إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

السبت، 5 يوليو 2014

تعلّمْ أن تُحِبَّ النّاس

تعلّمْ أن تُحِبَّ النّاس
الحمد لله وبعد: فما هو الشيء الذي يسعى لتحصيله كل الناس ويبذلون لأجله أغلى ما عندهم ثم في النهاية لا يحصّله على التمام إلا الأقلون؟
إنه السعادة, وهي ذلك المزيج الشعوري الجميل بإدراك المُنى, وتعظم السعادة حينما تكون الأمنية عظيمة وإدراكها تامًّا, فكلما قويت الرغبة ازدادت نشوة الحبور عند إدراكها, وتأمل أعظم نعيم الجنة بلذة النظر إلى وجه الجميل سبحانه! فاللهم نسألك من فضلك العظيم.
في هذه الدنيا لا يخرج الإنسان عن ثلاثة أحوال – مع تعاقبها عليه – فإما أن يزيد زمان سعادته على عدمها, أو العكس, أو استواء الطرفين. وكل إنسان يسعى لتكميل نقص أسبابه لتحصيل رغيبته العاجلة أو الآجلة. وهل أنعم من الراحة والعافية!
تريد راحة نفسك إذن فلا تُعلّقها بما لا بد لها من فراقه من حطام الفانية أو سُكّانها. فعلى قدر زهد قلبك تفوز براحة روحك, فنعيم الدنيا مُنغَّصٌ مهما استدارت بك ألطافه, وأكدارها زائلة مهما لوّعتك خطوبها, بل لا شيء لأجلها يستحق الكراهية.
تريد نعيمًا لا كدَّ فيه ولا كدر معه, ابشر به فهو في متناولك, إنه حب الخير للناس. وإنه ليسير على من يسره الله عليه, وإن الموفق المحظوظ هو من أكرمه الله به. فهو جَنَّةٌ قبل الجَنَّةِ, وراحةٌ قبل الراحة, وسرورٌ يستتبع سرور. أّولا يكفيك يا صاحبي: "حتى يحب لأخيه"؟  وإن لنَيْلِهِ طرائق وأسبابًا منها عشر أُراها مفيدة:
1-   أحبب نفسك أولًا:
فتعلّم أن تحب نفسك وأنّى لك ذلك إلا إن أحسنت التعرّف إليها فهي بعيدة على قربها وعميقة على قرب تناولها, وصعبة على يسرها. تذكر عيوبك المستورة والمنظورة, واكشف نوازع نفسك, وكن صريحًا في تفتيشها, واحذر خداعها وتلونها, فعقلك قد يخدعك من حيث لا تشعر.
 جِماعُ ذلك أن تكون كما أنت بلا تكلّف ولا تصنّع, أرسل نفسك على سجيتها, فكن بطبيعتك ولا تدّعي لنفسك زكاءً أصفى, ولا ذكاءً أحدّ, ولا علمًا أغزر, ولا مالًا أكثر, ولا مقامًا ليس لك.
فأول درجةٍ في سلم الراحة أن تكشف نفسك كما هي, فلا تُعليها ولا تُدنيها إلا تواضعًا, وليس الإزراء بأشدّ من الاستعلاء, ومن تواضع لله رفعه. وليس معنى ذلك أن تسوطها بسياط الكبت والهضم لما لها فيه سبب فلاح ولطيفةُ فرحٍ, والقصدَ القصدَ تبلغوا.
2-   الحياة أقصر من إضاعتها في الأحقاد والكراهية:
لو رحلت لنزهة قصيرة مع من تحب وقد تعبت في إعدادها فهل ستسمح بسرقة سويعات من وقتك الباهي وزمنك الزاهي في خصومات تكدّر صفو سعادتك في تلك السياحة؟ قطعًا لن تفعل وسيقول حالك: في باقي الزمان متسع للنكد فَلِمَ العجلة؟! فأقول لك يا محب: فالدنيا بأسرها كذلك لمن يحسن حساب الزمن, وما هي إلا سنوات وترحل عنها بعمرك الذي اضمحل في تضاعيف أحداثها, وتنسى كما نُسى سابقوك, فابتهج واسعَدْ وأَسْعِدْ, لا تحبس نفسك في تراث حقدك, وانطلق ففي الحياة متّسع, انتزع رمح الحقد القاتل من قلبك, فلا تسمح لكدر الحقد إن وصل قلبك أن يطيل مكثه أكثر من سحابة قيض نجديِّة! وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا.
3-   استخرج أحسن ما عند الناس:
وستراها أكثر مما تطيق إحصاءها, فما من البشر أحدٌ إلا وهو يمتاز بمحامد, فانظر لها نظر المحب الحامد, لا الغيور الحسود, فالروح الجميلة يطربها جمال الأخلاق, وتهزُّها مكارم الشّيم حيثما كانت, وتأمّل إيجابيات خصمك وحسناته مهما كشف عن وجهه برقع الحياء, وحاول – بكرمك – أن ترفع محامده حتى تفوق وتعلو ما بلغك عنه أو منه من سوء, وانظر لنصف الكأس الممتلئ فيه. ولقد تأملت في الناس فرأيت أن الحسد يستتر خلف كثير مما يسمّونه أسباب كراهية, فجُز ناديهم بطهارة قلبك وبياض فؤادك, وإن البرَّ يا صاحبي أسلافٌ.
4-   صارح من بلغتك إساءته وعاتبه, ولا تقبل فيه قالَةً ما لم تخرج منه بعذر وإعذار:
وكم من لفظةٍ خاطئة خرجتْ فلفظَتْهَا نفوسُ الأخيار فأماتوها في مهدها, ثم شكرهم في قابل الأيام من رَمَوها, وكم كلمةً بريئة من قلب مؤمن غافل تلقّفتها حمّالة حطب النميمة وأركبتها قلائص الغيبة والبهتان ففرقت بين المحبين فطارت بهم إذ لم يتبيّنوا, وأثارت نقع الأحقاد بين المؤمنين بعد أن غاب حليمهم وحضر طائشهم وعجولهم, ومن قرأ التاريخ شيّبتْ قذالَهُ عجائِبُهُ!
5-   تأمل خصمك بعد رحيله عن دنياك أو رحيلك:
اقفز بمخيلتك وارحمهم بعد أن ترحم نفسك, تذكر رحيلك عنهم وتركهم خلفك في ذي الفانية أو رحيلهم لمصيرهم وما فيه من أهوال, نعم يا صاحبي فقد يمتن الله عليك ببصيرة وعلم ويقين بالآخرة وأهوالها, فاجعلها مرآة تعكس تعاملك مع الناس أحبابًا وأخصامًا. واعرف قدر الدنيا.
وما أدنى هِمَّةَ من ينازع على جناح البعوضة! أولم يكفك أن تعلم أن عاجل نصرك هو علمك بخذلان من رام ظُلمَك من جهة ضلاله أولًا ثم ببغيهِ آخرًا, فتذكرها دومًا ففيها للمظلومين سلوىً وعزاء.
6-   تأمل ضعفهم وقلّتهم وفقرهم وحاجتهم:
ولئن تدثروا بالغرور, وتلفعوا بالستور, فلقد علمتَ أنهم مثلك ضعفاء مهما استقووا, وفقراء مهما استغنوا, وقِلّةٌ مهما تكاثروا, ومحتاجون مهما صمدوا بدعواهم! فارحم وأشفق, واسمُ وارتفع فالقاع يا هذا مزدحم.  
7-   تذكر حبهم لله وعبادتهم له ومودّتهم لصغارهم وأهلهم.
فهناك جامع للإنسانية, ومهما ابتعد الإنسان عنك بفعله أو تصوّره أو عدائه فيبقى جانب ولو قليل يستحق منك نظرة وتأمّلاً, فتذكر مشتركاتك معهم مهما دقّت, فمن كان منهم حنيفٌ فأحببه لإيمانه, فهو يعبد الإله الحق الذي تعبده, ويتطهر له ويسلم وجهه له, ومن كان غير ذلك فأشفق عليه وارحمه من شقوته, واسع في هدايته ورشده.
حتى البهائم والنبات والجمادات تلك المخلوقات المُسبّحة بحمد ربك يتلمّسْنَ من فؤادك المفعم بالطهر خفقة مودّة ودفقة اعتراف بجمالهن المكنون والمنظور, وما أجمل قلبك إذ يعجُّ بالعنادلِ المغرّدة, ولن تخسر يا صاحبي شيئًا بهذا الحب الجميل.
8- ادع لهم واستغفر لهم بظهر الغيب:
تذكّر فضل العفو والصفح والمسامحة, ولا تحسبنّك بالعفو تخسر, كلّا وربّي! ليكن حسن الظن رائدك, وتلمس جوانب العتبى والعذر لمن آلمَ ذاكرتَك أو جَرَحَ فؤادَك أو اكفهرت لأجله روحُك. سِرْ رويدًا في فلاة الطهر وأخمد جمر الانتقام بصب ماء العفو, ولا تلتفت لأصوات الغضب بين جوانحك وأغلق مراجلها بهتافك لها: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" فهلّا تذوّقتَ ليلةً أن تدعو صادقًا لعدوّك في سجودك؟! كن من الثلة السابقة بحمل أثقال الأخلاق, ولكلِّ سلعةٍ ثمنها "ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين"
9- تأمل سيرة خيرة خلق الله, ثم عظماء النبلاء ممن آتاهم الله رشدهم:
ومن تأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته على حبه الخير مع اختلاف الأحوال والأهوال عليه رجع بيقين نبوّته وصدق رسالته.
10- تذكّر أنك الكاسب الرابح والغانم الفالح:
فكم ستشتري سعادتك وانشراحك بمحبتك ورحابة صدرك وسعة عقلك. أقول: تذوق ذلك واعلم انه بلسمك الدائم, ألا ما أجمله وأبهاه وألذّهُ وأصفاه!
تلك عشرة كاملة, وفيها لمبتغ الخير مغنىً ولخاطب السعادة مقنع.
ومضة: ليس كل صمت حكمة, فبعضه عيٌّ وعجز.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية

7 رمضان 1435

الجمعة، 20 يونيو 2014

مزالق تطبيقية في البصمة الوراثية D.N.A

مزالق تطبيقية في البصمة الوراثية D.N.A
الحمد لله, وبعد: فمن عيوب البشر – وهي من مزاياهم أحيانًا - محبتهم للتجديد والابتكار ومللهم من الرتابة والتكرار, فهي عيب إن جلبت السَّأم من أمر لا بد منه لصلاح الإنسان في دينه كالذكر والصلاة واجتناب الحرام ونحوها, أو في دنياه كفتوره وكَسَلِهِ في عمله وطلب رزقه ومصلحته ومن يعول, كما ملّت بنو إسرائيل المنّ والسّلوى للبقل والقثّاء.
وقد راعى الشارع الحكيم ذلك فنوّع العبادات من ناحية جنسها ونوعها وزمنها ومكانها وقدرها, وقسمها على القلب واللسان والجسد والمال, وجعل للجنّة أبوابًا ثمانية ينادى من اجتهد في عملٍ من بابه.
 ومتى أحسن الناس التعامل مع هذه الغريزة النفسانية فإنها تنقلب دافعًا للعمل ووقودًا للعزم وحاديًا للهمّة, كمن نوّع أذكاره أو جدّد طريقة صدقته أو نوّع سبيل طلبه للعلم أو التجارة ونحو ذلك.
يدخل الخلل من هذا الباب من جهة تداخل حب التجديد أو التنويع أو التبديل فيما لم يأذن به الله لحفظ دين الناس أو دنياهم, ومنه تحتّم مصلحة بقاء ما كان على ما كان. وهذا باب واسع في السياسة ووسائل الدعوة وغيرها ولا تكفي هذه الحروف لبسطها, والمراد ذكر شاهد بذلك وهو ما يسمى بالفحص الجيني D.N.A أو تحليل البصمة الوراثية أو الحمض النووي, وكل هذا فرع عن الهندسة الوراثية.
وهذا العلم جديد بكليّته, ومع أن المشتغلين به قد قطعوا شوطًا بعيدًا فيه, وثبتت لهم فيه أقدام, وصارت بعض نظرياته قطعيات؛ إلا أن لكل جديد فورة وشِرَّةٌ ولأهله صولة وعجلة, حريّ بأهل الإسلام منهم أن يتأملوا وقع أقدامهم في خوضه حتى لا يزيغوا, وأن يتفقهوا في حدود الله فيه حتى لا يَضلّوا ويُضلّوا, فما من أمر في هذه الدنيا إلا ولله فيه علم وحكمة وحُكم. فلم يخلقنا سدى ولم يتركنا هملًا. "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
إن هذا العلم متعلق بجهة إثبات الأصل النَّسَبي وإعادة الفرع له سواء كان هذا الفرع شخصًا يراد ردّه لسلالة آبائه وإن بَعُدوا جدًّا, أو كان المراد رد الفرع الأصغر وهو الخلية البشرية سواء أخذت من دم أو شَعر أو لعاب ونحوه فيعاد هذا لأصله وهو الشخص الواحد المعني به, وهذا نافع جدًّا في أدلّة إثبات الجرائم وإقامة القرائن في الطب الشرعي ونحوه.
ولا بد هنا من استشعار أن أدلة البصمة الوراثية تكون ظنية لا قطعية من جهة احتمال تعرض التحليل لأخطاء بشرية أو مخبرية، كاختلاط العيّنات أو إبدالها سهوًا أو عمدًا وغير ذلك.
إذن فهذا العلم الجديد له جانبان:
الأول مباح بل ممدوح: وهو ما ساعد في إحقاق حق شرعي وإبطال باطل, فمن ذلك: مسائل الطب الشرعي والجنائي, كما أن الفحص الجيني يحل محل القيافة بل هو أضبط منها. ومن المهمات بيان أن القيافة إنما يلجأ إليها لفرز حالة فردية تنازع عليها أكثر من طرف, وليست لفرز حالات جماعية والكشف عن نسب قبائل بأسرها.
إذن فمجال جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب محصور في حالات التنازع على مجهول النسب، سواء أكان بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. كذلك في حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات أو مراكز رعاية الأطفال أو أطفال الأنابيب ونحو ذلك. كذلك حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف علي هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين ونحو ذلك. وبهذا صدرت فتوى المجمع الفقهي الإسلامي.
الثاني ممنوع: وهو ما ينادي به بعض الناس من إبدال الطرائق النَّسَبِيِّة الشرعية به, فيرُدُّون النسب بإطلاق للماء وليس للفراش, ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسم المسألة بقوله: "الولد للفراش" فمتى كانت المرأة فراشًا للرجل فأولادها ينسبون له شرعًا, لذلك لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، كما لا يجوز تقديمها على اللعان فالقرآن قد حسم المسألة في سورة النور.
 وتأمل حال أحدهم حينما أراد إلحاق ابنه العشريني معه في أمريكا, فاشترطت السفارة البصمة الوراثية, فتبين أنه ليس من مائه, فحدثت بسببها كوارث لم ترقأ حتى اللحظة, وأترعوا كأسَهُ تعاسةً وصدرَهُ همًّا!
ومن جدير التنبيه: أن الشريعة تراعي كل قضية من جميع جوانبها بدون إغفال أو ميل, لذلك فإثبات النسب يُكتفى فيه بالاستفاضة وعدم نفي المنسوب إليه الولد, فهذه هي الجادة وهي الأصل, أما غيرها فهو الاستثناء ومن أفراده الاشتباه والاحتياط, ومن ذلك احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ذلك المنسوب المتنازع عليه, فبعد حكمِهِ بأن الولد للفراش نظر لشبهه الشديد بالآخر فقال: "واحتجبي منه يا سودة" وهذا من باب الاحتياط للطرفين, فالحُكم لنَسَبيّة من وُلد على الفراش كان على الأصل, أما الحجاب فكان على الاحتياط. ويُلحق بهذا الرضاع المشكوك في عدده فيحتاط له من الجهتين فلا زواج ولا محرمية.
 ومهما يكن من أمر فلا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، وما يفعله بعض أهل الطيش باشتراط فحص البصمة له عواقب وخيمة ليست على الأفراد فقط بل على قبائل بأسرها, ولنوضح الصورة بمثال كاشف:
 فعند أرباب البصمة أن النسب العربي محصور في بضع نتائج لا يخرج عنها بموجب فحص عينات فردية عشوائية ليست استغراقية ولا أغلبية لا زمانًا ولا مكانًا, فإذا وجد شخص في الهند أو بريطانيا يحمل ذلك الجين حكموا بعروبته رأسًا حتى وإن كان لم يسمع بالعرب ولا لسانهم ولا موطنهم لا في حياته فحسب بل بعدة أجيال سابقة له! وهذه معضلة لن يستطيعوا الفكاك منها لأن اللغة والموطن معتبران في الحكم, وتأمل عكس ذلك يظهر لك المراد, فلو أن إنسانًا أو جماعة نزحت لجزيرة العرب قبل أربعة آلاف سنة أو أكثر ولم يخرجوا منها وتكلموا لسانها وتطبّعوا وسادوا, ثم تبيّن أن حمضهم النووي مخالف للجين السائد فهل يمكن بحال نفي عروبتهم؟! ولا تعجب فقد نشر بعض الناس مثل هذه الألغام المدمّرة للنسيج المجتمعي, فالعرف الصحيح السائد هو أن العربي هو من كان من نسلٍ قد درج في أرض العرب لبضعة أجيال وتكلم لغتهم وتطبع بطبائعهم ويكفيه ذلك. أما ضده فهو الأعجمي – ولاحظ اعتبار اللغة من الإعجام والإعراب -.
ومن فروع ذلك: انتساب الفخذ القبلي لجذمه, فما عدّه الناس وتعارفوا عليه واشتهر بينهم بلا نكير أن هذا البطن من تلك القبيلة فهو المعتبر, فالشيوع والمواضعة والاشتهار هي مأرِزُ قبول النسب وآخِيّتُه وليس الحمض النووي بحال.  
وتأمل ما لو أن رجلًا قبل ألف سنة حالف قبيلةً ثم انتسب إليها وأحفاد أحفاده ثم ظهر التحليل اليومَ مخالفًا! بل لو أن امرأة ما قبل مئات السنين أدخلت على زوجها ما ليس منه – لشبهة أو خطأ أو إكراه أو ذنب - ولحق به لأنه ولد على فراشه شرعًا, ثم تناسلت أجيال وبطون وقبائل من ذلك الإنسان, ثم أظهرت البصمة نفي أولئك, فما ذنبهم في أمر قد حسمه الشرع بنسبتهم لأبيهم الشرعي دون صاحب البصمة؟!
 وبالجملة؛ فالشرع قد اكتفى بالاستفاضة والاشتهار بلا نكير, وحَكَمَ للفراش لا للبصمة, فحكمهما غير متفقين على الدوام فلينتبه, إذ مناط الشرع الفراش ومناط البصمة الجينات.
لقد راعت الشريعة تكوين محضن آمن صالح للإنسان ليقوم بتحقيق العبودية لربه – وهي غاية الخليقة - لذلك فقد تشنّفت للوئام بين الناس واجتماعهم, وتوسّعت في إثبات النسب وتسامحت فيه، فاكتفت بقبول الشهادة فيه على الاستفاضة، فلا يُطالب بدليل خارجي إذا كان هناك إقرار ما دام واقع الحال لا ينافيه, وعقدت الشريعة معاونات خاصة بين القرابات كتحمل العاقلة للدية والأمر بصلة الرحم ونحو ذلك, فالنسب وسيلة لا غاية, فهو وسيلة لإقامة العبودية بإحسان الاستخلاف الأرضي.
 وحتى لا تختلط الأنساب فقد حمت العرض وشددت في الفاحشة وطالبت بحفظ الأنساب. ولكل شيء قدره الذي لا ينبغي الإيغال والتجاوز والتشديد فيه, فيكفي المؤمن أن يعلم من نسبه ما يصل به رحمه ثم لينته, وليحذر من التفاخر بنسبه أو نبز الناس بأنسابهم أو طعنهم فيها فكلّ ذلك عفنٌ جاهلي, وليعلم أن إبليس هو أول مفاخر بأصله حينما قال: "أنا خير منه".
وفي المقابل فقد شدّد الشرع في الانتساب لغير الأب – ومن ذلك الانتساب لقبيلة وهو يعلم أنه ليس منها -  فعند الشيخين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام".
ومضة: أعجبني جواب ذلك اللوذعي حينما سئل عن أصله فقال: من طين.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

الخميس، 12 يونيو 2014

التبشير الليبرالي بالدولة السعودية الرابعة.. ماذا وراء الأَكَمَة؟


التبشير الليبرالي بالدولة السعودية الرابعة.. ماذا وراء الأَكَمَة؟
الحمد لله وبعد: فيُطلق مسمى الدولة السعودية الرابعة ويراد به واحد من أمرين: الأول قطيعة زمانية كما حدث مع الدولتين – المرحلتين - الأولى والثانية, ولكن هذا – منطقيًّا - غير مراد هنا لأننا لازلنا في ظل الثالثة ولم تنقطع بعد! فلم يبق إذن سوى القصد الثاني وهو: القطيعة المنهجية عقديًا وفكريًّا وأخلاقيًّا مع الدولة الثالثة, فهذا هو مرادهم وأمنيتهم, وقد ألمح منظروهم لذلك كثيرًا وصرّحوا تارات. وبالطبع فهذه القطيعة سيعقبها - في أذهانهم - قطع الصلة بسلطة الأسرة الحاكمة عبر مرحلتين:
 الأولى: بردّها لتكون ملكيّة تشريفية بلا سلطان ولا قيادة.
 الثانية: عبر هدم المؤسسة السياسية كليًّا وبناء هيكل سياسي وثقافي وقيمي ليبرالي جديد لا يمت بصلة لما سبقه!
لذلك فمسماها الذي وضعوه (السعودية الرابعة) لا يعدو أن يكن رمادًا للعيون القلقة والعقول المترقبة, فلا خير في فتنتهم هذه, فلا دين محفوظ ولا دنيا صالحة.
يا سادة: المسألة ليست إشارت بعيدة من هنا وهناك استدعاها الذهن المتوجس وأكمل فراغاتها بخياله, كلّا بل إن دخان الفتنة راء للعيان, ومن له أذنان فليسمع!
خطورة ذلك في التالي:
1-   أن هذا الفكر يستبطن فكرًا ثقافيًّا دخيلًا على أمة الإسلام, ويقوم على تراث وأصول غربية المنشأ والنتاج, وثمارها خلاف غاية الخلق الإنساني "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" 
2-   أن سنن الله لا تتخلّف, وإن تأخّر وقوعها في نظرنا القاصر المقصّر فهو راجع إلى أسباب لم تكتمل أو موانع لم تزل, وكلٌّ بقدر الله وحكمته. "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا" وبالمقابل في الطرفين: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" إن خيرًا بخير منه أو شرًّا بعاقبته. ويا قوم: الوَحا فليس كل برقٍ خلّب!
3-   أن البناء القائم هو الأصلح للسلم الاجتماعي والرفاه الشعبي إن تم ضبطه بمعايير شرعية صحيحة وأيدي صادقة مخلصة.
وهنا ننبه لأمر مهم وهو أنهم في ابتداء مطالبهم لا يكثرون الحديث فيما يغضب السواد الأعظم للشعب عليهم من النداء بتنحية الشريعة والإلزام بالتغريب الثقافي والسلوكي, فهذا وإن كان هدفًا حاضرًا واضحًا لديهم إلا أنهم يرون أن من الصالح لهم تأجيل الحديث فيه ريثما يرون قابلية الساحة لذلك (الوباء) أما المرحلة الراهنة فهي الكلام العام المجمل عن الحقوق والحريات ونحوها بطريقة رمادية حمّالةَ أوجه, فيلقون كلامًا يقوله الصِّدِّيق والزنديق, بلا تفصيل وإيضاح إلا لما لا بد منه لاختراق لُحمة الشعب وسُداه, ويأبى الله إلا أن تخرج من أفواههم من حين لآخر فلتات محرجة فاضحة.
4-   الديمقراطية فاسدة على مر العصور, وإن كانت في زمننا قد أصلحت كثيرًا من عيوبها, بل قد فاقت - بكل مرارة - كثيرًا من تطبيقات المسلمين! وليس العيب في الإسلام, إنما في الانحراف عنه, فكثيرٌ مما نراه هي نماذج مشوّهة لشرعته. أما الديمقراطيات الحديثة فإنها - وإن أصلحت جانبًا من الدنيا - فأنّا لها إصلاح الدين, فأساسها الذين تقوم عليه هو المادية المطلقة. وهذا أمر لا بد أن يكون واضحًا بين عيني كل من يعاني أمر السياسات وفقه المقارنة بينها.
إن المتتبع لحال دول العالم عبر التاريخ يرى أن كثيرها قد تأرجح - في متوالية حقيقة بالدراسة والتعجب - بين استبداد مطلق ألجركي أو فردي شمولي ديكتاتوري وديمقراطية بحرية شبه فوضوية. فالأول يثمر الأمن والسلم مع خنق الحريات وسلب الحقوق, والثاني بضده حلاوة ومرارة, أما الإسلام فقد جمع حسنتيهما في نظام متسق فريد "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"
وملاك القول أن هؤلاء الذين يبشرون بالدولة الرابعة لا بد أن لهم إيحاء وتوجيه من الشرق أو الغرب ممن يرومون إبدال الدولة من جذورها بما فيها هيكل الأسرة الحاكمة, وتنفيذ هذا في العادة يكون تاليًا للمرحلة الاولى في حالة نجاح تلك المرحلة وإلا كان هو الأول وهي تالية له. 
والشعب بأغلبية ساحقة مؤمن سلفي بالفطرة, ويحب السكينة والطمأنينة, ويكره تغير الحال واضطراب الأمن, وكلما رفع أحد عقيرته بالتغيير صاح به الشعب من كل جانب قائلا بلا مثنوية: قد بايعنا هؤلاء على الكتاب والسنة فلن يكون الانتقاض من جهتتا, فمن وفى وفينا له, ومن نقض فعلى نفسه, فالقضية قضية دين وآخرة قبل أن تكون حظوظ دنيا.
ومضة: من أسباب نشر معتقد أهل السنة والجماعة في العالم الرفاه المالي الذي امتن الله به على الدولتين السعوديتين الأولى والثالثة فالمال رافد مهم للدعوة إلى الله سواء بالكتب أو الدعاة.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 6 يونيو 2014

حينما تخنق الفروع أصلها, وتمنع الوسائل غايتها!

حينما تخنق الفروع أصلها, وتمنع الوسائل غايتها!

الحمد لله, وبعد: فمن ألف باء فهم المسائل حسن التصور لها إجمالاً, أما تحقيق حدود التفاصيل فهو ميدان اختلاف الرأي, وفي دائرته يكون السجال مؤيدًا بالبراهين.
كمسلمين لدينا كلية مطلقة لا تقبل الجدل والتمحّك, ولا الضبابية والتمحّل, تلك هي محورية تحقيق العبادة لله جل وعلا.
فهذا القدر الكلي مجمع عليه, لذا فمنه المنطلق في الحوار وإليه العود في الترجيح.
فموضوع الغاية من الخلق محسوم بآية الذاريات, إنما الشقاق يكون بالقفز الفكري أو الشعوري خارجه! لذلك فطريقة القرآن هي رد الناس إلى هذه الغاية مهما تلونت سبلهم وأسبابهم, فيستحيل أن يتعدد الحق في نفسه, إذن فلا بد من مرجعية مهيمنة وحاسمة, تلك بلا تردد هي حاكميّة الوحي المنزل.
دعونا نقف على أمثلة متنوعة الألوان والرسوم حتى ندرك خداع النفس الأمارة لصاحبها حينما تتلفع له بقناع النصح والوداد المُخفي لما تحته من وجه الحقيقة الآثمة!
ثَمّ خمسة أمثلة, الأول: مثال الفقيه المبرّر بليّ أعناق النصوص لما يراه من تقديم مصلحة دنيا الناس على دينهم بتضخيم جانب أمن الجسد على أمن الديانة.
فحينما يتوسع الفقيه في منطق تسويغ فعل السياسي خارج حدود المقبول, وينشغل بترقيع خَللِ السياسي في مقابل تضخيم خوف المآلات بحجة - أو شبهة – دفع ورفع الفتن المتوهّمة, فنحن هنا أمام مثال لتقزيم الأصل وهو تحقيق العبادة لرب العالمين في سبيل حفظ دنيا لفرد أو جماعة.  وكم من مبطل  بلباس ناصح!
 ولا نعني بذلك إلغاء القصد النبيل للفقيه, فهو أمر قد جاءت به الشريعة وعظّمت شأنه, فلا يقوم الدين إلا بدنيا صالحة, والتاريخ شاهد صدق, إنما المطلوب أن يُحجّم الأمر بقدره الشرعي فلا يكون هو الأصل دون تحقيق العبادة لله.
وللتوضيح نقول: تحقيق العبودية عبادة محضة ومحور لا يقبل التجزئة, أما غير ذلك فهي وسائل لتحقيقها لا غير, فهذه الوسائل ملحقة بالعبادات من جهة أنها تفضي إليها لا أنها هي.
 قال تعالى: "والفتنة أشد من القتل" فالفتنة حينما تصرف عن الأصل الأعظم وهو الإيمان فهي بلا ريب أشد من قتل يُتلف الجسد وتبقى بعده حياة الإيمان. وفرض الوقت هو أن تُحفظ العبادات ووسائلها بحيث لا تنقلب الوسيلة غاية ولا الفرع أصلًا, وبالمقابل لا يجوز أن تُلغى الوسيلة بحيث لا يبقى للمرء بعدها لغايته وصول.
فحاكم الشام – على سبيل المثال لا الحصر – قد بدّل الدين وغيّر الملة وحارب الشريعة, فليس من الحكمة الشرعية في شيء أن يؤمر الناس بمسالمته وهو يظنون أنهم قادرون على إبداله بالصالح في الدين والدنيا.
الثاني: الغيور المنكِر المتحمس الذي ترتاح نفسه للّجَجِ والخصام, والعجلة, والبداءة بالتغيير بسلاطة اللسان وسوء الظن وتفتيش النيات وكشف العورات والفرح – عمليًّا – بالزلات, ونشر المنكرات وإشاعتها بقصد حربها وكسرها, والتساهل في اتهام أهل العلم والفضل بالتقصير في القيام بأمر الدين, ووصمهم بالمداهنة وبيع الآخرة نظير عمالةٍ من سلطان.. ونحو ذلك مما قد كُفيه ولم يكلّف به, ولكن أبت عثرتُه إلا أن تُكرعه حمأة البغي!
وقد يزيد هذا العَجولُ بلا علم ولا حلم فينكر باليد ما ليس تحت يده ومما ليس مأذونًا له فيه, وقد يستطيل بغيًا فيستطيب إشهار السيف على من حرّم الله في سبيل إقامة أمنيةٍ لا يراها خارج جمجته الحيرى! فيفرح بدرس نواقض الإسلام دون درس موانع التكفير بل يرعيها أذنًا صماء, فيكتفي بالأولى ليركض بها في نكيره, ويتعمّد الإغماض عن الثانية لأنها تقيد حريّة طيشه! ويكأنما نسيَ أن شارع الأولى والثانية واحد. وكم من مريدٍ للخير لم يبلغْه, وكم من كارثة لا ترقؤها الأيام ابتدأها من يظن فعلَه صالحًا! "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا"
يا صاحبي: إنكار المنكر فرض على الأعيان أو الكفايات بحسب الأحوال, فاحرص على اعتدال رمّانة ميزانك بلا وكس ولا شطط, فلا تقعد عن إنكارٍ مشروع, ولا تتخوض مالم تأمرك به الشريعة.
الثالث: الداعي إلى سبيل ربه ولكن عبر التوسع فيما يراه وسيلة جاذبة للناس للخير الذي يدعوهم إليه, فيركب المشتبه, ويتوسع فيما اختُلف فيه, وينسلخ من ضوابط من أجازوا له ما هوي مرحلة بعد أخرى حتى تظهر عورة منهجه بعد سقوط آخر ورقة للتوت ولو من غيره ممن استنّوا طريقته, بل َربّما عصى ربه في سبيل طاعته! والله طيب لا يقبل إلا طيبًا, ولم يجعل هداية خلقه وطبّ قلوبهم وأجسادهم فيما حرّم عليهم, وليس كل طريقٍ للحق موصلٌ وإن نبل هدف سالكيه.
فقف إذن حيث وقف سلفُك الصالح, فإنهم عن علم وورع وحكمة وتوفيق كفّوا "فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"
الرابع: المرء مع أسرته من زوج وذرية, فيسعى لأن يملأ أعمارهم بهجة وسرورًا, ويتذكر فصول الحب وحسن المعشر والرحمة والكرم ونحوها, ولكنه في غفلة هائلة عن النصح الحقيقي والشفقة التامة والحب الصادق الذي يفضي به إلى أن يأخذ بأيدهم إلى رضوان الله والجنة.
جميل جدًّا أن ترسم الضحكة والبسمة على محياهم شريطة أن تعمل على أن يستمر هذا معهم بعد رحيلهم عن هذه الدار الصغيرة الزائلة, فاعمل على رسم الهدف النهائي الأخروي وصِلْهُ بمباهج الدنيا التي لا تحلو أصلًا إلا مع طاعة الله. فإن رأيت فرعًا أمَّارًا بالسوء فاهتف به: "والآخرة خير وأبقى" "ورزق ربك خير وأبقى"
الخامس: المؤمن مع نفسه في حال زجرها أو إكرامها, فمن شق عليها بأطرِها على مسير لم تؤمر به, ولم يرفق بها في طريقٍ صالحٍ حتى كلّته وملّته, فحبس غريزته تأثّمًا دون إفراغها فيما سخّر لها خالقها من المباح, أو أطلقها حول الحمى, ثم أولجها الحمى, حتى إذا طرقت الحرام وألِفت العصيان لم يسمع لنداء الإيمان في قلبه ركزًا!
 وكما أن الإيمان لا يصح دون علم؛ فكذلك العلم لا ينفع دون إيمان, وتأمل كيف جمعهما ربنا بقوله: "قال الذين أوتوا العلم والإيمان"  
فإحسان العبادة غاية الصدّيقين, والرفق بالنفس مع الحزم معها وسيلة تحقيق هذا المقصد الأعلى بإذن ربنا الأعلى, ومتى طغت الوسيلة على الغاية هلكت الراحلة والراحل, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
ومضة: ضع يدك على فؤادك ثم اسأله: أي فؤادي، متى خفقتك الأخيرة؟!
اللهم اجعلها على الإيمان.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية
8/8/ 1435

aldumaiji@gmail.com

السبت، 31 مايو 2014

رقيقةُ المجاهدين لابن القيم


رقيقةُ المجاهدين
لابن القيم
الحمد لله معزِّ من أطاعه وناصرِه, ومذلِّ من عصاه وخاذِلِه, جعل الجلال والجمال هالةً على رايات المجاهدين, والصلاة والسلام والبركة على من بعثه الله هاديًا مجاهدًا مبشّرًا نذيرًا, أما بعد:
فما بال أقوم يرومون إبطال ذروة سنام الإسلام بذريعة إسقاط مدّعِي الجهاد, فيهدم الأصل التالد لشجرة الجهاد بحجة كسر عودٍ دخيل عليها, ويغلق باب القتال في سبيل الله عامّة بشبهة سدّ الطريق على غلاته الذين أخذتهم صولته وحماسته ومعمعان لهيبه عن حسن متابعة إمام المجاهدين الذي لا يقبل الله جهادًا إلا ما كان على شرعته وسنته, ولا يدخل أحدٌ من أمته على الله إلا من بابه وحسن التأسّي به, فالقتال في سبيل الله عبادة, وشرطا قبول العبادة الإخلاص والمتابعة, والحماسة مالم تُضبط بالوحي فهي وبال.
 يا قوم: متى كان الناس معيارا للشريعة؟! ومتى كانت حروبنا ضد الخوارج مانعة من قتال الكفرة؟!
الجهاد باق إلى قيام الساعة بنا أو بغيرنا " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" وفريضة الوقت هي إقامته وبيان حدوده وضوابطه وأحكامه لا هدمه وإبطاله.
والخوارج باقون, ومن لف لفهم من البغاة والظلمة وقطاع الطرق ومتصيدة الأخطاء باقون كذلك, والعبرة ليست بديموتهم في ميدان الابتلاء, بل في المصلحين لما انثلم من بناء الجهاد والمجددين لما اندرس من معالمه ونافخو روح الحماسة الإيمانية في صدور أهله, فما تركه قوم إلا ذلوا وأُديل عليهم وأُبدلوا.
وكما يُقاتل الكافر المحارب بأمر الشريعة؛ فكذلك يقاتل الخارجي المارق, فهم شرّ قتلى تحت أديم السماء, فهم مبدّلةٌ متهوّكة غلاة. قال الإمام أحمد رحمه الله: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم في صحيحه وروى البخاري منها ثلاثة أوجه حديث علي وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف, وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم فاقتلوهم; فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة; لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ).
هذا وإن الحرب العوان معهم أو مع من أٌمرنا بحربهم ليست شرًّا محضا وإن احترق بِأتُونها الأبرياء, بل هي كَيرُ امتحانٍ لمعادن الرجال, ومعيار دقيق لصدقهم مع ربهم "الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" وفي حديث صاحب السهم لما خر شهيدًا وقد أصابه السهم في ذات المكان الذي رغبه: "صدق الله فصدقه الله" رواه النسائي بسند صحيح في قصة شريفة.
وروى الإمام أحمد بسند صحيح حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري, ومن تشبه بقوم فهو منهم" ومن فروعه الرباط في سبيل الله, ويكفيه أن أجره مستمر بازدياد وهو في قبره, فعن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل, وأجري عليه رزقه, وأمن من الفتان" رواه مسلم, وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" متفق عليه.
ألا ما أصدق وأعطر آهات الراغبين في الانتظام في سفر الخالدين من الذين أنعم الله عليهم.
لئن قرّب الأبرارُ في العيد أنعُماً ... وَضَحَّوْا لمولاهم بعيراً فَما ليا؟
فيا ربِّ فاقبـلها قرابينَ راحتي ... فئاماً من الكفار أضحتْ بَوَاليا
أيا مبتغي الفردوس عجّل بصارمٍ    ...   وكن صادق الإقبال عند التلاقيا
فإن تحيَ عشت العز في كل لحظةٍ ...  وإن كانت الأخرى ستلقى المراقيا
فأسأل ربّي أن تكونَ منيّتي   ...   بعيداً عن الأوطان للشّرك غازيا
فخذ من دمائي يا سميعاً لدعوتي   ...   فما أطيب الآلام إن كنت راضيا
لئن عَزّ ديني واستبيحت جوارحي    ...   فأين مقام العزّ إلا مقاميا؟
إن الحديث عن الجهاد والنصر والاستشهاد لَيسعدُ النفسَ المؤمنة ويهزّها طربًا وأُنسًا, ومن قرأ القرآن والسنة رأى أن الجهاد بأنواعه محورٌ هامّ يقوم عليه ساق الإيمان بالله وبكريم موعوده. وقد تكلّم العلماء كثيرًا فضائله وبيان منزلته وتفاصيل أحكامه, وذهب جمع إلى أنه أشرف النوافل بإطلاق, ومهما كثر عديد القُربِ فيبقى منها لذروة السنام ذروة السنام!
ومن أمثل ما رأت عيني صحائف خطتها يراعة ابن القيم رحمه في زاد المعاد في كلامه عما بعد الهجرة وتدرج الشريعة في فريضة الجهاد, ويكأنما يصهل بها في محتدم الطعان ويهتف بها لمن رام نعيم الجنان.
 قال الإمام ابن القيم في الزاد (63-80) - بتصرف واختصار -:
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة, واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) [ الحج : 39 ] .
ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) [ البقرة : 190 ] .
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرما، ثم مأذونا به، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان: والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [ التوبة : 41 ] وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ) [ الصف : 10 ] وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب، فقال: ( وأخرى تحبونها ) [ الصف : 13 ] أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد، وهي: ( نصر من الله وفتح قريب ) وأخبر سبحانه أنه: ( اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم.
فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع، ما أعظم خطره وأجله، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمن جنات النعيم والفوز برضاه، والتمتع برؤيته هناك. والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر. وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له   ...   فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد: ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) [ المائدة : 54 ].
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حُرقَة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ] فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، وقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) [ المائدة : 54 ] فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, فسلموا ما وقع عليه العقد فإن ( الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.
وتأمل قصة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم وفاه الثمن وزاده، ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد، فذكّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره ( أن الله أحياه ، وكلمه كفاحا ، وقال : يا عبدي تَمَنَّ عليَّ ) فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة، وأعطى الثمن، ووفق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه.
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد     حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم     إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن     نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد     ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهم زادا إليهم وسر على     طريق الهدى والحب تصبح واصلا
وأحي بذكراهم سُرَاكَ إذا دنت     ركابك فالذكرى تعيدك عاملا
وإما تخافن الكلال فقل لها     أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا
وخذ قبسا من نورهم ثم سر به     فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحي على وادي الأراك فقل به     عساك تراهم ثم إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمان عندي معرف الـ     أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن     تفت فمنى يا ويح من كان غافلا
وحي على جنات عدن فإنها     منازلك الأولى بها كنت نازلا
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا     وقفت على الأطلال تبكي المنازلا
وحي على يوم المزيد بجنة الـ     خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا
فدعها رسوما دارسات فما بها     مقيل وجاوزها فليست منازلا
رسوما عفت ينتابها الخلق كم بها     قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخذ يمنة عنها على المنهج الذي     عليه سرى وفد الأحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة     فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي     ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية, وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل ).
وقال: ( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة ).
وقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ( أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة )
وقال: ( من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة، وجبت له الجنة ). وقال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
وقال لأبي سعيد: ( من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة ) فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ).
وقال: ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) وقال: ( لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل واحد، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد ).
وقال: ( مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في أهله ستين سنة، أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة؟ جاهدوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ وجبت له الجنة ).
وقال لرجل حرس المسلمين ليلة في سفرهم من أولها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة: ( قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها ) وقال: ( من بلغ بسهم في سبيل الله ، فله درجة في الجنة ).
وقال: ( إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والممد به، والرامي به. وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وكل شيء يلهو به الرجل فباطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه، فنعمة كفرها) رواه أحمد وأهل السنن وعند ابن ماجه ( من تعلم الرمي ثم تركه ، فقد عصاني ) وقال: ( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق ) وذكر أبو داود عنه: ( من لم يغز، أو يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة ).
وقال: ( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم )
وقال تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [ البقرة : 195 ] ، وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد، وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ).
وصح عنه : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله ) وصح عنه : ( أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا ، فلا أجر له ) وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: ( إن قاتلت صابرا محتسبا، بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا، بعثك الله مرائيا مكاثرا، يا عبد الله بن عمرو على أي وجه قاتلت أو قتلت، بعثك الله على تلك الحال ).
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام نسألك الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين, ومخلصين غير مخلطين, ومستنّين غير مبدلين, إله الحق آمين, وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إبراهيم الدميجي
1/ شعبان/ 1435