إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 22 يوليو 2016

الأُنْسُ بالله تعالى



 الأُنْسُ بالله تعالى
إن كان في الدنيا جنةٌ فهي جنةُ الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوةُ قربه، ولذةُ مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان.
أن الإقبالَ على الله تعالى، والإنابةَ إليه، والرضى به وعنه، وامتلاءَ القلب من محبته، واللَّهجَ بذكره، والفرحَ والسرورَ بمعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، فهو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وإنما تقرّ أعينُ الناسِ على حسَب قرةِ أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كلُّ عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.
ألا إن للأنسِ بالله ثمارًا حلوة، وينابيعَ عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطنَ روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى.
قال أويسٌ القَرَني رحمه الله: ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنسَ بغيره. وقال بعض السلف: مساكينُ أهلُ الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها، قيل: ما ألذُّ ما فيها؟ قال: الأنسُ بالله، والتلذذُ بخطابه والوقوف بين يديه. وقيل: الأُنسُ بالله نورٌ ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع.
إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغالِ بذكره ودوامِ عبادته، والبعدِ عن القواطع والشواغلِ التي تُقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكرِ لنعمائه، وقد أخبر النبي ﷺ أن للإيمان حلاوةً وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُقذف في النار». وقال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً ونبيًا».
 وأخبر أن عينَه تقرُّ بالعبادة ويرتاحُ بها بدنُه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» وقال: «أرحنا يا بلال بالصلاة». فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجدُ في الصلاة لذةَ قلبه وسرورَه وابتهاجَه وغايةَ فرحه وراحةَ بدنه، فهو في الصلاة ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب بنعيم جميل في أنواع العبادات من حال إلى حال، من روضة قرآن لبستان صلاة لحلاوة مناجاة إلى غير ذلك، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة.
فمن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكرُ الدائم، ورطوبةُ اللسان بذلك، ولهَجُهُ لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، وبالقرآنِ تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، وتحصيل العلم النافع والعمل به. فوَلاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه.
وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كلُّ شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحرُّكُه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق.
فيا عبد الله: إذا رُمت الأنسَ بالله تعالى والإحساس بقربه ولطفه فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
هذا وأعظمُ طُرُقِ تحصيلِ الأنسِ بالله تعالى هو حسنُ المعتقدِ أولاً ودوامُ الذكر ثانيًا، وأعظمُ الذكر القرآنُ تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة لله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد.
 ومن أسباب حصوله كذلك: تعظيمُ قدرِ الصلاة، حتى تكونَ صلاةُ المرء كصلاة المقربين، فتكونُ رَوْحُه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع في ما سواها من العبادات. فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقل التهجدّ في بداية أمره ثم يكونُ عينُ سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبرِ على المشقة والمجاهدةِ في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتحُ بابُ الأنسِ بالله تعالى وحلاوةِ المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسلَ عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم.
وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغَيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.
واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك.
ألا وإن من أوسع أبواب الدخول للأنس بالله تعالى: سماعَ القرآن بيقين وتدبر وتلذذ.
وقد ذكر الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله أنَّ للسماعِ أمرًا عجيبًا في راحة الروح، وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى وتأمل برهان ذلك في الصيام والاعتكاف.
فإن كان المسموعُ معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظُّه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروحِ حظُّها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعفُ اللذة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس.
وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيبُ صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقةٌ من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه!
وهل أعظمُ من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلينَ من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته» وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.
قال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره.
واعلم أن الأنس بالله تعالى ذخيرةُ المؤمن عند احتدام الصعاب عليه واعتراك المحن لديه، وتأمل سير الأنبياء والمرسلين والمصلحين، ومن تيكَ المحن الشديدةَ محنةُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية رحمه الله تعالى حينما تحزّبَ أعداؤه عليه، من علماءِ السوء وأمراءِ السوء في مصر والشام حتى حبس السنين الطويلة ومات في سجنه وهو في أتمّ سرور وأبهجَ حبور!
 قال الغياني في محنته في مصر: فلما صلينا المغرب والوالي يريد إرساله لجهة هلاكٍ، بقيَ يدعو بدعاء الكرب، فأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرتُ إلى المحبوسين لينظروا ذلك، كأن وجهَهُ شمعٌ يجلوه مثلُ العروس، حتى إذا راق الليلُ جاء نائبُ الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازلٌ على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشامِ ومصرَ لفضُلَ منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقتُه ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها!
 وقال ابنُ القيم رحمهما الله: سمعت شيخنا شيخَ الإسلام ابنَ تيمية قدّس الله روحَه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنعُ أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلتُ ملءَ هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله أي يكثرُ من الإلحاح على الله تعالى بهذا الدعاء الجامع.
وقال مرة: المحبوسُ من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسورُ من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
واعلم أنه لا يمنعُ الأنسُ بالله وحلاوةُ مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظمُ الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد ﷺ، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
ومن وسائل تحقيقِ الأنسِ بالله تعالى: التوبةُ النصوح وإكثارُ الصالحات وتذكرُ الآخرة، فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكرُ الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله. لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور.
قال يحيى بنُ معاذ: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حبُّ الخلوة إلى الأنسِ بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره.
قلت: ولا شكَّ أن الخلوةَ والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شُرع الله للمؤمن عزلةٌ كلَّ ليلةِ يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا ربه في صلواته، ثم شَرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لَهِجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره واستلطافه.
ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يُحصّلَ الأنسَ بربه تعالى فيزهد عما سواه. كما قال ابن القيم: إن في القلب وحشةٌ لا يذهبها إلا الأنسُ بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهبْ تلك الفاقةُ أبدًا.
أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء إلا في أزمنةِ الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه أو أهله، فرهبانيةُ الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأسُ كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض».
أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحشَ عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سببٍ آخرَ مُلجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي ﷺ، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) وخيرُ الهديِ هديُ رسول الله ﷺ.
ومن سبلِ الأنسِ بالله تعالى الإحسانُ إلى الخلق، ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساحِ قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه لكفاه فكيف والأمر أكبر من ذلك إذ هو سببٌ لتحصيلِ وَلاية الله تعالى ومحبته لعبده، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان). وبالله وحده التوفيق ومنه المنّة وله الحمد وعليه كل الثناء. 
إبراهيم الدميجي
16/10/1437

الأحد، 17 يوليو 2016

(وبطل ماكانوا يعملون)

)وبطل ما كانوا يعملون(
بخصوص انقلاب تركيا الفاشل..
إن أول متهم في كل جريمة هو المستفيد الأكبر منها.
 ومن قرأ الكليات لم تستغرقه الجزئيات..

باختصار أقول: إن العالم الغربي على حافة الهاوية اقتصاديا.
 فقط هي المانيا ( من دولهم الكبار) لا زالت متعافية لكنها ضجرة مما حولها.
أما البقية فإنهم سيرون في نفق يضيق بهم مع كل سنة.
كذلك هم يعانون من بدايات التفكك سواء من أقاليم وعرقيات في نفس الدولة أو ابتعاد عن مظلات مشتركة من دول المبدأ الواحد!

إضافة لارتفاع أصوات وأعداد اليمين المتطرف لديهم وعكسه مما يهدد بالكسر القريب في جسدهم المتداعي.

أما المد الإسلامي في عقر دارهم فقد أخافهم جدا حتى صرحوا بتلك المخاوف وسعوا حقيقة لحسر أو إيقاف ذلك المد الهادر. (ولك أن تتصور بعض الأحداث الدرامية في فرنسا وبريطانيا التي لا تخلو من علامات استفهام سواء من جهة التنفيذ أو من جهة النتيجة )

لكن جارهم التركي الغني الرزين اللدود ليس كذلك. بل إن تركيا في صعود اقتصادي سريع والتئام نسبي بين مكونات الشعب بكافة أطيافهم ونحت المحورية للتكتل الإسلامي ثم السني.

تركيا بالنسبة للعالم النصراني الغربي (من موسكو حتى واشنطن) هي العدو الأول لأمور:

أولًا: التاريخ القريب المخيف للعثمانيين.. فعلى مدار تاريخ القارة العجوز لم يكتسحهم من خارج القارة أحد كما اكتسحهم العثمانيون، فأصبح التركي لديهم هو ذلك الغازي الذي لا يقهر.. ولا زال هذا يتردد في ذاكرتهم بحيث أصبح نمطية تتحكم في كثير من توجهاتهم.

ثانيا: لا خوف عليهم من تركيا العلمانية الطورانية، فهم قد سبروها وجربوها وعلموا انكفاءها الضعيف على ذاتها، لكنهم يخافون من تركيا الإسلامية السنية (بالمعنى العام).

"الإسلامية" أولًا ليقينهم بأن الصدام الذي لا يمكن أن يقبلون خسارته هو الصدام مع الإسلام بالأسلحة المعنوية حضارة وفكرا وسياسة وبالأسلحة المادية كذلك.. وهم يرون تركيا قد قطعت عليهم شوطًا لا بأس به في ذلك.
و"السنية" ثانيا لعلمهم بأن الطرف الشيعي مسالم لهم مقتسم معهم أطماعه وأطماعهم، ومن سبر التاريخ الماضي والحاضر وقرأ القوم بتصريحهم وتلميحهم عرف ذلك..

تركيا باختصار صداع نصفي لجماجم القيادات الغربية، فهم يرونها قد بدأت تشق طريقها عبر ثلاث محاور:

الأول: استغناؤها عنهم واستقلالها الحقيقي سياسيا واقتصاديا وعقدها لتحالفات خارج المنظومة وبصيغة ليست مألوفة لديهم.

الثاني: اتجاهها للبناء الداخلي على مختلف الأصعدة.

الثالثة: سعيها لأخذ زمام المبادرات الإسلامية عمومًا والسنية على وجه الخصوص، ومتى ما اكتمل التقارب التركي السعودي المصري فإن ميزان القوى لديهم سيتغير تمامًا.

بعد هذا فلا تعجب إن رأيت سعيهم المحموم الدؤوب لهدم ذلك الكيان بكل وسيلة.. فالصليبي والصهيوني والرافضي ومن تنفس هواهم هم أول المصفقين لذلك الانقلاب الخائب بحمد الله.
ولا يعني هذا الرضى عن أداء الحكومة الحالية لكنها بالمجمل ساعية نحو الإصلاح الممكن والله أعلم.
والله غالب على أمره..

إبراهيم الدميجي


الخميس، 14 يوليو 2016

الشوق إلى الله تعالى

الشوق إلى الله تعالى
الجنة دار المحبين، وأمنية المشتاقين، وموعد المؤمنين.
اشتاقت قلوب الصالحين إليها للقاء ربهم فيها، وقد وعدهم الكريم سبحانه: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) نعم آت فهل استعددت له؟ (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).
الشوق هو تَوَقان النفس إلى الشيء، فكلما أحبّت تحصيلَه كلما ازداد شوقُها إليه. والشوق قد يكون لمتع الحس وقد يكون للروح، وقد يكون لهما معًا، وأعلى الشوق هو الشوقُ إلى لقاء الله تعالى. ومن دعاء النبي ﷺ: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلّة».
وكلما كان الشيء أحب، كانت اللذة بنيله أعظم، كما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقًا إليه.
وقال ابن القيم رحمه الله: "ومن منازل: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ منزلة الشوق. قال الله تعال: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) وفي هذا تعزية للمشتاقين، وتسلية لهم، أي أنا أعلم أنّ من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي، فقد أجَّلْتُ له أجلاً يكون عن قريب، فإنه آتٍ لا محالة، وكل آت قريب. وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء.
لولا التعلُّلُ بالرجاء لقُطِّعَتْ ...  نفْسُ المحب صبابةً وتشوّقًا
ولقد يكاد يذوب منه قلبُهُ  ... مما يقاسي حسرةً وتحرُّقًا
حتى إذا رَوْحُ الرجاءِ أصابه ... سَكَنَ الحريقُ إذا تعلَّلَ باللقا
ولقد كان النبي ﷺ دائمَ الشوقِ إلى لقاء الله. والشوقُ أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، فإنه سَفَرُ القلب إلى المحبوب في كل حال.
وللشوق علامات، قال أبو عثمان: علامته حب الموت، مع الراحة والعافية، كحال يوسف لما أُلقي في الجُبّ لم يقل «توفني»، ولما أُدخل السجن لم يقل «توفني»، ولما تمَّ له الأمر والأمن والنعمة قال: «توفني مسلمًا».
والشوقُ إلى الله عز وجل لا ينافي الشوقَ إلى الجنة، فإن أطيب ما في الجنة قربُه تعالى، ورؤيتُه وسماع كلامه ورضاه.
وقد يقوى الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمّى قلقًا، وقد يكره خلطة الخلق لما في ذلك من التنافر بين حاله وخلطتهم، وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوّة ما يَرِدُ عليه، فتبعتُهُ يومًا فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر:
وأخرجُ من بين البيوت لعلَّني  ... أُحَدِّثُ عنك النفس بالسرِّ خاليًا
وصاحب هذا الحال إن لم يردّه الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوّة، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم، وربما التذّ بالموت لرجاء اللقاء بربه كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه.
وليس عند القلوبِ السليمة والأرواحِ الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذَّ ولا أطيبَ ولا أسرَّ ولا أنعم من محبّته والأنسِ به والشوقِ إلى لقائه.
والحلاوةُ التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذّة، كما أخبر بعضهم عن حاله بقوله: إنه ليمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف.
وَوَجْدُ هذه الأمور وذوقُها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسَب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتمَّ، والقرب منه أوفرَ؛ كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعرف بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد حبًا؛ ازداد عبودية وذلاً وخضوعًا ورقًّا له، وحريّة عن رق غيره.
فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن، إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميعَ ما يلتذ به من المخلوقات، لم يطمئنَّ إليها، ولم يسكنْ إليها، بل لا تزيده إلا فاقةً وقلقًا، حتى يظفرَ بما خُلق له وهُيّئ له، من كون اللهِ وحدَه نهايةَ مراده، وغايةَ مطالبه، فإن فيه فقرًا ذاتيًا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبودُه، ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًا إليه من حيث هو ربُّه وخالقه ورازقه ومدبّره، وكلّما تمكّنت محبة الله من القلب وقويت فيه؛ خرج منه تألُّههُ لما سواه، وعبوديته له:
فأصبحَ حُرًّا عِزَّةً وصيانةً  ... على وجهه أنوارُه وضياءُهُ
وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبةٌ لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به، لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافِه إلى ما هو مشغولٌ به، فوجودُ الشيء غيرُ الإحساسِ والشعورِ به، وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصه، هو بحسب قوة الإيمان وضعفه، وزيادته ونقصانه.
والعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته، تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية مستترةً عنه متواريةً، أو ناقصة، أو ذاهبة، فإنها لو كانت موجودةً كاملة لما قدّم عليها لذّة وشهوة، لا نسبة بينها وبينها بوجهٍ ما، بل هي أدنى من حبةِ خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» لهذا تجد العبدَ إذا كان مخلصًا لله منيبًا مطمئنًا بذكره مشتاقًا إلى لقائه؛ قلبه منصرفًا عن هذه المحرمات، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها.
وقيل: الشوقُ أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموتَ، شوقًا إلى ربه، ورجاءً للقائه والنظرِ إليه".
وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلَها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل..﴾: "هذه حالةُ المُنفقين أهلُ النفقات الكثيرة والقليلة كلّ على حسب حاله، وكل يُنمَّى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها، والمُنَمّي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها.
 فيالِله لو قدّر وجودُ بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم، وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمنَ ينظرُ إليه بعين بصيرة الإيمان، دائمٌ مستمر، فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوسَ عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدًا في الآخرة ونعيمِها، أم ضعفَ إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟!
وإلا فلو تيقّن العبد ذلك حق اليقين، وباشر الإيمانُ به بشاشةَ قلبه؛ لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت هِمَمُ عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات ولهذا قال تعالى: (والله بما تعملون بصير﴾ فيعلمُ عملَ كلِّ عامل، ومصدَرَ ذلك العمل، فيجازيه عليه أتمّ الجزاء".
ومن نفيس كلام ابن الجوزي رحمه الله: "انتبه لنفسك يا من كلما تحرّك تعرقل، فيك جوهرية السباق، ولكن تحتاج إلى رائض، قلبُك محبوسٌ في سجن طبعك، مقيّد بقيود جهلك، فإن ترنَّمَ حادٍ تنفَّسَ مشتاقٌ إلى الوطن، فالبس لَأمَةَ عزمك، وسر بجند جدك، لعلك تُخلِّصُ هذا المسلمَ من أيدي الفراعنة!
لك الحديثُ يا معرضُ، أنت المراد يا غافل، يا مُسْتلذًّا بَرْدَ العيش تذكّر حُرْقة الفرقة، يا من يُسْلِمُهُ موكَلان إلى موكَلين؛ ما لانبساطك وجهٌ، إنما تُملي عليهما رسالةً إلى ربك، وما أراكَ تمَلُّ قُبْحَ ما تُملي!
أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فَنَصَبوا، وندَبوا أنفسهم لمحو السيئات ونَدَبوا.
كان ثابت البُناني يستوحش لفقد التعبُّد بعد موته فيقول: يا رب إن كنتَ أذنت لأحدٍ أن يُصلي في قبره فائذَنْ لي. وكان يزيد الرَّقاشي يقول في بكائه: يا يزيدُ من يبكي بعدك عنك؟ من يترضّى ربَّك لك؟
لما علم المحبّون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم العبادة.
كانوا يحبّون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن أَلُوفٌ للمعاهد".
إن أعظمَ مشوّق لله والدار الآخرة هو تدبرُ القرآنِ العظيم؛ ففيه وصفُ الجليلِ الجميل سبحانه، وذكرُ آلائه ونِعَمِه وآياته، وهو الـمَعينُ الثرُّ لزيادة الإيمان واستقرار اليقين وانشراح الصدر وسعادة القلب وهناء الحياة والممات، ومن داوم على قراءته وتدبره وتفهّمه والعمل به فلا تسل عن سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.
والشوق للقاء الله عز وجل مِنّة من الله تعالى يمنحها الأبرار من عباده، فحسن الظن الراسخ لا يكون إلا بعلم بالله قرنه عمل صالح قدمه بين يديه قربانًا إليه.
وكان من آخر الدعوات التي لهج بهن والدي رحمه الله وهو على فراش موته: اللهم قد اشتقت للقائك – يرددها عشية الجمعة -.
وتأمل تشويق الحبيب صلوات الله وسلامه عليه للجنة دار السلام، واحْدُ بقلبك إليها لعلك أن تكون من الفائزين بها غدًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مئةُ درجة أعدّها للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» رواه البخاري.
 وله عن أبي سعيد ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغُرَفِ فوقهم كما تتراءون الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابر في الأُفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغُها غيرهم! قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين».
وعن أبي مالك الأشعري ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غُرَفًا يُرَى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلّى بالليل والناس نيام»، أخرجه الطبراني وأحمد.
 وعن أبي موسى ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يَرى بعضُهم بعضًا» متفق عليه.
 وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «أول زُمْرَةٍ تدخلُ الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءةً، ثم هم بعد ذلك منازلُ، لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، أمشاطُهم الذهب، ومجامِرُهم الأُلوَّة، ورشْحُهُم المسك، أخلاقُهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا»، وفي رواية: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشيًّا» وفي رواية: «وأزواجهم الحور العين».
وعن أنسٍ ؓ أن النبي ﷺ قال: «لقاب قوسِ أحدِكم أو موضع قدمٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها (يعني الخمار) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري.
 وعن أنس ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لسُوقًا يأتونها كل جمعة، فتهبُّ ريح الشَّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالاً» رواه مسلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «قال الله عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).
وعن صهيب ؓ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقّل موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا لأقرَّ لأعينهم منه» رواه مسلم.
وله من حديث أبي سعيد الخدري ؓ أن الله يقول لأهل الجنة: «أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».
اللهم ارزقنا الخلد في جنانك، وأحِلَّ علينا فيها رضوانك، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، من غير ضراءَ مضرَّة، ولا فتنة مضلة..آمين إله الحق. اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
10|10|1437

السبت، 2 يوليو 2016

السلفية هي عقيدة الصحابة وسلوكهم وليست مذهبًا فقهيًا

السلفية هي عقيدة الصحابة وسلوكهم وليست مذهبًا فقهيًا

يخلط بعض الناس حين يظن أن السلفية مدرسة فقهية، فيضعها جنبًا إلى جنب مع المدارس الأربع المشهورة، وهناك لا يسميها سلفية بل وهابية، وقد يجعلها خامسة المدارس أو متفرعة عن الحنبلية، وهذا ضلال، لأنه يفضي إلى رصّ مدارس البدعة بإزائها كالأشاعرة والمعتزلة والمتصوفة والإباظية.. ومن ثم يلبسهم جميعًا عباءة إساغة الخلاف في المسائل الفاصلة بينهم!

لذلك فلا غرابة أن يستعر المنادون بذلك في بلاد الحرمين فينادون بالإذن للمناهج المخالفة العقدية (وإن سموها فقهية) ثم يتهمون من وقف دون ذلك بالجمود والتحكم ونحو ذلك، فيظهرون للناس مطالبتهم بالتسامح مع مدارس بدعية ضالة بعد إلباسها مسمى المدارس الفقهية، وهذا تلبيس وختل. إذا المدارس الفقهية بعلمائها موجودة بلا نكير من قديم، إنما النكير على من خالف معتقد الصحابة المرضيين والدين اتبعوهم بإحسان.

وحتى تتضح الصورة فالمناهج العقدية هي مناهج علمية للمعتقد والسلوك والخلاف فيها مؤثر في التديّن - خلا تفصيلات يسيرة - أما المدارس الفقهية فهي للعمليات والخلاف في أكثرها سائغ لمن ملك أدوات الاجتهاد.

وعليه: فما بني على باطل فهو باطل، فالسلفية أو ما يسمونها بالوهابية ليست مذهبًا فقهيًا بل هي روح الإسلام ذاته، فقد يكون السلفي حنفيًا أو مالكيّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا، كحال أئمة المذاهب الأربعة وأئمة علماء الإسلام في الجملة، ولكن لا يكون صوفيًّا ولا معتزليًّا ولا أشعريًّا.

وبالجملة؛ فالسلفية هي الإسلام والإيمان في أنقى صورة، فهي مذهب السلف الصالح وهي معتقد الصحابة وهي الدين الذي جاء به رسول الهدى ‏ﷺ من لدن رب العالمين.

إبراهيم الدميجي
٢٧/ ٩/ ١٤٣٧


الخميس، 28 أبريل 2016

موقف المسلم من حاسديه وشانئيه

موقف المسلم من حاسديه وشانئيه
الحمد لله الذي لا أوَّل لوجوده، ولا آخر لجوده، لا إله إلا هو، وصلى الله على خير مبعوث بشرائعه وحدوده، وعلى الصحابة وأزواجه وجنوده، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن السعيد من ولد آدم هو من اتقى الله تعالى حق التقوى، وتحلى بسلامة الصدر وطهارة القلب، فالفائز عند الله غذًا هو من سلم صدره اليوم.
أخي المؤمن: إياك والحسد! فإنه آكل الحسنات، وموبِقُ إبليسَ في أسحق الدركات، فاغسل قلبك من حوبات الذنوب وطهر صدرك من نجاسات الأحقاد والشحناء والحسد والبغضاء. واعلم أن من توكل على ربه وفوض إليه أمره أوشك أن يصل بإذنه ورحمته.
ومن ابتلي بخوفٍ من حسد فعليه بالتالي: قال ابن القيم رحمه الله: "ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرةِ أسباب:
 أحدها: التعوذُ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، واللجوء إليه، والله تعالى سميع لاستعاذته عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به سمع الإجابة، لا السمع العام، فهو مثل قوله سمع الله لمن حمده.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظُه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى اللهُ حفظَه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" رواه الترمذي بسند صحيح. فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فمّمن يخاف وممن يحذر؟
 السبب الثالث: الصبر على عدوه، وألا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدّث نفسه بأذاه أصلًا، فما نُصِر على حاسده وعدوّه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيَه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغيٍّ عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه.
 ولو رأي المبغي عليه ذلك لسرّه بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله) فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولًا، فكيف بمن لم يستوف شيئًا من حقه، بل بُغى عليه وهو صابر؟! وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم، وقد سبقت سنة الله أنه لو بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكًّا.
السبب الرابع: التوكلُ على الله (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافية ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا.
 وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفّى به منه.
قال بعض السلف: جعل الله تعالى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره.
والتوكل من أجل مقامات العارفين وكلما علا مقام العبد كانت حاجاته إلى التوكل أعظم وأشد، وعلى قدر إيمان العبد يكون توكله.
السبب الخامس: فراغُ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه.
 وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوُّه ليمسكه ويؤذيه فلم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه فلم يقدر عليه عدوه، فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به؛ بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضًا، فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضًا.
 وهذا باب عظيم النفع لا يُلقّاه إلا أصحابُ النفوس الشريفة والهمم العالية، والكيّس الفطن بذلك يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه، لأنه يرى أن من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوّه وتعلّق روحه به، ولا يرى شيئًا ألم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة اللينة، التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها، فوثقت بالله وسكنت إليه واطمأنت به، وعلمت أن ضمانَه حق ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله ولا أصدقَ منه قيلًا، فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبتُ وأدومُ وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها. ولا يقوى على هذا إلا بالسبب السادس.
السبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته ومرضاته والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، فتدب فيها دبيب الخواطر شيئًا فشيئًا حتى يقهرَها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محابّ الرب والتقرب إليه وتملقه وترضّيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه، فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصّن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه، وذلك (فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)
 السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فإن الله تعالى يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره!
وفي الدعاء المشهور: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لم لا أعلم" صححه الألباني، فما يحتاج العبدُ إلى الاستغفار منه مما لا يعلمُه أضعافَ أضعافِ ما يعلمُه، فما سُلّط عليه مؤذ إلا بذنب.
 ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه فقال له: قف حتى أدخلَ البيت ثم أخرجَ إليك، فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به عليّ.
 وليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عُوفي من الذنوب عوفي من موجباتها، فليس للعبد إذا بُغي عليه وأوذي وتَسَلّط عليه خصومُه شيء أنفع له من التوبة النصوح.
 وعلامةُ سعادته أن يعكس فكرَه ونظره على نفسه وذنوبِه وعيوبه فيشتغلَ بها وبإصلاحها، وبالتوبة منها، فلا يبقى فيه فراغ لتدبّر ما نزل به، بل يتولى هو التوبةَ وإصلاحَ عيوبِه، واللهُ يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد.
 فما أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به، وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيقَ والرشد بيد الله، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فما كلُّ أحد يوفق لهذا لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الثامن من أسباب السلامة من كيد الحاسدين: الصدقةُ والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا وحديثًا لكفى به، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملًا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة.
 فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جُنّة واقية وحصن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها.
 والحاسد والعائن لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود، فحينئذ يبرد أنينه وتنطفيء ناره - لا أطفأها الله - فما حرسَ العبدُ نعمةَ الله تعالى عليه بمثل شكرها، ولا عرّضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة، وهو بابٌ إلى كفران المنعم.
 فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه، فمن لم يكن له جند ولا عسكر وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان.
 السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقّها عليها ولا يوفق له إلا من عظُم حظُّه من الله؛ وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه. فكلما ازداد أذى وشرًّا وبغيًا وحسدًا ازددت إليه إحسانًا وله نصيحة وعليه شفقة، وما أظنك تصدّق بأن هذا يكون، فضلًا عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قوله عز وجل: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) وقال: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون)
 وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" متفق عليه، كيف جمع في هذه الكلمات أربعَ مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه: أحدُها عفوُه عنهم، والثاني استغفارُه لهم، الثالث اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، الرابع استعطافه لهم بإضافتهم إليه فقال: (اغفر لقومي) كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي فهبه لي.
واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به:
 اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخافُ عواقبَها وترجوه أن يعفوَ عنها ويغفرَها لك ويهبَها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرَك أن تعاملَ به خلقه وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاء وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك.
 فمن تصوّر هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى ما أساء إليه هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيّته الخاصة كما قال النبي للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه فقال: "لا يزال معك من الله ظهيرٌ ما دمت على ذلك" رواه مسلم.
هذا مع ما يتعجلَه من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه، فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء، وذلك أمر فطري فطر الله عباده فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه ولا يريدون منه إقطاعًا ولا شكرًا.
 وفي الجملة ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مئة منفعة للعبد عاجلةً وآجلة.
 السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريدُ التوحيد والترحّلُ بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم.
 والعلم بأن هذه آلاتٌ بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضرّ ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه، قال تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله)
 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك" فإذا جرد العبدُ التوحيدَ فقد خرج من قلبه خوفُ ما سواه، وكان عدوّه أهونَ عليه من أن يخافَه مع الله تعالى، بل يُفردُ الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده". بدائع الفوائد (2 /  463 - 468) باختصار.
إبراهيم الدميجي

21/ 7/ 1437