إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 11 أبريل، 2016

سلامة الصدر

سلامة الصدر
إن سلامة الصدر خلق شريف يتحلى به أهل النفوس السامية والرغائب العظيمة في فلاح الدار الآخرة، وكان السلف يحفظون لسالم الصدر هذه الخصلة ويحمدونه عليها.
قال اياس بن معاوية: كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدورًا وأقلهم غيبة.
أما سلامة الصدر: فهي نقاء النفس من خَبَث الأخلاق الغضبية التي تكدّر صفاء الروح من الغل والحقد والحسد وما أشبهها فقلبه طاهر من كل ما يشينه تجاه ربه وسليم تجاه الناس فلا يحمل عليهم لأجل دنيا.
فالمؤمن يغضب لله ويكره لله ويقوم لله لا لدنيا مهما استدارت به خطوبها ومظالمها وزينتها.
وسلامة الصدر منحة من الله تعالى ومحض فضل من لدنه يختص به من أراد توفيقه من خاصة عباده، فالقلبُ قُلَّبٌ مالم يعصمه مولاه والصدر ضيّق ما لم يفسحه الله، والهم ملازم ما لم يرفعه الله.
إن سالم الصدر على عباد الله يعيش بين الناس وجنته في صدره وبستانه في قلبه وسعادته وسكينته في روحه، ينظر إليهم بعيني قلبه السليم وصدره الناصح الناصع الواسع فلا يرى شيئًا من نكدهم عليه يستحق ذلك المقابل فينقلب إليهم سليم الصدر حسن الظن محبًّا لهم كل خير يطيقه مسديًا لهم كل فائدة يسطِيعها لعلمه أنه لم يُخلق لحمل هموم دنيا وغموم فانية.
إنه فقط يحمل هم آخرته ويسعى لتحصيل رضى مولاه، فإن صادفه ظلم له أو أذى لم يتكدّر تكدّر الهلوعين ولم تضق نفسه بأمر هو عند الناس عظيم وعند الأتقياء تافه. فما كل ما راجت عند الناس عظمته عظيمًا وما كل ما تهالك الناس على تحصيله يستحق ولا كل ما حمل الناس هم إزاحته واجتنابه حقيق بذلك، فالميزان هو ميزان الآخرة، والمعوّل على رضوان الرحمن.
وتأمل سلامة صدر علي رضي الله عنه وحسن ظنه بالله وعمق فقهه ورسوخ علمه، فعن أبى حبيبة مولى طلحة قال: دخلت على علي رضى الله عنه مع عمران بن طلحة بعد ما فرغ من أصحاب الجمل قال: فرحّب به وأدناه وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) فقال: يا ابن أخ كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ قال: وسأله عن أمهات أولاد أبيه قال: ثم قال: لم نقبض أرضيكم هذه السنين إلا مخافة أن ينتهبها الناس. يا فلان انطلق معه إلى ابن قرظة مُرهُ فليعطه غلته هذه السنين ويدفع إليه أرضه.
قال: فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة. قال: قوما أبعدَ أرضٍ الله وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة؟! يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا.
 وعن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم منها، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به من سائمة.
وعن زيد بن أسلم أنه دخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين، أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا.
إبراهيم الدميجي

رجب/1437

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق