إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 14 مارس 2014

أي بُنَيَّ المُبتعث


أي بُنَيَّ المُبتعث

في مجاهل بحر اليابان وفي سنة 1876م ولد الطفل "هيديو نجوشي" في إحدى الجزر الصغرى في اليابان لأسرة بلغ بها الفقر حدًّا جعل أباه يهجر أسرته حين علم أن طفلاً ثانياً في طريقه إلى الحياة! وأُهمل هذا الطفل إهمالاً جعله يسقط في مدفأة فاحترقت يده اليسرى حتى شاهت، وأوذيت يده اليمنى إيذاء كاد يفقد نفعها، فكان أن اجتنبه التلاميذ في المدرسة لما في جسده من وصمات وتشويه، فهمّ الصبيّ بالانتحار هربًا من مآسيه الجسدية والمالية والمعنوية، ولكن الله صرف عنه ذلك, فقد قدم جرّاح نابِهٌ إلى القرية حينها، وعالج يده اليمنى علاجًا ناجعًا.
 واعترف "نجوشي" للجراح بالجميل اعترافاً جعله يقرّر لتوّه أن يكرّس نفسه للطب, ومن ثمّ علاج المرضى والأخذ بأيديهم نحو العافية الجسدية؛ فمن رِحم المعاناة يولد الإبداع.
فجدّ واجتهد, ولم يبال بمشاق التعليم وصعوبات الدراسة واختلاف اللغة وغزارة العلوم التي يحتاج أن يهضمها أولًا ليقف على قدميه في ساحِ الطب, فتقدّم وثابر بعزيمة وصبْرٍ يبزّ عظماء المخترعين, ومن أقواله عن نفسه محدّثًا لها وسائقًا لها لبر النجاح: سأكون نابليون الذي ينقذ البشرية, لا نابليون الذي يفتك بها، إنني أستطيع الآن أن أعيش معتمدًا على نعاس أربع ساعات في الليل.
 وكان "نجوشي" مفلسًا، ولكن متى كان الإفلاس عائقًا عن التحدّي العلمي؟! فعوّض هذا العصامي الفولاذي نقص ماله بزيادة جهده, فعمل في صيدلية على أن يكفل صاحبها مصاريف دراسته. وبعد أن تخرج من كلية الطب, سافر إلى الولايات المتحدة وعرض خدماته على الهيئة الطبية في الجيش في واشنطن مقابل نفقاته فقط؛ فقبلوه لتقديرهم للروح العلمية فيه, وهيأت له مؤسسة "روكفلر" للأبحاث الطبية معملًا يجري فيه تجاربه وينجز أبحاثه بهدوء وجَلَد.
 وشرع الشاب "نجوشي" يعمل وحده, لا يشاركه أحد على الإطلاق في إجراء التجارب والقيام بالبحث العلمي، فانتهى به ذلك الإخلاص والدَّأَبُ لقطف بعض أطيب الثمرات الخالدة في الطب الحديث؛ فهو الذي أنتج أول عينة خالصة من جراثيم الزهري، وكشف عن أثر الزهري في الشلل العام وفي الشلل البطيء, وأخيرًا استطاع في سنة 1918م أن يعزل طفيليّ الحمى الصفراء؛ فلما كسب الشهرة والثروة عاد هذا الوفيُّ لبلده اليابان، وكرَّم أمه العجوز، وجثا على ركبتيه أمام الصيدليّ الذي أنفق على دراسته الطبية اعترافاً له بالجميل.
 ثم انطلق إلى إفريقيا _ حيث الوباء الفتّاك _ ليدرس الحمى الصفراء التي كانت تفتك بساحل الذهب من أوله إلى آخره، فأصابته هذه الحمى التي صرعته بعدما نجح في كشف سرّها, ومات سنة 1928م عن اثنين وخمسين عامًا.
ولي ثلاث وقفات عجلى مع تلك القصة المؤثرة:
الأولى: لست بصدد نقد الابتعاث, فهو في مجملة رافد عظيم للتقدم الحضاري الدنيوي في المجالات التجريبية المختلفة, إنما أُسجّلُ تحفّظي على ابتعاث من هم دون سن النضج (وهو في العادة بعد المرحلة الجامعية) فقد أفرز هذا التساهل انحرافات فكرية وأخلاقية لدى بعض فلذات أكبادنا. كذلك أنبّه لضعف معيار الجودة النوعية في اختيار المبتعثين, وذلك بتدني سقف المقابلة والامتحان مما نتج عنه ضعف ملحوظ في المستوى الدراسي لدى نسبة غير قليلة أثناء الابتعاث. وبالجملة فلا بد للمبتعث من حَصانتين: إيمانية لدفع الشهوات المحرمة, وعلمية لدفع الشبهات المضللة.
الثانية: التحول الاجتماعي والانقلاب الصناعي في أي أمة لا بد أن يسبقه تحوّل ثقافي أخلاقي إيجابي, وبحسب البعد المنهجي وعمقه للأمة يكون تسارع قطعها للمسافات الزمانية للرقي المدني الحضاري, مع التنبيه إلى ضرورة وجود الإرادة ثم الإرادة ثم الإرادة لدى المسؤولين لبناء ثقافة عمليّة (دراماتيكية) مجتمعيّة مستمرة, وليس مجرّد هبّات هنا وهناك, فيتفرّق الجهد وينقطع العمل, مما يثقل الكاهل بأعباء وتكاليف لم نكن بحاجة لها لو وُجدت المتابعة الدقيقة والحزم الصارم مع المتلاعبين والمختلسين والانتهازيين ونحوهم.
ومن الثقافة المحتاجة للتعزيز لدينا: ثقافة الجديّة, والنظام, وعدم الاستنكاف من العمل اليدوي, ونشر ثقافة العصاميّة دون الشرانق المعتمدة على كدِّ والديها.
لقد احتاجت اليابان إبّان قفزتها الشاهقة السريعة من نظام الإقطاع إلى النظام الصناعي والتجاري لخمسة عشر عامًا فقط! (ما يعادل خمس خطط خمسية فقط في بلداننا اليوم) فاستدعت الخبراء الأجانب في مختلف فروع المدنيّة الصناعية الذين وجدوا في مساعديهم اليابانيين العطش العلمي للروح الصناعية, فشربوا علوم معلميهم وطبقوا تجاربهم _ تحت أعينهم _ فلم يمض خمسة عشر من الأعوام حتى صار المتعلّمون أقرانًا لمعلميهم, فابتدأوا صناعة وطنية يابانية نقلت اليابانيين من خيام الجلود والأكواخ إلى المصانع وناطحات السحاب, ومن بدائية المحراث والمطرقة لعصر الأجهزة المعقّدة.
ثالثًا: ليس الابتعاث دليل نقص في بلد المبتعث, فلا زالت الحضارة تنتقل من بلد لآخر مع تغيير لغتها وملبسها, فهي لا تموت ولكن تنتقل, وقد كانت جامعات الأندلس تستقبل المبتعثين من بلاد أوروبا عقودًا طويلة, حتى كانت لغة العرب هي لغة العلم والثقافة وزيّهم هو لباس الحريّة والتنوير, حتى بين أولاد ملوك ونبلاء وأشراف ومثقفي أوروربا في ذلك الحين السعيد.
رابعًا: رسالة مودّة لسفراء بلادهم في الأخلاق والجديّة وحب العلم والعمل من المبعثين من الجنسين:
 أي بُني المبتعث: سلام الله عليك, وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة, وأحاط دينك ودنياك بحفظه, وردّك لأهلك سالمًا غانمًا, خذ مني هذي الوصايا الموجزة التي دفقها الفؤاد المفعم بالمحبة لك وحسن الظن بك:
اعلم أنها سنين قلائل ستطوى سريعًا من تحت قدميك وسيترتّب على إنجازك لها مصير مستقبلك في حياتك, فأنت من تفصّل الثوب الذي ستلبسه غدًا بإذن الله.
واحفظ أمانة الله التي أودعكها وهي دينك, فمن فقد دينه فليس عنده شيء يُبكى عليه بعد, فاتق الله وعظّم شعائره وحرماته وحدوده, واحذر ذنوب الخلوات ومنها ما كان بعيدًا عن رقيب قومك, وقد أوصى أحد سلفك صاحبه حين سافر قائلًا: لا يكن الله أهون الناظرين إليك. وإياك والمشتبهات الفكرية, وارجع لأهل العلم فيما أشكل عليك. ثم الزم الوسطية, واعلم أنها صراط الله, فكل من زاد فيها أو نقص منها فقد غوى.
وكن واضح الهدف, حسن التخطيط لبلوغه, متحلّيًا بالجديّة والانضباط.
 ولتكن حسن المظهر, نقيَّ المخبر, واسع الأفق, رحب الصدر, دمث الأخلاق, مراعيًا للمفاسد والمصالح, مفرّقًا بين المداهنة والمداراة, واترك أثرًا طيبًا في كل من تتعامل معهم, ولتكن خير سفير لدينك وبلدك وأهلك.
بارقة: جامعة الوصايا: اتق الله حيثما كنت "ألم يعلم بأن الله يرى" 
إبراهيم الدميجي
صحيفة الاقتصادية

مقال ذو صلة: 

الجمعة، 7 مارس 2014

التقوى بين الغلوّ والجفاء



الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان,  أما بعد:
فمن سنن الله تعالى في خليقته أن نوّع المدارك, وفضّل في المِنح, ورفع بعض الناس على بعض في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم وأرزاقهم, وبثّهم في هذه الدار امتحانًا وابتلاءً. كلٌّ منهم يحرث أيامه بأعماله, ويستبق أجله مع أنفاسه حتى إذا بلغ المدى الأخير عادت وديعة الروح لصاحبها ورجعت لخالقها.. حتى إذا أذن الله للحساب؛ أقام الأشهاد, وجمع الأولين والآخرين.. حينها: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله" "كل نفس بما كسبت رهينة" "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
حينها يكون الافتراق العظيم  في المصير على قدر الافتراق اليوم في التديّن "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون . وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فؤلئك في العذاب محضرون"
فبما أن الأمر بهذا الخطر فقد وجب على كل ناصح لنفسه أن يراجع مسيرته, ويحاسب نفسه قبل الفوات, كي يستعتب في دار المهلة ويؤوب قبل أن لا تحين مناص.
ومن فروع تلك المحاسبة: أن لا يكتفي بإحسان النية دون إحسان الاتّباع, فرُكنا قبول العمل الإخلاص والاتّباع, ولا يكفي شرط عن مُكَمّله, فلا بد من تحقيق الشهادة الأولى بتجريد النية وإخلاص العمل وتوجيه الوجه للواحد الأحد لا شريك له, ثم بتحقيق الشهادة الثانية بإحسان الائتساء بمن لَهَجَ له بالشهادة بالرسالة صلوات الله عليه وسلامه وبركاته, وهو القائل _ بأبي هو وأمي ونفسي _ فيما رواه الشيخان: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" وكفى به عن الإحداث زاجرًا.
فقل لمن لم يخلص: لا تتعب! وقل لمن لم يتّبع لا تتعب! "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا"
وشرْعُ الإسلام وسط بين الشرائع, قد جمع الله فيه كل كمالاتها وجعله خاتمًا لها ناسخًا, "ومن يبتغ غير الإسلام فلن يقبل منه" وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وسط بين الأمم, عدولًا خيارًا شهداء على الناس, "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا"
وما من أمر لله إلا وللنفس فيه إفراط أو تفريط, ومن رحمة الله أن جعل منار الدين واضحًا جليًّا, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم محفوظة نقيّة "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فمن رام الفلاح فليبدأ من هنا. لا غلو ولا جفاء, فابعث نفسك على العمل واجتهد ولا تقصّر, ثم قف حيث وقف القوم, فلا خير في التقصير ولا خير في الغلو.
إبراهيم الدميجي
6/ 5/ 1435

الأحد، 2 مارس 2014

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة
أن تصل مرتبة الإحسان التي أعلاها وأشهرها رسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" عليك بأمرين:
إحسان المعتقد, وإحسان المتابعة.
"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا" صلاحًا بحسن الاتّباع وهجر الابتداع, وإخلاصًا بالبراءة من كل ما يشوب صفاء التوحيد من لوثات التشريك.
فإحسان السلوك يبدأ من هنا, وبهذا تتحقق لك الشهادتان قولًا وعملًا, فإن كنت كذلك فافرح بفضل الله تعالى, واحمده واشكره والهج بتقديسه وذكره, واسأله المزيد من فضله, والتثبيت على صراطه, وإن كنت على غير هذه الجادة _ إما دَخَلًا في معتقد, أو ابتداعًا في الاتّباع _ فلا تتعب نفسك, فعلى قدر الانحراف تكون المؤاخذه بعد إقامة حجة الله تعالى على نفسك.
فيا صاحبي اضرع إلى ربك, وانطرح بين يديه, وانكسر في سجودك مبتهلًا: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
إبراهيم الدميجي

الجمعة، 28 فبراير 2014

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

الحمد لله وبعد: فتنقسم اللغة العربية القديمة إلى قسمين: شرقية وهي الأكدية (البابلية والأشورية) وهي لغة عرب ما بين النهرين والهلال الخصيب، وغربية وهي تنقسم إلى قسمين: شمالي (الكنعانية والفينيقية) وهي ممتدة من شمال جزيرة العرب إلى حوض البحر المتوسط، ويتفرع عنها الموءابية والعبرية والآرامية، وجنوبي (عربي شمالي وعربي جنوبي) وهي ممتدة من وسط جزيرة العرب إلى جنوبها مع سواحل أفريقيا الشرقية والحبشة، وتمتد شمالًا حتى تدخل العراق.
وقد يستقيم لنا القول: إن اللغة العربية قد مرت بثلاث مراحل: الأولى هي العربية القديمة كالعاديّة والثموديّة والأكديّة والفينيقية. والمرحلة الثانية: هي العربية المتوسطة كالآشورية والبابلية والكنعانية وما تفرع عنها من عبرية وآرامية وجنوبية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العربية الحديثة (الفصحى).
وإيضاحًا لذلك نقول: إن أقدم الحضارات المشهودة على ظهر الأرض هي الحضارة السومرية (ويُعتقد أنهم بقايا قوم نوح عليه السلام الذين نجوا من الطوفان) ويرجح البعض أن أوّل أمرهم كان قبل (6000) من الميلاد، علمًا بأنه لم يبق من الشعوب سوى ذرية نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: 77]. فنوح  عليه السلام هو أبو البشر الثاني.
ويقال: إن نسل نوح عليه السلام ثلاثة وهم: سام حيث بقي نسله في الهلال الخصيب والشام وجزيرة العرب وشمال إفريقيا، وحام ويُظن أن نسله في جميع إفريقيا ــ خلا شمالها ــ، ويافث وقد انتشر نسله في آسيا وأوربا (مع اختلاط هذه السلالات في كثير من المناطق).
والسومريون يعودون ــ أو غالبهم ــ إلى الشعوب السامية المتفرعة من سام بـن نوح عليه السلام ، وإليهم ترجع أقدم حضارة إنسانية معروفة، وهم أول من شق القنوات الزراعية وأنشأ السدود وصنع بعض الصناعات البدائية، كذلك إليهم تنسب أقدم الكتابات البشرية وهي المسمارية (وهي أنماط منحوتة على الحجر أو الطين أو المعادن) ثم تبعها اختراع الكتابة التصويرية (أي نقش الصور ورسمها لتدوين المراد، كلغة المصريين القدماء) ثم تبعتها الأبجدية الأولى (أي كتابة الأحرف الصوتية اللسانية) على يد الفينيقيين العرب ولا زال معمولًا بها حتى الآن. مع التنبيه إلى تعليم الله تعالى لآدم عليه السلام أسماء كل شيء، وقدرته على الخطاب، فالموضوع في الكتابة وليس النطق.
ثم نشأت على أنقاض الحضارة السومرية الحضارة الأكدية (3000ق.م) بشقيها الآشوري والبابلي، وما تفرع عنها من الكلدانيين (الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام) كذلك الكنعانيين الساميين الذين فارقوا حضارتهم السومرية إلى جزيرة العرب أولًا, ثم انتقل كثير منهم إلى حوض المتوسط الشرقي والجنوبي وبعض الغربي, وبقي بعضهم في حرّان.
وبالتحليل الجينوغرافي (دراسة السلالات عن طريقة الجينات الوراثية) قامت به الجامعة الأمريكية في بيروت، تبيّن أن 99% من شعوب شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه يعودون إلى جين J2 وهو نفس الجين الذي يحمله سكان جزيرة العرب.
ومع هجرة الساميين إلى جزيرة العرب استوطن بعضهم جنوبها الغربي وبنوا حضارات مشهورة، كذلك فقد وصلوا للسواحل الأفريقية وتوغلوا إلى وسط إثيوبيا.
أما الفينيقيون الساميون فإنهم انتقلوا من شرق جزيرة العرب إلى شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه ــ كما أسلفنا ــ وأسسوا حضارة عريقة وعظيمة امتدت إلى جزر بعيدة في المحيط الأطلسي، بل وصلت تجارتهم لأمريكا الجنوبية إذ وجدت بضائعهم مع بقايا حضارات القارة الأمريكية الجنوبية القديمة كالمايا وغيرها, وهي البضائع التي تحمل شعارات الفينقيين وبعض رسوم آلهتهم الوثنية.
وعلى أنقاض الفينيقيين قامت حضارة جديدة ــ غير ساميّة ــ وهي حضارة الإغريق (اليونان) الذين خرّجوا الفلاسفة المشاهير كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وأسسوا المعابد الوثنية خاصة في أثينا وهي الحضارة الهيلينية، ومن أشهر قوادهم وحكامهم الإسكندر المقدوني.
ثم على أنقاض الإغريق قامت حضارة جديدة آتية من سهول أوروبا, وهي الحضارة الرومانية التي عُمّرت طويلًا واشتهرت بالطغيان والجبروت, كحال من سبقها من بعض الحضارات الكبرى، وكانت نهايتها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى على يد الأمة المسلمة، لكنها بقيت بعد ذلك طويلًا في شرق وجنوب وعمق أوروبا.
وعليه نقول: إن الفينيقيين العرب هم أول من أبدع الأبجدية المعمول بها حاليًّا، وعنهم أخذت اللغات الأخرى أبجدياتها، بل أخذوا حتى أشكال الكثير من حروفها، ذلك أن الفينيقيين كانوا أمة تجارة وتواصل مع الأمم الأخرى, فاحتاجوا لتدوين كثير من أمورهم, فتفتقت عبقريتهم عن تلك الأبجدية الفريدة، ومن أمثلة ما أخذته الأمم عنهم في أبجدياتها ما نراه في اللغة الإنجليزية الحالية، فإن كثيرًا من حروفها يتطابق شكلًا ونطقًا مع الحروف الفينيقية مثل (Y- u- a – B- D- H- K- L- M- N)، وقد أخذوا حروفًا أخرى فينيقية وأبقوا على شكلها مـع تغيير في نطقها مثل (O- Q- R- W- X) مع ترك اللاتينية والإنجليزية بعض الحروف الفينيقية لثقل نطق حروفها عليهم، لكنها بقيت في اللغة الأم العربية حتى زماننا هذا، وذلك مثل (ح ـ خ ـ ص ـ ض) وغيرها، وبعد تفرق الفينيقيين في المساحات الشاسعة تغيرت لهجاتهم حتى صارت لغات مستقلة كالعربية والعبرية الكنعانية والفينيقية المعروفة والآرامية، وهذه الأخيرة خرجت من رحمها عدة لغات أخر كالنبطية لكن أشهرها السريانية.
 والمشهور أن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام، ولا زالت الكنيسة السريانية تحتفل بعيد نجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي أوقدها له أعداؤه، وكان أول أمر إبراهيم عليه السلام في بابل التي كان مركزها وسط العراق (بقرب مدينة الحلة حاليًّا) وعلى هذا فالآرامية (التي يشتهر أنها لغة المسيح عليه السلام) هي فرع عن الكنعانية الفينيقية العربية القديمة.
 وعلى هذا فإن إبراهيم عليه السلام كان عربيًّا – بهذا الاعتبار - لأن لغته هي السريانية المتفرعة من الآرامية، وكان يتكلم مع زوجات ابنه إسماعيل عليه السلام في مكة ويفهمن كلامه وهن جرهميات عربيات، ثم أخذت اللهجات تتمايز وتتطور مع نحت الزمن لها حتى صارت لغات مستقلة عن اللغة الأم العربية التي تطورت كثيرًا في عهد إسماعيل كما في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه بالضاد إسماعيل»
ثم أخذت تلك اللغة في الرقي والتطور والسمو حتى بلغت المقام الرفيع والسقف الأعلى على الإطلاق في العهد القرشي حيث خلّدها القرآن الكريم فكانت سقفًا أعلى لا يتجاوز لأنها عربية مُبِيْنَة (فصحى) ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]
 لهذا فقد كانت قريش تفتـخر ببيانها على بقية العرب العرباء قبل الإسلام، بل تصفهم بالعجمة مقارنة بلغتهم الفصحى، وقد أقرت لها العرب بذلك التميّز وحكّمتها في أشعارها وبيانها.
ولك أن تقارن اللغة العربية الفصحى بأي لغة عالمية من شرق العالم لغربه فسترى الفرق الشاسع والفارق المبين بينها وبينهن سواء كان في عدد الكلمـات حيث فاقت العربية الإنجليزية 400%، هذا عدا الاشتقاقات المختلفة والجذور الدلالية التصريفية، وسهولة التعريب، كذلك عدد المترادفات للمعنى المتقارب جدًّا حتى إن من لا يعرف العربية يظن أن تلك المترادفات تأتي لمعنى مطابق, ولكن في الحقيقة أن كل كلمة تؤدي معنى مستقلًّا وإن كانت تـخدم المعنى نفسه، ولكن على حسب فصاحة المتكلم تتنوع خياراته ويصيب كبد المعنى برمي لفظه المطابق له.
إذن فاللغات السامية تفرقت, وبقيت منها اللغة العربية بلغاتها المختلفة, إذ العربية القديمة فرع عن السامية، ولك أن تتصور أن اللغات الإفريقية الأمهرية والهروية والسواحلية أصولهن عربية، ويجتمعن مع العربية السائدة في تراكيب وتصاريف بعيدة الجذور الزمانية, حتى صارت لغات مخالفة للفصحى السائدة في الزمن الحاضر.
وهناك من الباحثين من ينازع في كون الآرامية والسريانية تعودان في أصولهما للعربية, بل يرجعونهما رأسًا للسامية القديمة، وهذا قول وجيه، والأمر في ذلك واسع، وليس بين أيدينا سواء في تاريخ الحضارات أو اللغات سند أو دليل قطعي يرجح أيًّا من تلك النظريات.
 والله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بأن علمه البيان والإفصاح عما في خاطره، وسرد ما في خبايا عقله، وفارق بعقله ولسانه الحيوانات المعجمة التي لا تبوح بمكنوناتها إلا بصوت مجرد من حركات اللسان، قال تعالى: ﴿الرحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان﴾ [الرحمن: 1ــ 4].
بارقة: الكتاب كالإنسان. فالعاطفة روحه, والأحكام دمه, والدلائل عقله, والأخبار أعضاؤه. فعلى قدر تمامها ونقصها تكون حياته.
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

صحيفة الاقتصادية

الأربعاء، 19 فبراير 2014

"تحرير وتصفية مصطلحات عقدية"

"تحرير مصطلحات عقدية شائعة"



 ما زالت - بحمد الله - للغة القرآن جادة يطرقها من رام الكلام في المعتقد، ذلك أن اللغة هي الوعاء للمعاني، والحبل الموصل للمعين الأصيل من الوحي الإلهي بشقيه؛ الكتاب والسنة، فإن اختلت اللغة أو ضعفت أو حتى اشتبهت، لحق المحتوى بقدر ذلك في ذهن المُتلقِّي.
وكم دخل المبتدعة حصون السنة عن طريق اللغة، سواء بتقحّم الأدلة بعُجمة ككثير من أهل الكلام، أو بطبع أصول الديانة بطابعهم - عند أتباعهم - كما فعل المعتزلة، وهم قلة نسبة لعلماء السنة في العربية، ولم يصب من زعم خلافه.
وسأقف في هذا المقال إزاء نموذجين لقوالب لغوية مشهورة بين تدوينات وكلمات أهل العلم المعاصرين في مسائل المعتقد؛ الأول من جهة الاشتباه، والثاني من جهة الخطأ في المعنى والتصريف.. وهي قابلة للنقاش على كل حال لأنها من قبيل المصطلحات التي لا مشاحة فيها عند سلامتها معنى ومبنى.
الوقفة الأولى: تسمية توحيد العبادة بأسماء أخرى (ألوهية، إلاهية، عبوديةتسميةٌ صحيحة بلا تردّد، لا من حيث الاشتقاق ولا من حيث المعنى، لكن هناك ربكة ذهنية في فهوم طلبة العلم حيال ذلك، وقد لاحظتها فيهم ابتداءً من المراحل الابتدائية حتى ما بعد الجامعية!
فإذا سألت أحدهم عن الفروق بين توحيد الربوبية والألوهية، حار في الجوابللاشتباه في الاشتقاق.
سبب ذلك أنه بطبيعته العربيّة سيعيد اللفظ تلقائياً إلى اشتقاقه ومصدره، وسيؤديه هذا إلى أن الربوبية مشتقة من كلمةالرب، والألوهية مشتقة من كلمة “إله، والكلمتان تشيران إلى ذات واحدة؛ لأن اجتياز ذلك المدى المعرفي اللغوي إلى الوصول لمعرفة أصل كلمة “رب” ورجوع اشتقاقها ومصادرها وفروعها لمعنى الخلق والملك والتدبير، أو أن كلمة “الإله” راجعة إلى معاني التألّه والعبادة، من مألوه بمعنى معبود؛ ليس لطلبة زماننا، فالعجمة فيهم فاشية ظاهرة!
فطال تشقيق الكلام على معنى كنا في غنى عن تشتيت مبتدئة الطلبة فيه.. لذا فلو اكتفى العلماء في تحريرهم وبيانهم أقسام التوحيد الثلاثة على القول بأنهاالربوبية، والعبادة، والأسماء والصفات والأفعال؛ لكان خيراً، لأمرين:
الأولراحة للطالب من الحيرة، ورحمة به من التشتّت.
الثانيأن لفظ العبادة شرعي وليس بمحدث، وإن كانت كلها شرعية، أعنيالألوهية والإلهية، لكن هذا اللفظ أقرب من جهة أنه متعلّق بالعبد ونيته وأقواله وأعماله.. والله أعلم.

الوقفة الأخرى: من تلك المصطلحات المحتاجة إلى إعادة نظرمصطلحالتخلية والتحلية، وقد انتشرت هذه الجملة بين المتأخرين في بيانهم معنى ركني الشهادةوأرى أن لو استبدلت بما هو أولى منها، خاصة أنه يوجد في اشتقاقات جذر كلمة “التخلية” ما هو أولى منها، ككلمة “إخلاء” مثلاً، لدلالتها على التفريغ والإزالة فقط، أما التخلية فلها معانٍ أُخر غير مرادة.
أما “التحلية” فلا أراها سائغة، وليس لها معنى مفهوم في مرادها الموضوعة له في هذا السياق؛ لرجوعها في الأصل للحِلية وللحلوى.
والتحلية” المرادة هنا ربما ظنوا أن أصلها كلمة “إحلال، فصرّفوها على وزن “تحلية” لتواكب التخليةولا أرى هذا التصريف من العربية في شيء.
وعلى القول بإرجاعها إلى الحلوى أو تحلية الطعام، وهي الوجبة الحلوة المقدمة بعد الدّسم؛ فهو إزراء كبير بمعناها!
هذا ولم أجد للسلف في التعبير بها حرفاً، وكل خير في اتّباع من سلفوكأن أصلها راجع إلى الطُّرُقيّة، ومن ثمّ إلى أرباب السلوك المتأخرين، ويقصدون بها معاني عدة، منهاالذكر الخاص، وأحوال ترد على قلب المريد والسالك، ونحو ذلك.
الشاهد: أن هذه الجملة في حاجة لإعادة تقويم ونظر. ولو قيل: الكفر بالطاغوت قبل الإيمان، أو البراء قبل الولاء، أو النفي قبل الإثبات.. والأخير كأنه أجود من جهة الإطلاق اللغوي.. وبالله التوفيق.

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

نظرة في تكفير المعين.. غدًا إعتاقٌ أو إيباقٌ!

نظرة في تكفير المعين.. غدًا إعتاقٌ أو إيباقٌ!
الحمد لله وبعد: ففي هذا الزمان الحالك, رخصت الفتاوى, وافتُئتَ على أهل العلم, واستُحلّت دماءُ وأعراضُ أهلِ الإسلام من لدن أهل الإسلام! فعادت سُلالة فكرِ ذي الخويصرة جذعة فتيّة, واشرأبّت أعناق الفتن والبلايا من رؤوس حدثاءِ الأسنان سفهاءِ الأحلام, وظهرت قرون الغلوّ التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إياكم والغلو, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" رواه ابن ماجه بسند صحيح.
وموجبات الردة, ونواقض الملة عديدة, وقد استحق وصفَهَا من لا خلاق له ممن رام تبديل الدين والهزء بالشريعة وحرب الله ورسوله, فتتردد بين الحين وأخيه قالاتُ فجورٍ وأفعالُ كفر, حقيقٌ بمن بسط الله يده بالسلطان والتمكين أن يقوم فيها لله محتسبًا قَصْبَ الزنادقة.. وكثير ما هم!
وفي مسند أحمد بسند حسّنه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَحدٌّ يُقام في الأرض خير من أن تُمطروا أربعين خريفًا" نعم, فمنفعة الغيث خاصة بالأجساد, ومنفعة الحدِّ نفعها للأديان, وهي غاية خلقِنا. ولو علم الأثيمُ قُربَ الحَدّ من الحَدِّ ما اجتازه, ولكن من أَمِنَ أساءَ!
بيد أن مسألة تكفير المعيّن في غاية الخطر إن كانت في يد من لم يملك أدواتها, وفي سلطة من لم يستتم شروط إيقاعها, فلا يجوز بحال أن يُترك عنان التكفير للعامّة, بل هو خاص بمن أوكل الله لهم سياسة الناس بالشريعة, وهم العلماء الراسخون الذين علموا شروط التكفير وموانعه, وأحسنوا إقامة الحجة على متنكبي المحجة, فقد يُتهم المرء بارتكاب مكفِّر وهو منه براء! إنما كُذب عليه كما كُذب على كثير من الأجلّة كافترائهم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والمروق من الدين وإهانته لجناب النبوة! وكذبهم على الإمام المجدد بأنه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم, ويدعو لدين جديد, ونحو ذلك البهتان الذي طال كثيرًا من المصلحين في هذه السنين.
هذا, وقد يركب المرءُ المعصيةَ وهي ليست من المكفرات, فيُرمى – جهلًا وظلمًا - بالردة! كصنيع الخوارج بمرتكب الكبيرة.
 كما قد يركب الذنب المكفِّر المخرج من الملة في ذاته, ولكن لا يحكم بكفره بسبب أحد الموانع, فلا بد مع استجماعِ الشروطِ انتفاءُ الموانع:
كالجهل: كما في قصة الذي قال لولده: "إذا أنا متُّ فأحرقوني, ثم ذُرُّوا رمادي في الهواء فلئن قدر الله علي ليعذبني..." والحديث مخرّج في الصحيحين, فهذا الرجل شكّ في عموم قدرة الله تعالى, وهذا من المكفرات, مع هذا غفر الله له لخشيته وجهله.
وكالخطأ: كقصة الفَرِحِ بعودة دابته بعد يأسه من النجاة فقال بعد استمكانه منها: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك, أخطأ من شدة الفرح!" ومن فروع ذلك: سبقُ اللسان بما لم يقصده الجنان من ألفاظ الكفر, وبخاصة مع وجود القرائن الصَّارفة.
وكالتأويل الذي له وجه: ولم يتضح الحق لصاحبه, كالكثير ممن يظنون أنهم ينزهون الله تعالى عن طريق قواعد ذهنية أحسنوا بها الظنّ فسمّمت تصوراتهم, فوصل بهم ذلك إلى إنكار بعض صفاته. وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف بعض من قال بتلك المقالات. وقال شيخ الإسلام لبعض المحرفة(المؤولة): أنتم تقولون كلاماً لو قلت به لكفرت! لكنكم لم تكفروا عندي لأنكم ترومون التنزيه بذلك التحريف, ولم تتصوروا حقيقة مذهبكم ومآل مقالاتكم. أما تأويلات الباطنية والفلاسفة والرافضة وأشباههم فهي كفر محض.
وكالإكراه: لقوله تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" وبعضهم خصّ الرخصة بالنطق فقط, وبعضهم خصّ الإكراه بالتهديد بالقتل دون الضرب والحبس, والله أعلم.
واعلم أن تكفير المعين يختلف عن تكفير الوصف فالوصف كقولنا: تارك الصلاة كافر. أما تكفير الشخص المعين فهو أن تقول: فلان كافر! وهنا مكمن الخطر لمن توغَّل في ذلك بغير بينة ولا برهان. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة الوداع _ وتأمل عظمة الموقف وأهمية البيان وقيمة كل حرف فيها _: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت؟" قالوا: نعم, قال: "اللهم اشهد. فليبلّغ الشاهد الغائب, فإنه رُبَّ مُبلِّغٍ يُبلِّغُه لمن هو أوعى له".
وبالجملة فلا تفريط ولا إفراط, والتقوى وسط بين الغلو والجفاء, وكما قال علي رضي الله عنه: خير الناس النمط الأوسط, الذين يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي.
الشاهد من هذا أن على الناصح لنفسه أن لا يقع في شَرَك التكفير بغير حق, وليعلم أن من دخل في الإسلام بيقين فلا يُخرج منه إلا بيقين, وليتيقَّن أن لكلّ كلمة طالباً من الله تعالى, وأنه موقوف بين يدي الجبار جل جلاله, ومسؤول عن ما اقترفه لسانه أو خطه بنانه, فليعدّ للسؤال جواباً وللجواب صواباً, وأنّى ذلك إلا ببرهان شاف, واستدلال كاف. والكلمة يملكها من كانت حبيسة جوفه, لكن إن خرجت فقد ملكته, فإما إعتاق أو إيباق! والله المسؤول أن يحفظني والقارئ والمسلمين من مضلات الفتن ودواهي المحن, فهو المستعان, وعليه التكلان, ولا إله إلا هو.
ومضة قلم: في الساعةِ التي يتبعُ فيها الجسدُ العقلَ, ويخدم كلاهما الروحَ؛ هناك فقط ستذوق عينَ النعيم, وتوقن أنك في مقصود الخليقة. فلا تضادَّ بينها, ولكن تكامل وأولويات.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية


الجمعة، 7 فبراير 2014

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني
 حي الله أخانا سعيد, أسعد الله أيامه ولياليه.. وأبلّ بالهناء نواحيه؛ وبعد:
فأتفق معك – عزيزي – في كثير مما عقبت به على مقالي "احذروا كسر الباب" تحت هذا الرابط: http://aldumaiji.blogspot.com/ وبخاصة في أهمية تحرير الروايات التاريخية التي تمس أعظم أجيال بني الإنسان بإطلاق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وإن كنت – غفر الله لك - قد عنونت مقالك بما حسبت أنه سيكون تعقيبًا شموليًا وليس بالتعقيب الخاطف على جملة واحدة, ثم السباحة بعيدًا في لجج اليَمّ عن محاور ذياك المقال. فمرحبًا بك وسهلًا. ولتنعم براجمك بفائق تأملك وعذب حروفك.. ياذا المفاكهة المشوقة.
سأبدأ بتعقيبك, ثم أمخر معك شيئًا من سيلك العرم.. فليسددني إلهي ومولاي.. هو حسبي ونعم الوكيل.
 ألمحت في تصديرك عن طريق رغبتك لكل باحث محقق أن يتسم بالتأمل والشمول والعمق.. الخ ثم ثنيت بفقد كثير من الكتابات التاريخية للمنهجية والدقة واتسامها بالقصور المنهجي.. ثم أسقطت هذه التقدمة على ما خطه بنان أخيك في شأن أمير المؤمنين علي مع أخيه معاوية رضي الله عنهما "مع التسليم بأن أولى الطائفتين بالحق هو علي رضي الله عنه".
ولا أريد الإطالة لكن أذكرك بأن هذا التعبير هو لفظ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه إذ قال فيما رواه أحمد ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق" هذا لفظ الإمام أحمد , ودلالة الحديث ظاهرة, فليس لأحد تقحّم المشاقة وركوب المخالفة, فما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس, سمعنا وصدقنا وأطعنا. فإن رام أحد خلاف هذا المعنى المتبادر فليس له إلا بحديث آخر صحيح صريح فيه معنى يحيل هذا الفهم. ولا أعلمه. فالحذر الحذر من التقدم بين يدي الله ورسوله – يا رعاك الله -.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (4/467): "فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه على حق، وأن علياً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه" إذن فليس في كلامي ما يدل على تخطئة أي صحابي؛ لا أم المؤمنين في سعيها للصلح, ولا معاوية في اجتهاده رضي الله عنهما. كيف والمقال كله في تقرير موقف أولئك الأجلّة في اجتهادهم, ووجوب مراعاة صحبتهم وفضلهم علمهم وديانتهم وحرمتهم, وأنّا لسنا بشيء حتى نخطّئهم أو نتعقبهم! وبهذا تسقط دعواك, أيها الكريم.
وههنا مسألة تشتبه على بعض الناس وهي الخلط بين مسألة: أيهما أولى بالحق علي أم معاوية, ومسألة: قتال الناس مع إحدى الطائفتين أو القعود عنه لأنه قتال فتنة.
فالمسألة الأولى: فقول عامة أهل العلم فيها أن عليّا وأصحابه أقرب الطائفتين للحق, إذ هو ظاهر النصوص. أما المسألة الثانية فقد رجح شيخ الإسلام أن الأقرب للصواب هو رأي القعود عن القتال لأنه قتال فتنة, ونسب هذا القول لأكثر أهل العلم من سلف هذه الأمة وخلفها, وقد خالف في ذلك بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم كالإمامين النووي وابن حجر لأدلة قدموها, والمسألة هنا متجاذبة الاجتهاد, والأقرب تصويب رأي الجمهور في القعود, والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (55/ 35): "وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب, واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة وبينوا أن هذا قتال فتنة" وقال (77/35) "والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارا; لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول: عمار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب.  
وفي الثاني: سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة; وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي; ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين ." وقال في منهاج السنة: (4/219):  "ومنهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين, فليس في الاقتتال صواب, ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية, والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليا كان أولى بالحق. وهذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء, وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان"
هذا, ولي وقفة مع تكذيبك لخبر من ختم القرآن في قيام ليله وأن ذلك غير ممكن عقلًا! وليت عقلك يكف عن بعض المجازفات, فالثقة المطلقة ببداهة الرأي آيلةٌ في ثاني الحال للعطب. ولعلها من كبوات الجياد وهفوات الأمجاد.
والقصة في قراءة ذي النورين للقرآن في ركعة واحدة ثابتة, وقد صححها جماعة منهم ابن عبد البر والطحاوي وقد فعلها غيره من الصحابة ومن بعدهم, كتميم الداري وابن الزبير رضي الله عنهما وعلقمة وابن جبير والشافعي رحمهم الله.
 قال الحافظ في الفتح (2/482): "وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها, ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها" أما بخصوص عثمان رضي الله عنه ففي شرح معاني الآثار للطحاوي (2/ 294) بسنده عن عبد الرحمن التيمي قال: قلت: لا يغلبني الليلة على القيام أحد, فقمت أصلي, فوجدت حس رجل من خلفي في ظاهري, فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت له, فتقدم فاستفتح القرآن حتى ختم ثم ركع وسجد. فقلت: أوهم الشيخ! فلما صلى قلت: يا أمير المؤمنين, إنما صليت ركعة واحدة؟ فقال: أجل, هي وتري"
ويكفي لضابط القرآن أن يقرأ الجزء في نحو ثلث الساعة, فليس الأمر كما أحلته _ عفا الله عنك _ وإن من المعاصرين لمن فعل ذلك, فيحكي الشيخ د. علي الشبل عن الإمام ابن باز رحمه الله يحدثهم عن نفسه أنه صلى العشاء ليلة ثم قام بالقرآن كله في ركعة قبل انفجار الصبح, ويروى عن العلامة الشنقيطي _ صاحب الأضواء _ مثل ذلك. وفي هذا يا صاحبي مقنع.
أما إنكارك لحجية الإجماع مطلقًا فهو ضلال مبين وباقعة مشينة, وإني لفي عجب من أمرك ههنا؟! هل لا زال بيننا من يشكك بحجية الإجماع المنضبط؟ أينك عن قول الله عز وجل: "ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم" وقوله: "فإن تنازعتم في شيء" ودلالته على أن ما اتفقوا عليه ولم يتنازعوا فيه فهو حق وحجة, وقوله: "لتكونوا شهداء على الناس" والشهيد مقبول قوله لثقته وحجيته.. والأدلة من النقل والعقل كثيرة على حجيته وتحريم مخالفته.
فلعلها شبهة قد عنّت لك, فاضرع إلى الله بكشف ما كدّر صفاء علمك, فإنكار حجية الإجماع المنضبط قاصمة للظهر, هداني الله وإياك سبيله وأعاذنا من خذلانه.
ومن باب ذكر الشيء بالشيء – وليس د. سعيد منهم إن شاء الله ولكن تنبيه لغيره - فلدى بعض الناس في ذا الزمان نزعة طيش لمخالفة السائد حتى وإن أطبق عليه سلف الأمة وخلفها, والفرح بالتميز أيّا كان نوع ذلك التميز, كأنه يقول: أنا هنا ولو سرت عريانًا! ورحم الله الإمام أحمد حين أوصى تلميذه بقوله: احذر أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقد يرى بعض المتعجلين أن هذه الحيطة قاتلة للإبداع, ولكنها في الحقيقة حافظة له منمّية لجوهره إن أحسن الناس التعامل معها, وتركوا الفوضى العلمية والعملية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
إبراهيم الدميجي
6/ 4/ 1435
aldumaiji@gmail.com