجات الزمان, فلله الحمد كما ينبغي له.
   "وقد أحسن بي" تحدثًا بنعم الله فهو النبي الشكور, وتأمل التعدية بالباء الملاصقةفهي هنا أبلغ من إليّ.
   "وعلمتني من تأويل الأحاديث" فيه شرف علم التعبير, فقد شكر هذا النبي الكريم ربه وحمده عليه في معرض ذلك الثناء البليغ العظيم. ومن طرق تحصيله وتحصيل الفراسة تحقيق التوحيد فقد علل تعبيره الرؤى بتحقيقه التوحيد إذ قال للفتيان في السجن: "ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله"
   "توفني مسلمًا" فقلوب الصديقين معلّقة بالخواتيم.
   "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"  فيه التحذير البليغ لمعاشر الموحدين الحنفاء, فحتى وإن كان الدخول أوليًّا للمشركين شركًا أكبر؛ فهذا لا يمنع أن تتناول بعض أهل التوحيد الذين لوّثوا نزاهته بشركيّات لم تخرجهم منه لكنّها أغضت من رونقه وبهائه وأظلمت من نوره وإشراقه وأنزلت من علوّه وسموه, وذلك الشرك الأصغر كيسير الرياء, والحلف بغير الله, وقول ما شاء الله وشئت, ولولا الله وفلان ونحو ذلك, وليت شعري كم سيكون وزن خطيئة التشريك في الميزان يوم العرض الأكبر؟! وقد كان من هدي الصحابة أنهم يستشهدون بنصوص الشرك على الأمرين.
   "وسبحان الله وما أنا من المشركين" خطيئة الشرك من أعظم المسبة لله تعالى, لذلك ذكر بمعيّته التسبيح وهو المبالغة في التنزيه والتقديس, ومن ذلك ما رواه أبو داود بسند حسن أن الأعرابي لما قال: نستشفع بالله عليك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبّح وكرر التسبيح, لأن جناب التعظيم لله قد مُسَّ, فناسب أن يسبح الله تعالى. وتعظيم الله تعالى هو ركيزة الإيمان ومعقد الديانة, لذلك كان من أعظم الأسماء الحسنى (العظيم). وقد تكرر هذا الاسم الشريف في القرآن بضعًا وثلاثين مرة, كذلك في الأدعية النبوية, ومنها دعاء الكرب. والعظمة إزار الجبّار جل جلاله وتقدّست صفاته وأسماؤه, كما في الحديث الرباني في الصحيح.
   "حتى إذا استيئس الرسل" ذكرها في سورة الفرج بعد الكرب, فمَن هذا المتفائل الذي يتصوّر أن يوسف بعد الجب والرقّ والسجن سينتهي به الحال للحرية والوزارة والملك, وأعظمها النبوة, يا لَهذا الفرج الرباني والنعم السابغة!
   كذا تفريج همومِ وكشف غمومِ يعقوب عليه السلام برجوع فلذات كبده, وتأكيده على علمه بالله تعالى في موضعين:
   الأول حينما عوتب ولِيمَ على بكائه تلك السنين على يوسف فأخبرهم أنّه يعلم من الله مالا يعلمون, أي من صفات كماله ورحمته وفَرَجه حتى كأنه يرى المستقبل عيانًا, فبصيرته قد عبرت بإيمانه ما لم يبلغه غيره, إنها النبوّة يا صاح.
   فالأنبياء هم أعظم الناس تحقيقًا لدرجة الإحسان, وتكميل مراتب الإيمان, وهم من عبدوا الله كأنهم يرونه حقًّا.
    ثم قالها مرّةً اخرى لما ارتدّ بصره إليه, وذكّرهم بسالف قوله الصابر الراضي الهادئ في تيك الليالي القاسية, وقت ثقل المصيبة التي تنوء بها الرواسي. فهل أعظم من فقد ابن سيكون نبيّ؟! "وأعلم من الله ما لا تعلمون" ألم تر أن ربه قد قلّدهُ مديحة: "وإنه لذو علم لما علّمناه"
هذا وقد ترددّ كثيرًا في السورة ذكر العلم, والمراد العلم بالله وبدينه, كذلك العلم بعاقبة الأمور, وهو من فروع حسن الظن بالله تعالى.
  "فنجّي من نشاء" مناسبة لثناء يوسف: "إن ربي لطيف لما يشاء" فما ثمّ إلا محض رحمة الله وفضله أو الهلكة والشقوة.
  "ولكن تصديق الذي بين يديه" لما بشرت الكتب والرسل السابقة بالقرآن كان نزوله عينُ تصديقها, فنزوله هو تأويل بشاراتهم, وكما قال يوسف لما خرّوا له سجدا: "هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقّا" فكذلك إنزال القران على محمد صلى الله عليه وسلم هو حقيقةُ تصديقِ البشارات السابقة وإثبات صدقها.
   ومضة: كم في هذا البيت من سلوى وراحةٍ وقوتٍ لمن استطال الطريق:
إذا طاب منك الودُّ يا غاية المنى   ...   فكل الذي فوق التراب ترابُ

إبراهيم الدميجي
صحيفة الاقتصادية
24/رجب/1435
aldumaiji@gmail.com



الأربعاء، 7 مايو 2014

معشر الدعاة: تواصوا بالحق والصبر

معشر الدعاة: تواصوا بالحق والصبر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
   فلا بد للداعي إلى الله تعالى من وسيلة توصل علمه إلى الناس, وأياً تكن هذه الوسيلة فهي لا تكاد أن تخرج في الغالب عن وعظ أو حوار أو إنكار أو مدارسة أو تعليم أو مكاتبة ونحو ذلك, وقد اكتنف ذاك السبيل النبوي بعض من لا دربة له ولا سابق خبرة ولا كفاية علمٍ فغبّشوا بعض مسالكه على غيرهم ودفعًا لغلوائهم هذه مشاركة ببعض المهمات التي كتبتها لنفسي المقصرة ولإخوتي سائلًا ربي التوفيق والهدى والسداد.
    فمن المهمات بين الإخوة في المحاورة والمدارسة: تجريد النية للعليم الخبير سبحانه, وتصفيتها من شوائب الرياء وعوالق السمعة وحبائل التصدّر وغوائل الظهور, وقاني الله وإياك ذلك, وجعلنا من المخلِصين المخلَصين, فكل شيء لغير وجه الله يضمحل, وقد كان الإمام النووي رحمه الله تعالى يكتب ويحرّر المطوّلات حتى إذا كلَّ ألقى القلم وهو يتمثل:
لئن كان هذا الدمع يجرى صبابة      على غير ليلى فهو دمع مضيّع
   وقد قيل: تخليص الأعمال مما يفسدها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. نعم فمن رأى إخلاصه فإخلاصه محتاج لإخلاص!
    ومن المهمات: مراعاة المتابعة للسنّة, ومن لوازم المتابعة الرفق_إلا في حالات خاصة كالمعاند المستكبر_ ومراعاة أحوال المخاطبين, والتدرج, قالت عائشة رضي الله عنها: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا, ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا". قال ابن حجر في الفتح "أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندعها؛ وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف".
 ومن ذلك ما جرى للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب في ابتداء دعوته فإنه إذا سمع المشركين يدعون زيد بن الخطاب, قال: الله خير من زيد, تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة. ذكره عنه المجدد الثاني عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله.
    ومن المهمات: بين الإخوة تحرير محل النزاع قبل الخوض فيه, وتحرير معاني الكلم قبل إلقائها في خضم التدافع, وفي الردود تحريرُ محل النزاع وتحديد محور النقاش ونقطة البحث وعدم الخروج عنها إلا بعد إنهائها, والإشارة لذلك, دفعاً لخلط الفهم عند القارئ أو السامع, وفائدة ذلك أن لا يتشعّب الحديث في شجون لا علاقة لها بصلب النقاش.
     هذا وتحرير معاني الألفاظ والمصطلحات عند أهل الفن الداخل تحت مظلته النقاش يختصر الكثير, قال شيخ الإسلام: "فاللفظ المشتبه المجمل إذا خص في الاستدلال وقع فيه الضلال والإضلال وقد قيل: إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء".
    ومن المهمات: إحسان الظن بأخيك, وحمل كلامه على أحسن محامله, فإن لم تجد فقل: لعل له عذراً لا أعلمه.
تأنّ ولا تعجل بلومك صاحباً      لعلّ له عذراً وأنت تلومُ
   ومن المهمات؛ الفرح بالحق حيث كان, ولو ممن تدارسه والحذر من آكل الحسنات الحسد, فافرح بالحق ولو جاءك على صفة المناظرة, فالمُدارسة والمناقشة من طرق التحصيل والتثبيت للعلم لمن أصلح الله حالهم. والرحمة بالخلق سيما المؤمنين, ومن محاكّ الصدور الفرح بالحق من فيّ الخصم, وهذا من خلق السادات, وعادات السادات سادات العادات, وممن اشتهروا بذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
    ومن المهمات: الحلم والصفح وقول الحُسنِ واختيار رقيق اللفظ وليّن العبارات "وقولوا للناس حسناً" "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم" قال ابن الجوزي رحمه الله: "إذا خرجت من فيّ عدوك لفظة سفه, فلا تلحقها بمثلها تلقحها, فنسل الخصام مذموم".
    ومن المهمات: تذكر زوال الدنيا وأن كل شيء هالك إلا وجهه, سبحانه وبحمده, وان الأجل أقرب مما نتصوّر:
وأبرح ما يكون الشوق يوماً      إذا دنت الديار من الديار
   وقد كان إمام السنة أحمد كثيراً مايتمثل بـ:
وما هي إلا ساعة ثم ساعة       ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى     ويدنين أشلاء الصحيح إلى القبر
   ومن المهمات: الهرب الصادق واللجأ والاعتصام من موجبات غضب الله تعالى, كالشرك والبدع والذنوب, كما قال عنها ابن القيم: "فهذا منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه, ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه, فاعزلوا عن هذا طريق هذا السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح". 
    ومن المهمات: الصبر على طريق الهدى والحق, وإن كنت وحدك فإبراهيم الخليل عليه السلام كان أمة وحدة, وإذا عظم المطلوب قل المساعد, واصبر هنيهة فعن قريب تنقضي, فمن استطال السفر ضعف مسيره.
    ومن المهمات: رد الخلاف إلى الله (لكتابه) ولرسوله (لسنته).  قال شيخ الإسلام: "وهكذا مسائل النزاع التي تنازع فيها الأمة في الأصول والفروع, إذا لم تُردّ إلى الله و الرسول لم يتبين فيها الحق, بل يصير فيها المتنازعون على غير بيّنة من أمرهم, فإن رحمهم الله أقرّ بعضهم بعضاً ولم يبغ بعضهم على بعض, كما كان الصحابة في خلافة عمر و عثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقرّ بعضهم بعضاً ولا يعتدي عليه, وإن لم يُرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم, فبغى بعضهم على بعض إمّا بالقول مثل تكفيره وتفسيقه, وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله, وهذه حال أهل البدع و الظلم".  
     ومن المهمات: مراقبة الله تعالى في التعامل مع المخالف مهما كان حاله, قال شيخ الإسلام: "ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" وقال تعالى: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط".
ويشتموا فترى الألوان مسفرة      لا صفح ذل ولكن صفح أحلام
    ومن المهمات: تعلّم أصول المدارسة والحوار والمناظرة؛ ومن ذلك حسن الاستماع, ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول, والإيجاز, وحسن الإيجاز: أن لا تبطئ ولا تخطئ, وترك التكرار إلا لحاجة, فتكراره إلى أن يفهمه من يفهمه يكون قد مله من فهمه, وخير الكلام ما لم يحتج بعده لكلام, وخير الكلام ما قلّ ودلّ ولم يطل فيمل, ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق, ويكفي متين القول عن حواشيه, ومنها: عدم الاغترار بكثرة الحجج إن لم يكن لها حقيقة.
إن كان في العيّ آفات مقدرة       ففي البلاغة آفات تساويها
    تكلم رجل عند معاوية رضي الله عنه فهذر _أي: خلط وتكلم بما لا ينبغي_ ثم قال: أأسكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل تكلمت؟! وقال أحدهم: رأيت عورات الناس بين أرجلهم, وعورة فلان بين فكيه.
رأيت اللسان على أهله       إذا ساسه الجهل ليثاً مغيراً
    ومنها: ترك ما يموت بتركه من الباطل, قال حاتم الطائي: إذا كان الشيء يكفيكه الترك؛ فاتركه. وبعض الرد وتكراره يحيي الشبه في النفوس, التي ربما همدت ونُسيت بترك طَرْقها.
    ومنها: الأناة والهدوء, حتى ينتهي مقال أخيك سواء شفاها أو كتابة, فضيق العطن والعجلة ليست من سيما أهل العلم, وتكلّم بعلم, أو اسكت بحلم.
    ومنها: ترك الظن الباطل, وهو العريّ عن برهانه, كما قيل: ثبت العرش ثم انقش.
    ومن المهمات: أن يعلم أن كلامه المكتوب والمسموع والمشاهد معدود من عمله, ومحفوظ في سجلات الكرام الكاتبين, ومنها: أن يعمل بقوله قدر طاقته, قال زبيد اليامي: اسكتتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة: من كان كلامه لا يوافق عمله فإنما يوبخ نفسه.
    ومنها: أن يقول الحق لا تأخذه فيه لومة لائم, ولمّا تكلم جلساء معاوية رضي الله عنه والأحنف ساكت, فقال معاوية: يا أبا بحر, مالك لا تتكلم؟ فقال: أخافكم إن صدقت, وأخاف الله إن كذبت. وقد قال الأول: إذا لم تقل الحق فلا تقل الباطل. وكلّ كلمة لها من الله طالبٌ فمعتق أوموبق. "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" وجماع ذلك: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
    ومنها: ألا يعتقد ثم يستدل, حتى لا يزيغ البصر فتتبعه البصيرة. والذنوب كلها شؤم "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم".
    ومنها: أن لا يُبدي ولا يبدأ في الإسلام رأياً ليس له فيه إمام, بل يتبع ولا يبتدع فقد كفي.
     ومن المهمات: أن يحرّر كلامه قبل نقله, وأن يكون عنده ميزان وبصيرة بالمقولات التي بين يديه, حتى لا يكون إمّعةً, قال رجل لعلي: أترى أننا نظن أنك على الحق وفلاناً على باطل؟ فقال علي: "ويحك يا فلان! الحق لا يعرف بالرجال, اعرف الحق تعرف أهله" وانظر جواب الشيخ أبا بطين رحمه الله لما سئل: لو كان هذا حقاً ما خفي على فلان...".   
    ولا للاصطفاف على غير علم, والتخندق على غير حلم, والنصر الأعمى بلا حكمة, بل لابد من النضج الخلقي والعلمي.
    ومنها: اللين في الخطاب, والحكمة في الموعظة, والسهولة في الأسلوب, والتعريض دون التصريح عند الحاجة, فإن لم ينجع فبما بال أقوام, وآخر العلاج الكي. "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".  والعامة تقول: الكلام الليّن يغلب الحق البيّن.
    ومنها: اعتبار اختلاف الرأي لا يفسد الود فيما يسوغ فيه الخلاف, وهذا حال السلف الصالح. ومما يلحق بذلك؛ أن لا يشترط قبول الطرف المقابل لرأيه واجتهاده, بل يكفيه أن يستمع له ويفهمه, والحوار الهادف المنضبط هو من قبيل تدارس العلم، ومن أسباب نمائه وتثبيته ونشره, فهو مأجور من هذه الحيثيّة.
    ومنها: أن لا يردّ البدعة بأختها, بل بالسنة. قيل لإمام دار الهجرة مالك رحمه الله تعالى: الرجل يأمر بالسنة؟. قال: نعم. قيل: أيجادل عنها؟ قال: لا. ونبيّنا صلوات الله وسلامه عليه زعيم بيت في ربض الجنّة لمن ترك المراء وإن كان محقاً.
    ومنها: الحذر من أن تأخذه العزة بالإثم, قال ابن مسعود رضي الله عنه: من قيل له: اتق الله, فقال: انشغل بنفسك, فقد أخذته العزّة بالإثم, وما أقلّ من يسلم من ذلك في مضائق المناظرات. ومن توابع تيك المنقبة؛ اعتبار الرجوع عن الخطأ فضيلة -عملياً- وعدم التردد في ذلك, وأن يتحلّى بالفروسية في مُسايفة الكلم ومُثاقَفَةِ الخُطب, وأن التواضع للحق, وكسر نخوة النفس, خير في العقبى والأولى من الإعناق في باطل مشوب بتأويل.
وملاك القول أن من علامات التوفيق ألا تفرح بعجاج الجدل ونقع المراء.
    وبالجملة؛ فمِن حُسنِ سياسة الناس في التعليم والمدارسة والمناظرات والمحاورات لين الجانب وبسط الوجه وبشاشة العبارات وإرادة الخير للمقابل ظاهراً وباطناً, وهناك خيط رفيع بين الحوار "المدارسة" وبين المراء "المهاترة" وإرادة العلو في الأرض, وهي مذمومة ولو كانت بحق, ناهيك عن كونها بالباطل!
    فإن كانت المدارسة هكذا وإلا فلتكسر الأقلام ولتمزق الصحائف، فكل حزب بما لديهم فرحون، قد تلبّس الشيطان أفئدتهم فأوحى إليها زخرف القول غروراً، فتناولت العزة بالإثم أناملهم فكرعت في الكبر, وخاضت في الباطل.
    جعلنا الله جميعاً طلاب حق, وأخذ بأيدينا وهدانا سبيل المنعم عليهم، وأبعدنا عن موارد الغضب ومواطن الضلال، آمين.
    سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إبراهيم الدميجي
صحيفة آفاق نيوز
aldumaiji@gmail.com

الأربعاء، 30 أبريل 2014

قبسات من الحنيف العفيف (1/ 2)

قبسات من الحنيف العفيف (1/ 2)

كتاب الله مورد نقي للعلم ومنهل فياض للإيمان, ومتى يمَّمْتَ وجهك بصفاء عقل ونقاء نفس لعمود نوره؛ تدفّقت في روحك معاني الجلال والجمال والكمال لهذا الكلام الرباني الإلهي.
ومهما عبَّ الأولون من معين هدايته فلن يُنضبوه, وكم ترك الأولون للآخرين من هداياته وعلومه وعجائبه! إنه كتاب الله وكفى!
وسنقف هنيهات على شاطئ بحر النبي الكريم ابن الكرام يوسف عليه السلام, ورشفات تدبريّة من سحِّ غيث سُورته وسيرته.
"إذ قال يوسف" اسم جميل, وحروفه رقيقه, وجرسه عذب, ومعناه في العبرانية (الله يعطي/ عطاء الله) لقد هذّب الإسلام أسماء العرب, فما كانوا يسمُّون بنيهم بأسماء الأنبياء إلا على سبيل الندرة, وكانوا يعبّدون أسماء أبنائهم لغير الله, كما كانوا يسمّون بالمكروهات والمستبشعات, فجاء الإسلام فهذب ذلك كلّه, فأمر بألا يُعبّد الاسم إلا لله وحده, وأغرى بذلك على سبيل الابتداء؛ فأحبُّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن... وبأسماء الأنبياء ثم أجِلَّةِ الصحابة... وغيّر الأسماء المكروهة, وأوصى بمراعاة معاني الأسماء... فحسنت حينئذ أسماء العرب.
"ويتم نعمته عليك" تنبأ له بالنبوّة, وهذا من وحي الله له. أما متى أوحي إليه فلعله حينما كان في الجبّ, وهو الأظهر لقوله سبحانه: "وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا" أو أن زمان الوحي قد تأخر حتى: "ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا" فيكون هذا توقيت إيتائه الحكم والعلم والنبوة, أما الجبّ فلعله كان إلهامًا خاصًّا, أي أنه أخصّ من إلهام أم موسى "وأوحينا إلى أم موسى" والنحل "وأوحى ربك الى النحل"
"إن ربك حكيم عليم" تربية الصبي على التعلق بربه تعالى منذ نعومة أظفاره, وهذا منهاج الأنبياء في التربية فإحسان التعلق بالله هو معدن الفلاح بحذافيره، منه بدأ الإسلام وإليه يعود الإيمان وعليه قام الإحسان.
"وشروه بثمن بخس" ومن كان يتصوّر أن بضاعته نبي كريم يوحى إليه؟! 
"أو نتخذه ولدًا كذلك ومكنّا ليوسف في الأرض" إما أنه انتقال زماني, أو هو التمهيد لتحمّل أعباء الوزارة, فقد تربى على يد خازن أرض النيل الذي جعله كابنه تمهيدًا لوزراته المُرتقبة خلف سجف الغيب, لذلك ذكرها هنا فقال: "كذلك مكنّا ليوسف في الأرض" وإنما هي التهيئة للتمكين, وإذا أراد الله أمرًا هيّأ له أسبابه.
 ومن فروع تلك السنة الربانية في سورة يوسف أيضًا أن امرأة العزيز قد أنطقها الله باكرًا إذ اعترفت أمام لداتها ومنافساتها ببراءة يوسف, بل والمبالغة في وصف صيانته وعفافه: "فاستعصم" حتى إذا استدعاهن الملك بعد سنين قائلًا: "ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه" أُسقط في يدها ولم يك بدّ من اعترافها أمام الملك, لأن النساء سيشين بما فاهت به أمامهن خوفًا من بطش الملك الذي توعدهنّ جميعًا بهيبة مقامه وإن تخلفت حروف مقاله.
  ومن فروعها كذلك أن الفتى الذي أنجاه الله من السجن, ونسي وصية يوسف له, ذكّره الله ذلك بالرؤيا العجيبة للملك التي أعجزت المعبرين, وهذافي القرآن كثير.
"إن كان قميصه قدّ من قبل" حسن ابتداء لقوّة الحِجَاج, فبدأ بذكر الأمر الباطل ليسقط ومن ثمّ ينفرد الحق بالوضوحوالمنعة.
"استغفري لذنبك" أمرها بالاستغفار "إنا لنراها في ضلال مبين" شهادة النسوة بذم الخنا "ملك كريم" إيمان بالملائكة, بل والقوم يؤمنون بأصل الربوبية "إن الله لا يهدي كيد الخائنين" فأصول الأخلاق ومجمل الغيبيات كانت موجودة حتى مع كفرهم وشركهم, ولعلّ هذا من آثار انبياء سبقوا "ومنهم من لم نقصص عليك" وكم في نفوس الأمم من بقايا أنوار النبوات التي لم يكد يبق لها الشرك والجهل باقية!
"إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها" بذل الأسباب اتقاء العين. وفي هذا إشارة إلى أن عمله هذا قد تسبّب في نُجْعِ مقصوده, مع أن الأمر كله بيد الله, "ما كان يغني عنهم من الله من شيء"
"ارجعوا إلى أبيكم" وَحَشَتْهُ معصيته لأبيه في أخيه, فنأى باسم أبيه الشريف أن ينسب إليه نفسه المقصّرة, فهو كبيرهم عقلًا وخلقًا وربّما سنًّا, ولعلّه القائل أوّلًا: "لا تقتلوا يوسف" لكن غلبته كثرتهم وضعفه. أما يوسف الصدّيق فقال متلذّذًا بالقرب الشعوري: "أبي"
"يا أسفى على يوسف"  الشجى يبعث الشجى, ولما تفاقم الأمر أيقن الفرج, فقال محسنًا الظن فيمن لا يأتي الخير إلا من قبله أن يأتيه بثلاثتهم: "عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا" والرزايا إذا توالت تولّت.
"إني لأجد ريح يوسف" لعله شمّه بروحه, وقد شمّ ابن النضر ريح الجنة ولمّا يمُت,وللأرواح شأن أيُّما شأن!
"فارتدّ بصيرًا" ولم يقل مبصرًا,  مبالغة في الإبصار, وإيماء إلى مدح بصيرته التي تحققت بحسن ظنه بربه الكريم الرحيم.
"يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا" حسنُ تلطّف, فقد استعطفوه أولًا بندائه باللفظ المحبَّبِ المذيب لصمِّ الجلاميد. "يا أبانا" ثم طلبوا منه أن يستغفر لهم الله, وفي هذا توبة لله وأوبةٌ لعهده, وتعظيم لجنابه, ولعلمهم أن أباهم النبيّ الكريم يحبّ توبتهم لله واستغفاره لذنبهم قَبْلَ اعتذارِهم له, حتى وإن أبكوه أربعين سنة حتى ابيضّت عيناه من الحزن والكظْم. لذاك قالوا: "استغفر لنا" ولم يقولوا: اعف عنا.
ثم استكانوا معترفين بالذنب, فسمّوا أعمالهم ذنوبًا, ومن أعظمها غدرهم بيوسف. ثم اعترفوا بخطئهم العمد فقالوا: "إنا كنا خاطئين" ولم يقولوا: مخطئين. وهذا عينُ ما قالوه ليوسف لما فاجأهم بتعرّف نفسه إليهم فقالوا حينها: "تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين" فاستفادوا منه العفو المباشر عنهم لمّا أسندوا نعمته ونصره لله وحده, إذ الأنبياء لا ينتصرون لأنفسهم قط بل لله فقط, ولا يحبون حمد ذواتهم بل حمد الحميد المجيد.
...يتبع
ومضة: سيأتيك يوم لن تجد من والديك سوى الذكريات, فاصنع الآن ما تريد تذكّره غدًا.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية

الجمعة، 11 أبريل 2014

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

إذا ما الهوى يوماً تصدّع شمله ...  فأخْلِقْ بشمل الصبر أن يتصدّعا
لبعض الأنفس والوجوه والبقاع والكتب والمجلات ذكريات لها ضوعُ نسيم مسكيّ ينتشر بين جنبات الحنين, معلنًا شوقه لمن يحب ولهفه للقياه, أعظمها بإطلاق: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت"
الحراك الثقافي أيًّا كان لونه وتيّاره لا بد أن يمر بتموجات ومنعطفات وتعثر وقفز وطفولة ونضج وشيخوخة.. لذا كان من الجيد صقل تجربة الماضين بالنقد الهادئ الهادف الواعي من لدن أهل حدب ونصح واختصاص.
ومن يمّم وجهه شطر الكتابات التراثية للجزيرة العربية في الزمن الحاضر فلا بد أن يقف متشوّقًا متلذّذًا لتدوينات الراحل علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله تعالى. (1328_1421) فهذا الإنسان النادر قد حباه الله صفات ووفقه لأسباب أهّلته لتسنّم الريادة في تأريخ وبلدانيّة وأدب ولغة ونسب جزيرة العرب خلال الثلث الآخر من القرن الرابع عشر الهجري.
كما كان عضوًا في المجامع العربية الكبيرة وقد قال عنه طه حسين في مجمع اللغة القاهري: الأمر عندنا في شأن جزيرة العرب هو ما اختاره الشيخ حمد الجاسر فهو أعلمنا به.
ومن خلال تأمل صفاته الشخصية وسماته النفسية يبرز لنا الذكاء العربي المتوهّج مع ذاكرة تبزّ الحاسوبات المتطورة, إلى جَلّد وصبر ودأب في تقليب صحائف الكتب الورقية وصفائح المواضع المكانية, إضافة لحسٍّ أدبي مرهف, ودعابة نجدية خفيفة ظل, وتواضع حقيقي لا مزيف, واستمتاع وإمتاع في الرحلات وتوثيقها, ولعل ضعف بنيته الجسدية قد أوقد في روحه جذوة التحدي والمغامرة؛ فضعف المؤمن في جسده وقوته في قلبه, ولا يستطاع العلم براحة الجسد.
لعلّامتنا الموسوعي تراث منوع زاخر بين كتب محررة ورسائل محقّقة ومقالات موعبة في العمق التراثي المعرفي, سواء في تحديد المواضع أو المباحث اللغوية أو التراجم أو الرحلات أو الخيل أو الأنساب, وقد جاوزت تدويناته الألف!
لقد كان الشيخ حمد مشروعًا يمشي على رجلين, فواضح لدى أول مطالعةٍ لتراثه أن لديه رسالة واضحة المعالم قد رسم أطرافها بدقة متناهية يريد إبلاغها لمستحقيها من رواد المعرفة وأًهيل التراث, ويكأنّ هناك سلكًا لامعًا ينتظم جميع مؤلفاته مهما اختلفت ألوانها.
ومن أمْثَلِ كتبه القيمة تحقيقه الدقيق لكتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة للإمام الحربي وكتابه القيم _ وكان كثيرًا ما يحيل إليه _ أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع.
 أما مقالاته فلها صفتي الشمولية والتحرير مع إيجاز جميل لأهم عناصر الموضوع, واعتبر ذلك بمقاله الماتع العميق (الآثار الإسلامية في مكة المشرفة) وأصله محاضرة في جامعة أم القرى ثم نشره في مجلة العرب, وهو عبارة عن بحث تأريخي ينسف كثيرًا من متعلّقات أهل الخرافة والتبرّك غير المشروع في بطاح مكة الشريفة, وقد أثاروا عليه حينها رياحًا قصفتْهَا زوبعتُه العلمية الدامغة بقوة البرهان لا بسلاطة اللسان؛ إذ من مزايا هذا الفذّ كراهته للخصام والمماحكة وقراع الجدل, قُصاراه أن يرصف درره بهدوء, ثم يرحل بسلام.
أما واسطة عقد مشاريعه فهي مجلة العرب التي كانت كالعلم الشامخ والغيث المُشام مطلع كل شهرين (عددان مزدوجان) ابتداء من (1386) فما هو إلا أن تصدر حتى تتلقفها أصابع العطاش للفوائد والفرائد من متخصصين وهُواة. وقد بذر الراحل شجرتها بنفسه وسقاها وأترعها حتى قامت كدوحة مأهولة, وآتت أكلها طيّبا حلوا نضيجًا.. كما دفع عنها بعون الله عاديات الحسدة والمخالفين بلطف وتودد وحسن سياسة منه رحمه الله. وهذه المجلة هي إحدى ثمار مشروعه التراثي دار اليمامة التي أنتجت كذلك مجلة اليمامة وجريدة الرياض.
فقد كان يكتب فيها بقلمه _ ولا يكتفي بمقال افتتاحي _ ويرد على القراء تساؤلاتهم بوافر العلم والأدب والحلم والموضوعية, ويستكتب القامات العظيمة من كبار كتاب وأدباء ومؤرخي ذلك الوقت كابن خميس وابن عقيل والعبودي والعقيلي والعلي والأحمد في كثير من أهل اليراعات البارعة في صقل العقل بمداد الحكمة, وإشباع النفس برقة الأدب, وإرواء المشاعر بلطف المسامرة وحسن المساجلة.
ثم أذن الله بهبوب رياح الفناء على تلك المجلة الفاخرة فأحالت مرابعها يبابًا بعدما قطعت من عمرها سنين عددًا, فكان خاتمها عدد ذي الحجة (1433) بعد ثمانية وأربعين من الأعوام.
هذا وقد مرت المجلة بمرحلتين: الفتوة مع الكهولة حتى رحيل الشيخ حمد سنة 21 ثم هبط سهم القيمة النوعية لغروب أرطبونها الأول, وهذا _ في ظني _ أكبر الأسباب, فقد كانت المجلة شبه مركزية, كما لا يطبع فيها مداد حرف بدون موافقة الجاسر رحمه الله, ومن ثم حاول الفريق التالي متابعة المسيرة ولكن تبين لهم كم هو شاق ذلك الطريق, وكم هو عظيم ذلك الرائد الراحل التي حملها على كتفية قرابة 34 سنة حتى غدت مرجعًا تراثيّا فكريّا بلدانيّا. ولحال مجلة العرب أشباه كالمجلة العربيّة التي خبت حينما ترجّل عنها الأديب الخلوق حمد القاضي, وكخفوت وهج مجلة المعرفة حينما رحل عن تحريرها الأخ زياد الدريس وهكذا.. الشاهد أن هذه الصدمة العثارية لا بد أن تصيب _ مؤقتًا _ المؤسسة الثقافية بخروج روادها على حسب ثقلهم ومركزيتهم, لذلك فمن المفيد لكل مشروع ثقافي يراد له الاستمرارية تشكيل فريق متجدد ذي رؤية متقاربة وأهداف محددة ورسالة سامية تتجاوز الأنا للجماعة, والوطن الصغير للكبير, والزمن الحاضر للمستقبل, فتمزج الأصالة بالمعاصرة, وتصقل حماسة الشباب بحكمة الشيوخ, وتبني أسسًا وقواعد عليها يقوم ساق منارة المعرفة!
لقد كان الفقيد رهيف الإحساس لنقاء التوحيد وصفاء الفطرة, وكثيرًا ما كانت تكدّره قالات مناوئي الدعوة السلفية, فيردها بأسلوب لطيف مختصر مباشر حاسم, فمن ذلك أنه كان لا يكاد يفوّت نقيصة ضد التوحيد وأهله وتصنيفاتهم في مقالات كتّاب مجلته دون أن يهمّش بردّ من ذلك القبيل الآنف. فهي أصالة وصفاء لا تقبل الشوب والكدر بدعوى التعدّدية. ولا غرو فقد تربى على أيدي فطاحلة العلم كالشيخين العتيق وابن إبراهيم رحمهما الله, وقد تولى قضاء ضبا فترة بأمر شيخه ابن إبراهيم.
وكان آخر ما سطره يراعه الشائق جملة تختصر حياته الروحية والعلمية, فقد كتب وهو على السرير الأبيض قبيل الرحيل: فإذا عزمت فتوكل على الله, توكلت على الله.
وختامًا هل من رافع للواء مجلة فكرية تراثية تاريخية أدبية معجمية بلدانية تجمع تليد الأصالة النقية إلى طريف المعاصرة الفتية؟ لعله. فالأمة ولود, والخير من معدنها متتابع. والله المستعان.
بارقة: لطيفة عزيزة تلك اللحظات التي تستدعي هتافنا مع الصمّة القشيري:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني  ...  على كبدي من خشية أن تصدّعا
وليست عشيات الحمى برواجع  ...  عليكَ ولكنْ خلِّ عينيك تدمعا

إبراهيم الدميجي
الاقتصادية
aldumaiji@gmail.com

الأحد، 30 مارس 2014

رائع هو.. إحسان الظن

رائع هو.. إحسان الظن

   الحمد لله وبعد: فمن شيم المؤمنين إحسانُ الظنون بعباد الله, فلا يتبعون سوءَ الظنّ إلا عند غلبة الشبهة, مع ذلك فلا يحقِّقُون سوءَ ظنّهم, بل يحملون لإخوانهم أعظمَ المعاذير, وأجمل المحامل, فيقول الصالح لنفسه وقد بلغه عن أخيه سوءٌ: لعلّ الخبرَ لا يثبت, لعلّها نميمةٌ وبهتان, لعلّ أخي المسلم الذي قيلت فيه القالةُ لم يقصد, لعلّه كان ناسيًا, لعلّه كان غافلًا, لعلّه لعلّه.. فيستطيلُ في تلمّس أعذارِ أخيه, فيروح وقد أراحَ فؤاده من حرارة الأحقاد, ووساوس المعاداةِ, فيكسب بذلك أربح التجارات, إذ قد ربح أجره, وربح راحة نفسه, وربح محبّة الناس له, وربح النُّجحَ في أموره لحسن نيّته, فالله شكور حميد, وربح حُسن العاقبة في الدنيا, فكم ممن قصد الإضرار بعبدٍ ثم تاب وأناب وشكر ذلك المضرور على إحسانِ ظنٍّ نفعه ولم يضرّه.
    والطباع سراقةٌ, والجبلّات نزّاعة, وإنّما الحلم بالتحلّم, ومن فروع الحلم حسنُ الظنِّ, ويتأتّى بالدُربة والممارسة وتعلّمِ أسبابِ ذلك, وتلمّحِ موارده, والبحثِ عن متمماته, وفحصِ غوائلِ النفسِ, وتنظيفِ دغائلِها على من لا يستحقون سوى الإحسان.
قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قال بعض السلف: من جعل لنفسه من حُسْن الظَّن بإخوانه نصيبًا، أراح قلبه. وقال رجل لمطيعِ بنِ إياس: جئتُك خاطبًا لموَدَّتك. قال: قد زوجتُكَهَا على شرط أن تجعل صدَاقَهَا أن لا تسمع فيّ مقالة النَّاس.

ومرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوَّى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. قال: والله ما أردت إلَّا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. ألا رحمة الله على المُطّلبي, ما أحكمه وأرحمه وأحسن ظنه!
 ومن رام النجاة فليأخذ بأسبابها, وليتعلّق بِعُراها, وما ثمَّ إلا توفيقُ الله تعالى وهُداه, وقد جعل الله لذلك أسبابًا فمنها:
 أن يلتمسَ الأعذارَ للمؤمنين، قال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه. وفي التماس الأعذار راحة للنَّفس من عناء الظَّن السَّيئ، الذي يشغلها ويقلقها، وفيه أيضًا إبقاءٌ على الموَدَّة، وحفاظ عليها من الزوال والانتهاء. وكان بعض الصالحين يردّد:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا   ...   لعلّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ
ومنها: إجراءُ الأحكام على الظاهر، وإيكالُ أمر الضَّمائر إلى الله العليم الخبير، واجتناب الحكم على النِّيَّات، فإنَّ الله لم يكلِّفنا أنَّ نفتِّش في ضمائر النَّاس. لذا فالاكتفاء بظاهر الشَّخص، والحكم عليه من خلاله، من أعظم بواعث حُسْن الظَّن، وأقوى مثبتاته.
إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظنونهُ   ...   وصدّق ما يعتاده من تَوَهّمِ
قال أبو حامدٍ رحمه الله: إنَّ الخطأَ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلمُ من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكتَ إنسانٌ مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرّض للهلاك، بل أكثرُ ما يُعْلمُ في النَّاس لا يحلُّ النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجرَ عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب.
هذا وقد أجاز العلماء بعض صور سوء الظن, كمن بينه وبين آخر عداوةٌ, ويخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ عليه أن يحذَرَ مكائدَهُ ومَكْرَه؛ كي لا يصادفه على غرَّة فيُهلِكَه. ومن ذلك من أظهرَ المعصية وتخلف عن الطاعة بلا عذر, كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ. رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: وشتّان بين ظنِّهم وظنِّ أحدِ الناس الذي فقد جارَهُ عن شهودِ الجماعة بضعةَ أشهر, فأخذ في الكلام في عرضه, والحطِّ من قدره, وأن فيه من سيما المنافقين, وكذا وكذا.. ولم يكلّفْ نفسه السؤالَ عنه, ولا احتمالَ حسنِ الظن به. وفي أحد المجالس بعدما أرغى وأزبد وانتفخ بالباطل, ردّ عليه أحد جيرانه: إن فلانًا الذي ما زلتَ تتكلمُ فيه قد كان مصابًا بمرض خطير ألزمه البيت ستّة أشهر, ثم توفاه الله بعدها, فأُسقطَ في يدِ صاحبنا! ولكن بعد خراب البصرة!
إن حسن الظن هو القاعدة, وسوؤه مع مبرّره الملحُّ هو الاستثناء, فإن انقلب الاستثناءُ قاعدةً هَلَك الناس! قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمةً يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا.
 وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من علم من أخيه مروءةً جميلةً فلا يسمعنَّ فيه مقالاتِ الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى.
فعلى المؤمنِ الناصحِ لنفسه أن لا يبحث لها عن المعاذير والمخارج, وأن لا يُرْكِبَهَا قلائصَ التأويلِ التي لا تُغني عنه من الحق شيئًا, في إساءة الظن بما لم يؤذن له فيهم من المؤمنين, بل عليه أن يسيءَ الظن بنفسه, ويحسن الظن بالعباد, وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فقال: "إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" رواه أحمد, قال النَّووي: المراد: النَّهيُ عن ظنِّ السَّوء، وقال الخطَّابي: هو تحقيقُ الظَّن وتصديقُه دون ما يهجسُ في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي: أنَّ المحَرَّمَ من الظَّن ما يستمرُّ صاحبُه عليه، ويستقرُّ في قلبه، دونَ ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ به.
ومن جميل أقوالهم: السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت. وقال أحد الزُّهاد الحكماء: أَلقِ حُسْنَ الظَّن على الخَلْق، وسوءَ الظَّن على نفسك، لتكون من الأوَّل في سلامة، ومن الآخر على الزيادة.
بارقة: تكلّم أحدهم على الحسن ثم ندم واعتذر؛ فعفى عنه وأوصاه بقوله: لا تخرجنّ من بيتك وفي نفسك أنك أفضلُ من مؤمن تلقاه قط.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com