إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 6 أكتوبر 2013

القتال في سبيل الله جزء من الجهاد في سبيله

القتال في سبيل الله جزء من الجهاد في سبيله

الحمد لله وبعد: فإنّ القتال في سبيل الله جزءٌ من الجهاد في سبيله، فالجهاد أعمّ، قال جل وعز: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) وقال جل ذكره: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغال فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا) وقال سبحانه وبحمده: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرّض المؤمنين عسى الله أن يكفّ بأس الذين كفروا والله أشدّ بأسًا وأشدّ تنكيلًا).
وفي القرآن المجيد ثلاثة ألفاظٍ يحسُنُ التفريق بينها للخلط في فهمها عند بعض الناس؛ القتال والجهاد والشهادة:
فالأول: القتال، وهذا لا يكون إلا في سبيل الله، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، دون من قاتل حميّة أو شجاعة أو ليُرى مكانه أو للمغنم أو غير ذلك من حُطَامِهَا.
والثاني: الجهاد، وهو مطلقٌ ومُقيّد، فلفظ الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار بالنفس والمال لإعلاء كلمة الله، ولا ينصرف إلى غير القتال إلا بقرينة، قال تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) وقال تعالى: (انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) وقال سبحانه: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون) فالجهاد هنا هو القتال في سبيل الله، وهو الأصل عند ذكر الجهاد، أما غيره كجهاد النفس والدعوة ونحو ذلك فيدخل تبعًا أو مقيّدًا، فاستفراغُ الجُهْدِ لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وهداية خلقه جهادٌ كما قال سبحانه: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا).
والثالث: الشهادة، وهي مطلقةٌ ومقيدة، فالمطلقة: هي ما استشهد صاحبها في القتال في سبيل الله تعالى، فهذا هو الأصل في الشهداء، أما المُقيّدة فهي: ما سُمي صاحِبُها شهيدًا في الشريعة، تفضّلًا من الله وتطوُّلًا على هذه الأمة المرحومة تكثيرًا لشهدائها.
وبينهما فرق كبير، قالمقيّدة بضعةُ أنواع كالغريق والحريق وصاحب الهدم وصاحب ذات الجنب _داء في البطن_ والمبطون _أي مات بداء البطن_ والمطعون _بالطاعون_ والقتيل ظُلمًا _عند بعض أهل العلم لذكر عمر وعثمان بالشهادة، وليس بظاهر فشهادتهم لأنهم في سبيل الله وليس لمطلق المظلوميّة_ وغير ذلك مما سُمّي صاحبُه شهيدًا، فكل هؤلاء لهم مسمّى الشهداء في الدنيا والآخرة، فواحِدُهُم شهيدٌ، له مطلق الشهادة دون الشهادة المطلقة، وهي دون الثانية بكثير، فهؤلاء شهداء، لكن لا يُقال لهم شهداء في سبيل الله إلا إن كان ذلك ونحوه بسبب جهادهم في سبيله، كما في الحديث الصحيح عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم قال: "ما تقولون في الشهيد فيكم؟" قالوا : القتل في سبيل الله. قال: "إن شهداء أمتي إذن لقليل. من قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، و من مات في سبيل الله فهو شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد، والغرق شهيد" (صحيح الجامع: 5602) وقال صلى الله عليه وسلم: "الشهادةُ سبعٌ سوى القتل في سبيل الله: المقتولُ في سبيل الله شهيد، والمطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، و صاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمعٍ شهيدة" _والجمع هو النفاس_ رواه أحمد وغيره من حديث جابر بن عتيك وصححه الألباني في صحيح الجامع (3739) . فهؤلاء إنما وهبهم الله منزلة الشهادة فضلًا منه ورحمة دون قتال منهم في سبيله، فهم شهداءٌ إما لموتهم دفاعًا عن أنفسهم أو عرضهم أو مالهم، أو لميتةٍ شديدة أحلّت بهم رحمة الله تعالى كالطاعون والهدم والغرق ونحو ذلك.

أمّا الشهادة المطلقة _وهي الكمال_ فهي منصرفةٌ للشهيد قتيلًا في سبيل الله تعالى، صابرًا محتسبًا مُقبلاً غيرَ مُدبرٍ، ويكون قتالُه لتكون كلمةُ الله هي العليا، فصاحبها هو الذي حاز مرتبةَ الشهادة الكاملة بخصالها السّتِّ، مع الحياة البرزخية الحقيقية، مع جَعْلِ روحه في حواصل الطير الخضر في جنات النعيم. وهذه المرتبة هي غاية آمال المقرّبين بعد مرتبة الصّدِّيقيّة نسأل الله الكريم من واسع فضله وعميم كرمه وجزيل هباته وعظيم إحسانه، إنه الحي القيوم ذو الجلال والإكرام.
إبراهيم الدميجي

السبت، 5 أكتوبر 2013

لنملأ قلوبنا بالثقة بالله وبوعده ولقائه..

لنملأ قلوبنا بالثقة بالله وبوعده ولقائه..

هلا تدبرنا قول الله جل وعز: "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" نعم فالله حق ووعده حق, فلا يستخفنك أيها المؤمن ويزعزع ثقتك في مولاك أقوام مالهم في الآخرة من خلاق!

   وتأمل قول العلي الكبير سبحانه: "ذلك بأن الله هو الحق" فكل ما سواه مما يُتعلّق به باطل, وكل ما يوثق به دونه ضعيف زائل.

وتدبر قوله جل في عُلاه: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت" فلا إله إلا الله! كم في هذا الوعد الصادق الكريم من تثبيتٍ لعزائم المحبين, ورَوحٍ لأفئدةِ الموحّدين، وربطٍ على قلوب المجاهدين بألسنتهم وأيديهم.

إنها الثقة التي تثمر أعجب الثمار, وأحلى النتائج, وأبهى النهايات, وأسمى الغايات:

فالمجاهد يقبل بمهجته في أتون كبد الوغى رابطَ الجأش ثقةٌ بموعود ربه. "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون"
إذا فارقوا دنياهمُ فارقوا العنا .. وصارُوا إلى موعودِ مَا في المصاحفِ

المنفق أمواله في مراضي ربه واثقٌ بموعوده، ولا يريد من الخلق جزاء ولا شكورًا, فلا ينتظر منهم حتى كلمة جزاك الله خيرًا, أو شكرًا! لأنه صدره مليء بالثقة بما عند ربه وبصدق وعده, دعْها فمعها حذاءها وسقاءها. "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت"

المريض المدنف ساكن النفس لاهج بحمد ربه بإِنعامه عليه بهذا البلاء! ولكن غير الواثقين لا يعلمون حقائق كنوز الرضى وذخائر الثقة! إنه يقرأ في منشور فلاحه وصفًا للمرضيِّ عنهم: "العابدون الحامدون السائحون" ويتدبر قول ربه: "والله يحب الصابرون" فتهفو نفسه الواثقة لمزيد من اليقين حتى يكون الخبر كالمعاينة!

 الفقير يكدح بيده قد اكتفى بقوت يومه وليلته له ولمن يعول، بلا استشرافٍ قلِقٍ لمستقبل مظلمٍ! ثقةً أن مَن خلقهم هو من تكفل برزقهم, وهو يعلم أن مِن أفضل العبادة انتظار الفرج "وفي السماء رزقكم وما توعدون"

الداعي إلى الله والمربي والمحتسب يقابل جيوش الهموم وكتائب الصعاب والغموم بابتسام وصبر ورضى, مهما تكالبت عليه العوائق وتحالفت على كبحه المنغصات  - رغَبًا ورَهَبًا وتعجيزًا - لأنه واثق بصدق وعد ربه, أنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا, كيف وهذا العمل هو وظيفة المرسلين! "ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله"

الشاب القابض على دينه، المستمسك بعروة ملّته، يلتفت يمنةً ويسرةً في أسراب المتساقطين في حبائل الشهوات وهياكل المنقلبين لحضيض الخطيئات فيهزّ رأسه متعجّبًا من سرعة تقلب القلوب، ويضع يده على فؤاده سائلًا ربه مزيدًا من لطفه، وتثبيتًا من لدنه، فيمشي واثقًا لا تسع روحه الدنيا شوقًا للقيا ربه، وفرحًا بالعلم بإلهه، "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"

الوالد المشفق يزرع ذريته في أرض أمهم الخصبة، ويسقيهم بأدعيته المباركة وإرشاده الصادق وقدوته الحسنة, ويعلم أن أبناءه وبناته هم مشروع حياته الأعظم, فيجعل لتحصيل هدايتهم وصلاحهم واستقامتهم أفضل أوقاته وأثمن ممتلكاته وأوفى جهده, واثقًا بأن المربي الحق والهادي الحق والحافظ الحق هو الله الحق, فجثمانه في إصلاح أجسادهم وروحُه معلّقة بالحافظ الهادي، استمطارًا لإصلاح فلذات كبده ومُهَجِ حياته, بزادٍ لا ينضب من الثقة بوعد الله وحكمته. فهو لَهِجٌ مُلِظٌّ بدعوة الحي الذي لا يموت والقيوم الذي لا ينام: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين"

المظلوم يتلوّى شِلْوُهُ مِن مرّارةِ قهْرِ الظالم, وحرارة سياط مقارِعِهِ النفسية والجسدية, لكن قلبه واثق بموعود ربه ونصره للمظلومين, ومهما طالت دولةُ ظالمِهِ وجولةُ قاهرِهِ ففوقه جبارُ السماوات والأرضين الذي يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته, فلا تزال عين المظلوم باردةٌ قرّى إذ موعد المحكمة الإلهية لِظَالمه بالمرصاد, وخيرٌ للمظلوم لو أُخّر نكال ظالمه للآخرة! فما أقصر ليل الظالمين! "ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" إله الحق جنّبنا ظلم أنفسنا بشرك فما دونه و ظلم عبادك يا ذا الجلال والإكرام.

المبتلى في دنياه إن رزق الثقة فلا عليه ما يفوته من الحطام, وليعلم أن الفرج أقرب له من مارِنِ أنفه، وكفى بالإيمان حظًّا "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله إلى رحالكم؟!"

يا صاحب الهمِّ إنَّ الهم منفرجٌ  ...   أبشِر بخيرٍ فإنَّ الفارج اللهُ

اليأس يقطع أحياناً بصاحبه … لا تيأسنَّ فإنَّ الكافي اللهُ

الله يُحدِث بعد العسر ميسرة … لا تجزعنَّ فإن القاسم اللهُ

إذا بُليت فثِقْ بالله وارضَ به … إنَّ الذي يكشف البلوى هو اللهُ

واللهِ ما لكَ غير الله من أحدٍ … فحسبُك الله في كلٍ لك اللهُ

إبراهيم الدميجي


الخميس، 3 أكتوبر 2013

صبرًا.. يا أهل الحُسْبَةِ!

صبرًا.. يا أهل الحُسْبَةِ!

الحمد لله الحق المبين, والصلاة والسلام على خاتم المرسلين, أما بعد:
فأتفهَّمُ النقد المنصف لأداء جهاز الهيئات كأي نقدٍ لأجهزة الدولة الأخرى، فحيث وجد البشر فثمّ أخطاء, ولا عصمة لغير الأنبياء. ولكن أن تكون الخصومة بفجور؛ سواء كان باختلاق الأقلام المسمومة لحوادث لا حقيقة لها, أو بزيادة تفاصيل تحرفُ فهم المتلقّي, أو ببتر حقائق كانت مكمّلةٌ لمشهد الحُكم، أو باستباق أحكام القضاء ونشر عرائض الاتهام بما فيها من حق أو زور؛ فما هذا من النَّصَفِ في شيء! "ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعًا هو السميع العليم"
لِمَ كلّ هذا الاستيفاز لصناعة الوهم الإعلامي وشيطنة المصلحين عبر ضخِّ المقالات والتقارير والتصريحات التي ظاهرها بعين من يمكر الله بهم خفضٌ للمصلحين، وباطنها ومآلها خيرٌ عميم, وتلك سنة الله في الرسل وأتباعهم مع مخالفيهم. "يبتلون, ثم تكون لهم العاقبة"
عند العقلاء: التقويم غير التشفّي, والبناء ضدّ الهدم؛ لذا فالتركيز على أخطاء منسوبي الهيئة مع العمى المتعمّد عن بواقع غيرها – مع أنها في نفس مسار الخطأ – بل ضحايا أخطاء القطاعات الأخرى أكثر وأخطر, وهل من حاجة لدليلٍ في رائعة النهار؟!
وإنّ من أَسَفِّ قالاتِهم السيئة وطرائقِهم الباغية: الاتهام والتضخيم قبل التثبت, والنظر بعين واحدة حقود, حتى إذا ثبتت براءة ليوث الحسبة؛ اكتفوا – إن فعلوا – بذكر خبر جانبي صغير عن براءتهم, لا يوازي معشار ما استبقوه من فجور الخصومات, بعدما رسموا في خلفيّة المُتلقِّي نمطيةً رسمها إعلامُهم! وعند الله تجتمع الخصوم! وكيدهم لا يغيّر من ناصع الحق شيئًا, فالمحتسبون لسان حالهم: الفاضل من عُدَّتْ سقطاته, ومحاربوهم قد نجّسوا الأَبحُر في خفة الطير وأحلام السِّباع, كأنما وصفهم من قال:
مساوئُ لو قُسِمنَ على الغَوَاني   ...   لما أُمْهِرنَ إلا بالطلاق!
فهل من المروءات والشيم أن تَنشرَ ما قيل في خصمك مع تكميمك لقلمه عن إبداء دفاعه عن نفسه؟ أين الفروسية والنبل؟! ثم أين من يقف وراء ذلك المشروع الهادم, ومن المستفيد؟! "وربك أعلم بالمفسدين" وهل يراد للمحتسب أن تكون هيبته في صدور الفجرة سليبةً كصِنوِهِ المعلم؟! كفى فسادًا وإفسادًا! ولكن: "ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون"
ألا تعجبون من طبيعة عُبَّاد الرذيلة: فلكل جهازٍ أمنيٍّ خصوم ومبغضون؛ فحرس الحدود يخشاهم ويبغضهم مهربو المخدرات والممنوعات, والشُرَطُ يخشاهم ويكرههم السراق واللصوص.. أما أُسُود الهيئة فيخشاهم لصوص الأعراض وفجرة حدود الله. فتأمل الحالين وتلمّح الطريقين "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا".
وفي وقتنا العصيب الذي انتشر فيه وباء الخطايا كنا نأمل للهيئة بوزارة مستقلة ذات سيادة وكفاءة, ثم يأتينا مِنْ خُدُجِ الكتّاب من يطلب إلغائها أو ضمها للشرطة! يا لَله, أي حرب هذه؟!
ولكل من صَعدَ مدارج السموّ والعلوّ عبر أخذه بحبل الخيرية "الاحتساب" كما قال ربنا سبحانه: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" نقول:
أبشر واثبت ولا يستخفنّك ثناء مادحٍ, ولا يستفزنّك خَطَلُ قادحٍ, فمنهاج النبوّة واضح, وطريق أتباع المرسلين هو الابتلاء في ذات الله, والضربة التي لا تكسر ظهرك إنّما تزيده قوّة, وتذكّر أن مراتب الإنكار على حَسَبِ المصلحة الشرعية والطاقة البشرية, وتدبّر أهميّة العلم قبل الإنكار, والرفق في أثنائه, والحلم والصبر بعده, ولا تنسَ حُسْنَ العبادة, وصلاحَ القلب, وصدق الضراعة, والتعلّق بربك وحسن الظن به وعظيم الثقة بوعده ولقائه, والقنوتَ القنوتَ ورأسُه الصلاة الطويلة الخاشعة فهي جَنَّةُ المحتسبين وجُنَّتُهُم: "يا بني أقم الصلاة وأمُرْ بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" فتأمل سكينة وقوّة المحتسب وهو بين صلاة وصبر "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة" إي وربي, ففي جوف صلاتك الخاشعة ستفوز بألطاف وفتوح لا يطيقها المِداد! وغدًا: "ومن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة"
واعلم أنَّ أولَ ما يُكافأُ به المحتسبُ المخلصُ المتّبعُ؛ زيادةٌ في إيمانه يذوق حلاوته بلسان قلبه, "إنا لا نضيع أجر المصلحين"  فهم ورثةُ المرسلين في أطْرِ الخلق على حسن العبودية للخالق؟! وإذا كان الصبر رأس الإيمان؛ فأعظم مراتبه صبر العبادة والتّعبيد.
لقد جعل الله الدنيا مُنَغَّصَةً لتتّعِظَ النفوسُ المطمئنة لوعد ربها في الآخرة الباقية, ببصائرَ ترى الدنيا الفانية ممرًّا ومعبرًا, إذ خُذِلَ المتهالكُ على الحطام الفاني.. وتأمل: "وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون . أفمن وعدناه وعدًا حسنًا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين"؟!
 لقد جعل الله بعض الشريعة على خلاف أهوية النفوس, ليمِيز المؤمن المستسلم لأمر ربه من المرتاب المتوثب المتفلّت، والناس بينهما, فمستقلٌّ ومستكثر. 
وفي أزمنة الغربة تُضاعفُ أجورُ المصلحين بحسَبِ وجود الأعوان على الحق, فلئن تنكّر لك الخلق فأكْرِمْ بمن هو في معيّة الخلاق! ويأتي على الناس زمانٌ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر, ولربَّما ترقَّى بالأجر حتى يُكرمَ بأجر خمسين صحابي! فضلًا من الله ونعمة.
هذا, ولمُنتسبةِ أثارةِ علمٍ ومشيَخة ممن رام تعطيل أو إضعاف فريضة الاحتساب بتأويلٍ أو تمحُّلٍ، فباع أخراه بدنيا غيره: نعظه بموعظة علام الغيوب: "قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون . متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين" وهي أشدُّ آية على العلماء! وكيف بالملح إن حلّت به الغِيَرُ؟!
تدبّروا القرآن واكسروا به أقفال القلوب: "فخلف من بعدهم خلفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون . والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين"
سأل ربيعة الرأي الإمام مالك: من سِفْلة الناس؟ فقال: من أفسد دينه. قال: فمن سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بإفساد دينه! فاللهم غفرًا.
ومن لطف الله بأهل الحسبة أن يقيّض لهم من يدفع عنهم الأذى والسوء -كما نراه عيانًا من اجتماع قلوب وألسُن المؤمنين على نصرهم والدعاء لهم - بل قد يدفع الله عنهم الكيد والأذى بمحض اللطف الرباني بدون سبب ظاهر "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" لذلك فأقرب ما يكون المحتسب من معية ربّه إذا انقطعت علائق قلبه عن الخلق وتعلّقت بالثقة وحسن الظن بالخلاق العظيم "فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين"
وكذلك فحين ترى تَنَكُّرًا لأهل الاحتساب ممن يُظن فيهم حسن المدافعة وحزم الموعظة للظالمين؛ فاعلم أن هناك مَنْ خذله الله ورفع عنه توفيقه قبل أن يرفع الممكور به جاهه وسلطانه عن مدافعة المبطلين! والموفقُ من قام في حراسة أديان الناس وأعراضهم دون كيد الشيطان وحزبه, فالأول من هذا الركب الإيماني "أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم الغالبون" والآخر المخذول من "أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" وأهل الإيمان مدحهم ربهم في القرآن بأنهم: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"  بينما ذم أهل النفاق بأنهم: "يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف"
الاحتساب ليس كغيره من فرائض الدين وشعب الإيمان فله مكانه الخاص العالي بينها, فهو فرع عن الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة السنام, لذا فقد عدّ بعض أهل العلم هذه الشعيرة الجليلة الركن السادس للإسلام لأنه لا يقوم إلا بها, فهي حصن الملّة, وهي الفريضة الغائبة بين كثير من الناس, فهل من مدّكر؟!
وإن المؤمن ليوجل قلبه ويخاف كلما سمع آية المائدة: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" وهو يرى الشرك والبدع والربا والمظالم والتغريب والمجاهرة بالمعاصي, ويعلم من داخلة نفسه أنه لم يقم لله في دفعها حق القيام! ولو اجتمع المصلحون لكان خيرًا لهم, ولقد حاول الشياطين ولم يزالوا في السعي بين الأخيار بالتحريش والحسد والحظوظ الفانية! وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: «إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر أخيك, وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق» وكان بعض السلف إذا رأى منكراً ولم يطق تغييره بال الدم من الغضب لله والحزن مما رأى. فهل يا تُرى نُمتَّع حتى نرى أمثال أبي ذرّ وطاووس وابن جبير؟!
شاهد المقال: أن أوامر الله وحدوده لا بد أن يكون لها من البشر من يضيق بها ذرعًا ولا يطيق الإلزام بها، فنفسه الأمارة نزاعة دومًا لحضيض الخطايا ودنس المعاصي, فإن جاءها من يأخذ بيدها للطهارة والطيب؛ ضاقت واستوفزت ثم حاربته وفجرت, ولا يقرّ لها قرارٌ وهي ترى المصلحين يَهْدُونها ولو بالسلاسل, وبعض خبيثات النفوس على مذهب الهالكين: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"
ومن الأهمية بمكان: أن يكون لدى عموم الناس ثقة مطلقة بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صِمَامُ أمان من العذاب العام والخاص، فهي سفينة النجاة كما مثل بها النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم, إذا كَثُرَ الخَبَث». ومما أُثِرَ عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قولُه: «كان يُقال: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصَّة ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم»
والجبار جل جلاله لم يعذر في هذا الأمر أحدًا فالتكليف به عام كلٌّ بحسَب طاقته وقوته وحاله, كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره.. الحديث" رواه مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
ولما ذكر الله عذابه البئيس ونكاله العظيم بعصاة أهل السبت أثنى على المحتسبين المنكرين ولم يذكر نجاة الساكتين فاحذر يا من تظن أنه قد وسعك السكوت فالتبعة لا تسقط على المستطيع مادام المنكر فاشيًا, فتدبر - يا رعاك مولاك - قول الكبير المتعال: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون" فالذي دعاهم للإنكار خشيتهم على أنفسهم من عذاب الله أولًا, ثم شفقتهم ورحمتهم بمن ركب المنكر من عذاب الجبار جل جلاله, فما لأحد بغضب العظيم من طاقة, ثم كانت نهاية المشهد المروّع لأولئك كما وصفه سبحانه وبحمده بقوله الأجل: "فلمّا نسوا ما ذكّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم ثلاث فرق: فرقة العصاة، وفرقة الناهين وفرقة القائلين: "لم تعظون" فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم! فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم، وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون إن للناس لشأناً فانظروا ما شأنهم؟ فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة. عياذًا بربنا من موجبات سخطه وموردات مقته! وفي رواية لهم عنه قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عنه قال: والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا: "لم تعظون قومًا" نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحبّ إلي من حمر النعم، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً. وعن تلميذه عكرمة أنه راجعه في نجاتهم, والله أعلم. معشر المحتسبين: ما أجمل أن نبثَّ رُوحَ التفاؤل ورَوحَ الفرَجِ, وحسن الظن بالله وبوعده ولقائه, وحسن العاقبة, ثم حسن الظن بعباده, والمؤمن مأمور بحسن العمل وغير مكلَّف بإدراك ثمرته في دنياه, فالثمرة العظمى رضا رب العالمين, فمن أدركها فلا عليه ما فاته مِما سواها, والله المستعان.
وقبل الرحيل تدبّر آية يونس: "واتّبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".
فاصلة: لقد أحسن من قال: أسعدُ الناس رجلٌ موسّدٌ في قبره يردّد: ربّ أقم الساعة, ربّ أقم الساعة.

إبراهيم الدميجي
@aldumaiji

aldumaiji@gmail.com

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

"واسألوا الله العافية"

واسألوا الله العافية!
قال شيخ الإسلام كلامًا مهيبًا موجلًا يكشف مقدار الخطر على قلب المؤمن عند تعرضه لفتنة أقوى من مستوى إيمانه، فلربما يقع في النفاق عياذًا بالله تعالى, وذكر أن من المنافقين من لو تركوا بدون امتحان لماتوا على الإسلام والإيمان! فاسأل ربك العفو والعافية، وأن يثبتك على الإيمان حتى تلقاه به وهو عنك راض.
قال رحمه الله:
 وكل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا؛ فإن الإيمان يستلزم الأعمال, وليس كل مسلم مؤمنًا, هذا الإيمان المطلق, لأن الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص.
 وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره, فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل, ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك.
 وإلا فكثير من الناس لا يَصِلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد! ولو شُكِّكُوا لشكُّوا, ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا, وليسوا كفارًا ولا منافقين, بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب, ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.
وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة, وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم؛ فإن لم يُنعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق!
 وكذلك إذا تعيّن عليهم الجهاد ولم يجاهدوا؛ كانوا من أهل الوعيد, ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها, فلما جاءت المحنة والابتلاء؛ نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام, ودخلوا الجنة, ولم يكونوا من المؤمنين حقًّا الذين ابتلوا فظهر صدقهم. قال تعالى: { الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } وقال: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } ولهذا ذم الله المنافقين بأنهم دخلوا في الإيمان ثم خرجوا منه بقوله تعالى: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ماكانوا يعملون . ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }

 مجموع الفتاوى: (7 / 274)

إِنَّها السَّلفية.. نورٌ ونار!

إِنَّها السَّلفية.. نورٌ ونار!


الحمد لله, قولُه الحقُّ ووعدُه الحقُّ ودينُه الحقُّ, أما بعد:

فموجبُ التدوين؛ موجةُ سُعَارٍ لا تهدأُ ولا تفتر عن محاولاتِ طمسِ معالم الرسالة المحمدية, تولّى كبْرَها أراذلُ البشرِ وسَقَطُ الكُتَّابِ, ويأبى الله! كأنّما يستبق دهاقينُها الزمنَ قبل فواتِ شيءٍ ما! أو نضوب حِبْرٍ ما! واللهُ مُتمُّ نورِه, ومظهرٌ دينه على الدين كلّه.

حينما يُستكتب أو يكتب مرَدَةُ الصحفيين ومتسلّقو وَهْمِ المجد, حروفًا تهاجم السلفيّة, فإنهم عن نفاقٍ وفسقٍ, أو غباءٍ وحُمْقٍ, قد طعنوا الإسلام في خاصرته, كيف لا وهم بشِنْشِنَتِهِم المعروفة يحاولون هدم البنيان الذي قام على الوحي المنزّل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, على فهم سلف الأمة الذين هم أزكى القرون قاطبة, لا كان ولا يكون مثلهم, وإن شرق بذلك مرضى القلوب.

إنها السلفيّة التي سَبَرَها المستشرقون فتيقنّوا أنها مَحْضُ الدين القويم لمحمد صلوات الله عليه وسلامه. قد كرّروا في مساربها النظر وكرّوا الكيد ليفتكوا بها, فانقلب إليهم بصرُهم خاسئًا وكيدُهم خائبًا فقالوا بمرارة مهزومٍ: إنها السلفية إن تركناها امتدّت, وإن حاربناها اشتدّت! إنها السلفية, نعم إنها السلفية التي أنشأت لها دولٌ عظمى دوائرَ بحث خاصة, فدرستها دراسةً مشبعة مستفيضة, ونَخَلتْها وحلَّلتها, فخرجت إلى أنها الأنموذج الكامل للدين الإسلامي في حال صفائه الأول, وهذا ما لا تطيقه قلوبهم!

إنها السلفية نورٌ ونارٌ: نورٌ يهتدي به من أراد الحق, ونارٌ تُحرق يدًا امتدّت إليها بالأذى, نورٌ يكشف الله به شبهات الشياطين المضلّين, ويهتك أستارهم, ويدحض تخرّصاتهم وتهوّكاتهم, ونارٌ تُصلَى بها شهواتُ عُبّادِ الهوى وسَدَنةِ أضرحة الفواحش, فحدودُ الله فيهم تُقام طالما عن حدودِ الله حادُوا.

 نورٌ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام, ونارٌ تَنْصُرُ بإذنه, وتقطعُ حبال الهوى وعروقَ الردى من جسد الأمة الواحد.

قالت الماردةُ لأذنابها: لا يُهدمُ بنيانٌ بأمضى من مِعْوَلٍ بيمينِ أهله! لذا فحديث بعض الأصاغر عن حرجِ الدولة من دعوة الإمام المجدد, وعن تشويه رموزها, سواءً من مضى لربه بعد طول دعوة وجهاد, أو من بقي بتقصيرٍ أو غيره, إما بالطعن المباشر, أو بنشرِ خَطَلِ بعضِ من لوّث نقاء تلك الصفحة الساطعة بانتسابه _سُلالةً إلى الشيخ الإمام المجدد - عبر القول أو الفعل؛ لهوَ مؤشّرٌ مريب على مكرٍ كبّارٍ, مُؤذنٌ بسيلِ فتنةٍ قد انعقد غمامُها إن لم تُتدارك من لدن رواجحِ الأحلام!

آل سعود _ وإن رغِمَتْ أُنوفُ الرافضةِ والقبوريةِ والليبراليةِ _  هم أهل توحيد وجهاد وفضيلة, وتصفَّحُوا تاريخَهم, وقَلِّبُوا أخبارهم, تروا عيانًا من ذلك الطراز النادر الذي طالما انتظره كثير من أسلافكم في أحلامهم!

حَدِّثْني يا صاحبي عن مُبَرِّرِ حكم الأسرة المباركة آل سعود, أليست السلفيّة؟! ألم يقم حكمهم قبل عقود طِوالٍ على عَقْدِ التوحيد والجهاد والشريعة والفضيلة؟! وإلا فهناك من هو أشرف منهم نسبًا, وهناك من هو أكثر منهم ولدًا! 

إنّ حَزَّ السكينِ في الحبل الرابط بين الأسرةِ وبين السلفية هو في حقيقتِهِ حَزٌّ في مبرّرِ حكمهم مباشرة, "وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" 

فليعتنِ الناصحون بهذا, ولْيعلموا أن وراء الأكَمَة ما وراءها من منافقين ومشركين, وأنّ من أراد الإصلاح فليبدأ من هنا, أعني إصلاحَ الخلل الطارئ من ضَرْبِ المسلّمات العقديّة وركائزِ الفضيلة عبر تيّار التغريب الهائج الذي كشف وجهه البشع وحربه القذرة ضد أصول الديانة وركائز الأخلاق!

ولكل داعيةِ تغريبٍ وفجورٍ وإلحادٍ في هذه الدولة المجيدة يصرخ الماضي والحاضر: لماذا حرب الثلاثين عامًا بين محمد بن سعود وابن دواس؟! بل جهاد الستين عامًا مع آل عريعر وغيرهم, بل قتالٌ قارب مئتي عام! قام به أهلُ التوحيد والجهاد والشريعة والفضيلة بزعامة رئيسهم وحامل لواء دعوتهم وجهادهم الإمام محمد بن سعود, ثم من بعده ابنه الإمام المجاهد عبد العزيز الذي تربّى على عينِ عَلَمِ الإمام المجدد من يفاعةِ صِباهُ_ الذي قال عن عهده بعض علماء عصره: إنها خلافة على منهاج النبوّة _ ثم من بعده ابنه الإمام المجاهد سعود الذي ضربت أطناب دولةِ الدعوة الحنيفية ورفرفت راياتها المنصورة في عهده سوادَ العراق وتخوم فارس وسهوب الشام وبحر العرب وجبال اليمن, ثم من بعده ابنه الإمام الشهيد عبد الله _ أسد الدرعيّة _ الذي جاد بنفسه ككثير من الموحدين دفاعًا عن عقيدته السلفية, حتى كانت روحه قربانًا لربه شهيدًا في إستامبول, فرفعوا جثمانه مصلوبًا, ولم يعلموا أن الله أبقى لهم من صُلبه من يدُكَّ عروشَ خرافتهم ويبطل سحر صولتهم.

 أربعةُ أجيال ذهبيّة لهذه الأسرة المباركة المجاهدة في دورها الأول, فحدّثوني عن أسرةٍ أو قبيلة _ خلا قريش _ لها في الولاية في الإسلام قدمُ صِدْقٍ كهؤلاء؟! أتُغَطّون الشمس بغربال, قاتلكم الله أنّى تؤفكون؟!

مَضت الأجيال الأربعة لربها في الدور الأول للدولة السلفية المباركة, ثم أعقبتها أجيالٌ مباركة زكيّة _ والخير من معدنه لا يستغرب _ فخرج الإمام تركي بن عبد الله من سجن مصر لنجد, كخروج صقر قريش من الشام للأندلس, فأعاد الله به دولة التوحيد جذعةً فتيّة, ثم من بعده ابنه فيصل _ الذي كان يعتزي به حفيدُه عبد العزيز هاتفًا: أنا ابن فيصل! _ ثم من بعده ابنه الإمام عبد الرحمن وأَخَوَاه. ثم أشرقتْ _ بإذن الله _ شمسُ الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن؛ فأقام الله به عمودَ مِلَّةِ الجهاد, وسراجَ الدعوة للدين الخالص, وساق لهُ ربُّهُ إلى يمينه أَعِنَّةَ الأجناد الموحّدة, فقام بدين الله كما لم يقم به في الأمة إلا القليل, فنشرَ كتب السلف, وأقام السنن, وعظّم الشريعة, وحَرَس الفضيلة, ودعا إلى الله بالقرآن والسّنان, ثم من بعده بنوه الكرام, فخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله أنما هو من الجيل التاسع لهذه الأجيال المتصلة المتعاقبة بلا انقطاع حتى اليوم, فكل آبائه بأجيالهم الثمانية قد حكّمهم الله هذه البلاد حينما حكموا بشرعه, فهم سلالة ذلك الإمام الصالح أعني به محمد بن سعود _ ولا أزكي على الله أحدًا _ فهل عرفت يا صاحبي مدى ارتباط هذه الأسرة السلفية مع الدعوة السلفيّة؟!

وقد آنَ لخادم الحرمين - حفظه الله وأعانه - أن يشمّر لرفع البلاء الواقع على الناس من شَرَرِ نارِ التغريب المستطيرة, التي لم يعد يطيقها أهلُ الإيمان! فيا خادم الحرمين: قد آن لدِرَّةِ عمر أن تقرعَ جِباه العُصَاةِ!

كذلك رفع مظالم المعتقلاتِ التي ضجَّ الناس منها, فمن ثبت جرمه وبقي من مدة حكم الشرع فيه فليبقَ, ومن لم تثبتْ عليه جريرةٌ, أو أنهى محكوميته, فما موجب حبسه والتضييق عليه؟!

 أَلَا وإن بعض أهل الضلالة والجهالة والفجور ينعق زورًا عن ذروة سنام الإسلام الجهاد على أنه إرهاب مذموم, ويعيبُ على الدولة عدم براءتها منه, فيا سبحان الله! أليس الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة؟ أليس إمام المجاهدين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ألم يقم عمود هذه الدولة "السلفية" على الجهاد؟ لقد أَتْرَعَتْ بطونَ الكتبِ بطولاتُ الموحدين من أهل هذه الدولة المباركة, وغني عن التنويه أن ليسَ من الجهاد في شيء إرهابُ المسلمين ولا المعاهدين, إنما ذلك من ضلال الغلاة, فضاع بعض قومي بين حريقِ الغلاة وجليدِ القَعَدة!

لقد قامت هذه الأسرة المباركة بدين الله, بالدعوة إلى دين الرسول الصافي النقي, الخالي من لَوَثِ المحدثات وَدَنَسِ الشهوات. ألم يدعوا الناس إلى دين الله في أقصى الأرض وأدناها؟! بلْه بلادهم وديار رعيتهم, ألم يُنشؤوا المراكز الإسلامية وينشروا الكتب السلفية ويكفلوا الدعاة إلى الله في أركان المعمورة؟! ألم يستجبْ لهم الفئامُ من البشر؟! أليس لهم _ بعد الله _ فضلُ حملِ رسالة الدين الصحيح في زمان طمّت فيه البدعُ أركانَ الدول المنتسبة للإسلام؟! أليست الأشعرية والماتُريدية والصوفية القبورية _ فضلًا عن الرافضيّة المشركيّة _ هي السائدة في أكثر مشيخات تلك الدول؟! هل استكثرتم علينا ونحن نَدْرُجُ في مَهد الرسالة ومهبط الوحي أن ننعم بالإسلام الصافي وأخلاقه الطاهره؟!

حدثوني عمن قام بالجهاد الحقيقي من عهد الأصحاب إلى هذا اليوم ليُخرج الناس من ظلمات عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده, أليسوا هم حَمَلة السلفية؟ حتى وإن انتسب بعض كبار المجاهدين ورؤسائهم إلى سبيل بدعةٍ ظاهرًا, فغالبهم _ إجمالًا _ من العامة في المعتقد, والعامة على الفطرة, والفطرة هي الإسلام الصافي ما لم تَشُبْهُ المحدثات, وكم من منتسبٍ لسبيلٍ مُحدَثٍ هو بريء في الحقيقة من بواقعه! مع عدم اضطراد ذلك بلا شك, خاصة في مسائل بدع العبادة.

إنها السلفية نور ونار: حتى في الحِجَاجِ والجدل والمناظرة, فللسلفيّة السبقُ والظفرُ والغلبةُ, واسألْ مَحَكَّات المناظرات المشهورة, _ كابن تيمية مع البطائحية مثلًا, أو مناظراته لعلماء السوء حين امتحنوه في عقيدته الواسطية, أو مناظرات تلميذه ابن عبد الهادي مع السبكي في الصارم المنكي, إلى كثير من مناظرات أئمة الدعوة مع خصومها.. _ فالمُنَاظرُ السلفي غير يحتاج لتمحّل ولا اعتذار, إذ يكفيه بيان الحق كما هو, ثم هو ينساب بلطف الله في خلجات النفوس التّواقة للهدى والحق. ثم تأمّل الحركات الإصلاحية على اختلاف مشاربها, ترى أن الوقود المحرّك لها هو يقينها بمركزيّة الوحي وسلامة طريقته, وهل هذا إلا محض السلفية!

ودفعًا لعادِيةِ من يصول بهُجْرِهِ: إنك تتكلم عن السلفية كأنما حصرْتَ الإسلام فيها, وأخرجْتَ مَنْ عَداها من الدين! أقولُ: إنّ كل ما يقال عن الإسلام فإنه يقال عن السلفيّة, فأهل القبلة هم من السلفية إجمالًا, فمن شهد الشهادتين وصلّى فله نصيبه من السلفية "الإسلام والإيمان" وعلى قدر تكميله لإسلامه يكون تكميله لسلفيّته, فالمصطلح والمسمّى لا يغيّر من الحقيقة شيئًا, - وإن ادّعاهُ من شاء من منتحلة المسميّات والمباني دون الحقائق المعاني! -
إنما احتاج العلماء أن يفرزوا مَنْ عَظّم أمر التوحيد والاتّباع عمَّن تساهل من المسلمين فقالوا: إن من سلم معتقدُه وكان صاحب سنة فهو سلفي, بمعنى أنه مسلم مستمسك بالإسلام وبخاصة في الأصول. وبهذا مايزُوا السنّي عن المبتدع, وإن كانت البدع ليست على دَرَكٍ واحد, ففيها البدعُ المسلكيّة, وفيها البدع المخرجة عن ملّة المسلمين.

 إن الإسلام هو السلفية, بمعنى أن من أراده غضًّا طريًّا كما أُنزل؛ فليتديّن لله بها, فهي الإسلام العريق العتيق التليد. وعلى قدر قُرْب المرء من السلفية يكون قربه من الإسلام, ولا يعني هذا كفر مخالفيها, ولكنهم ليسوا بأنقياء كنقاء من دخل في السلم كافّة! فالسلفية نقاء معتقد, وصفاء تصوّر, وحسنُ أخلاق, وشمولية رسالة.

نقاء معتقد: لم يتلوّث بخرافات أممِ الأوثانِ, وأساطير الكهان, ومسالك الطُّرُقيّة, وقرمطات الباطنية, وسفسطات الفلاسفة وأفراخهم من المعتزلة وأهل الكلام, وجحود ملاحدة الزمان, كما قد سلمت صدورهم على أمّتهم وبخاصة آل الرسول ومنهم أزواجه وصحابته الكرام صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

صفاء تصوّر: وانسجام بين الطارف والتليد, وبين الدنيا والآخرة, وبين الجسد والروح, وبين الواقع والمأمول. تصوُّرٌ صاغَهُ الوحي الإلهي الذي من اتبّعه فمعه الهدى بحذافيره, تصوّرٌ لم تفسده حياةُ العربدة الغربية والشرقية, ولم يُبهر أهله تقدّم مصانعهم على المسلمين في التقنية والبطش الحديدي, ولم تغبّش علمهم تيارات الفكر الطيني الحاكي طفولة عقول البشر, ولا صيحات الإلحاد والتناسخ واليوجا, وبهرج السياسات التي وحي الله بمعزل.. وبشّر هذه الأمة بالسَّناء والرِّفعةِ والنَّصر والتمكين.

حسنُ أخلاق: يحبون للناس ما يحبونه لأنفسهم, يودّون لو هدى الله بهم البشر من الضلاله, ونوّر لهم بعد الظلام, في لطف وسماحة ورفق وتيسير وبشر وطلاقة وجه وحسن منطق, ومن خرج عن حسنها فهو المُلام لا هي!

شمولية رسالة: فلها صفةُ الشمول والثبات والتطور, فشاملة إذِ استوعبتِ الدين والدنيا, وثابتةٌ بمبانيها ومبادئها ومسلّماتها وقيمها, متطوّرة مرنةٌ في كل ما خلقه الله للمؤمنين, وامتنَّ به عليهم, وسَخّرَهُ لهم مما في السماوات وما في الأرض, لا يجدون غضاضة في كل ما تقذفه المدنيّة من تسهيلِ عمارة الإنسان أرض الله وخلافته فيها, وإن اتّصفوا بالرويّة عند الحكم على ما استحدُث من تلك المدنيّة لنفوذِ بصيرتهم في المآلات إذ نظر الأغرار للبدايات.

وبعد: فَمِنَ الجميع للجميع: الخطأُ واردٌ, والذنبُ واقعٌ, والتقصيرُ حاصلٌ,  فليس بمعصوم أعلى الهرم ولا أدناه. والواجب: التناصحُ فيما بيننا أهل البيت الواحد, والقبلة الواحدة, وعبيد الرب الواحد, فكلٌّ راعٍ ومسؤولٌ, والمؤمنون نَصَحَةٌ, والمنافقون غَشَشَةٌ, والمؤمن توّابٌ أوّاب, وكل مؤمنٍ لا يخلو من خير, وكل قلبٍ له مفتاح, فَقَمِنٌ بمن وفّقَه الله للرفق والإخلاص والاتّباع؛ أن يُكتب له النُّجْح, "بسم الله الرحمن الرحيم: والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".

إبراهيم الدميجي

16/ 11/ 1434

aldumaiji@gmail.com

aldumaiji@


الجمعة، 20 سبتمبر 2013

حرفان رقيقان لابن حزم الأندلسي

حرفان رقيقان لابن حزم الأندلسي
ثلاثة من علماء الإسلام, وهبهم الله تعالى حدّة نباهة, وفرط ذكاء, وسيولة ذهن ليست لغيرهم, واستيعاب لنهايات فنونٍ يحتاج واحدها لعمر ثلاثة من لداتهم لاستيعاب ما استوعبه واحدهم في ذلك الفن! فهم من أذكياء العالم بلا نزاع, هم أبو محمد ابن حزم, وأبو حامد الغزالي, وأبو العباس ابن تيمية.
 فإذا أبحر المرء راكبًا متنَ كتابٍ أو رسالةٍ خطَّها يراعُ أحدهم فإنه لا يملك نفسه أن تقول: سبحان موزّع المواهب وواهب الألطاف, ويكأنَّ أحدهم لا يحسن إلا ذلك الفن الذي كتب فيه لعميق غوصه في لُجّته.. وإن كان التوفيق للصواب والهداية للحق لم تكن بينهم بالتساوي, فقد بزّهم أحمد بن تيمية بموافقته الحق في المعتقد وتوفيقه للصواب في الاتّباع ما ليس لصاحبيه "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"
ولست بصدد المقارنة, إنّما رأيته مدخلَا صالحًا للوقوف على ساحل ذلك العَلَم الشامخ, أعني به ابن حزم القرطبي الأندلسي رحمه الله. فهذا الرجل نادرة فاذّة, وله صولات في العلوم وجولات في الفهوم رقمت بعضها يمينُه في الكواغدِ والقراطيس. وهذا العملاق _كغيره_ له وعليه, فهو يغترف من بحره الذي لا تكدّره الدلاء, ولو وُفِّقَ لعالم سنّةٍ يأخذ بيده بلطف ويوقفه على منهاج السلف في المعتقد وبخاصة في صفات الله جلّ وتقدّس, وفي التفقّه في العلميات والعمليات لكان له شأن آخر, ولسلم من شوائب المحدثات, وزَغَلِ التناقضات, ولَدَدِ شناعة الخصومات, ولكن للحكيم الخبير سبحانه حِكَمٌ تتضاءل عن معرفتها العقول مهما أُعطيت من سعة وحدّة! "لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون"
موضوع وقفتنا مع رسالة نادرة لهذا الفحل المهيب.. لا, بل الأديب الرقيق, صاحب طوق الحمامة الذي كان سبقًا لرواد الرومانسية الغربية, إذ سبقهم في تفصيل حقيقة العشق ولواعج الشوق وأحواله, بأسلوب أدبي رائق متانة وجزالة وجودة سبك, مع سلاسة ورونق وسهولة مأخذ, وهذه الثنائية لا تتأتّى لكل أحد, خاصة من تحفّظوا عن ذيّاك السبيل اللطيف, بذريعة إجلال الفقه!
وأكثرُ من ارتقى قُلَلَ الشاعرية, أو أبحر في مسالك العشاق, قد مرّت به مواقف حبٍّ عاصفة, جارفة فؤاده لمجهول غيبٍ, وجموح خيال, غالبًا في ميعةِ صبا.. تنتهي بأَخَرِةٍ إلى مأساةٍ يكون قتيلُها فؤادٌ بمُديةِ الجَوى الذبيح!
وكذلك كان صاحبنا أبو محمد, فقد تزوّج معشوقته "نعما" في سن مبكرة، وكانت كما يقول: أمنيةَ المتمنّي, وغايةَ الحسن خَلْقًا وخُلُقًا, وكان هو أبا عذرها! فماتت بين يديه في ريعان الهوى وفتوّة الصبابة! لذا فقد فقدها فاجعًا لم تُطقه نفسه المرهفة الحالمة التي طُردَتْ من تلك الجنة بلا سبق إنذار!
 فلبث بعدها سبعة أشهر دون أن يغتسل من الكآبة والإحباط والبكاء، وع أنه كان جامد الدمع بسبب كثرة أكلِه الكندر لمداواة خفقان قلبه، ولم ينس ذلك العاشق الوفي ذكراها حتى لحقها.
صاحبنا علّامةٌ في مدرسة التحليل النفسي _العفيف_ بل قد يكون رائده المرتّب له بإطلاق, وإن كان أقدم كتاب وصلنا هو حوار المأدبة لأفلاطون, وفيه مادة صالحة لتحليل الحب, ولكن ليست على نسق ولا ترتيب بل ولا عمق طوق الحمامة لأبي محمد. وقد تكلم المسعودي قبله في المروج حول شيء من ذلك كذلك ما جاء في الزهرة, لكن ليس على نمط ذلك اللوذعي الأحوذي.
اشتهر ابن حزم بقدرته على الغوص في أعماق الضمير الباطن, وردّ الغرائز الكامنة لأصولها, وبخاصة ما يتعلّق بالنساء! ومن أسباب ذلك غيرةٌ شديدةٌ طُبع عليها, مع عيشه في صباه في مجمع نساء علّمنه ووثقن به, قال: فلم أزل باحثاً عن أخبارهن, كاشفاً عن أسرارهن، وكن قد أَنِسْنَ منّي بكتمانٍ، فكُنَّ يطلعنني على غوامض أمورهن. ولولا أن أكون منبّهًا على عوارت يُستعاذ بالله منها لأوردت من تنبّههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب! وإني لأعرف هذا وأتيقّنه، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليماً - أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام: أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي.
الحرف الأول من تحليله النافذ؛ قال: والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد, لا تحرق من جاورها إلا بأن تُحَرَّك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء!
   وشيء أصفه لك تراه عيانًا: وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحسّ أن رجلاً يراها أو يسمع حسّها؛ إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غُنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيتَ التَهمّم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به! والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء! وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل, واجتياز الرجل بالمرأة, فهذا أشهر من الشمس في كل مكان, والله عز وجل يقول: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" وقال تقدست أسماؤه: "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" فلولا علمُ الله عز وجل بدقّة إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيّل لاستجلاب الهوى؛ لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حدُّ التعرّض فكيف بما دونه؟!
الحرف الثاني يكشف فيه معنًى شديدَ الغرابة, ولعلّه يكشف علّة أعيتْ خبراء النفس في اجتماع النُّفرةِ والحبّ الشديدين في نفسٍ واحدة لنفس أخرى! قال رحمه الله:
والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطتْ في غاياتِ تَضَادِّهَا، ووقفتْ في انتهاء حدود اختلافها؛ تشابهت! قدرةٌ من الله عز وجل تضل فيها الأوهام. فهذا الثلج إذا أُدمن حبسه في اليد فَعَل فِعْل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغمّ إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتدّ أسال الدمع من العينين. وهذا في العالم كثير، فنجد المحبَّيْن إذا تكافَيا في المحبة, وتأكدت بينهما تأكّداً شديداً؛ كَثُرَ تهاجرهما بغير معنى! وتضادّهما في القول تعمُّدًا، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبّع كل منهما لفظةً تقع من صاحبه وتأوّلها على غير معناها! كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة التشاجر؛ سرعةُ الرضى، فإنك بينما ترى المحبَّين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تُقَدِّرُه يصلح عند الساكنِ النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجبر عند الحقود أبداً، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة! هكذا في الوقت الواحد مرارًا!
وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجنّك شكّ ولا يدخلنك ريب البتة ولا تتمار في أن بينهما سرًّا من الحب دفينًا، واقطع فيه قطْعَ من لا يصرفه عنه صارف. ودُونَكَهَا تجربة صحيحة وخبرة صادقة. هذا لا يكون إلا عن تكافٍ في المودة وائتلافٍ صحيح، وقد رأيته كثيراً.
فاصلة: يُزيّنون الخنا بقولهم: فلان قلبه أخضر, أو خَضَر! قل: فلان في قلبه مرض, أو مفتون, ولا تقل: قلبه خَضَر! وفي التنزيل: "فيطمع الذي في قلبه مرض" أي شهوة بلا إيمان رادع. وكم من خطيئة زُيّن لفظُها عن قُبح معناها!
إبراهيم الدميجي
14/ 11/ 1434
@aldumaiji

الذكر الذكر يا أمة الذكر!


الذكر الذكر يا أمة الذكر.
روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي قال: "غَدَوْنا عَلَى عَبدِ الله بن مَسْعود رضي الله عنه يَوْماً بَعْدَ مَا صَلَّينَا الغَدَاةَ، فسلّمنا بالباب، فأُذِن لنا، قال: فَمَكَثْنَا بالباب هُنيَّةً, قال: فخرجت الجاريةُ فقالت: أَلاَ تَدْخُلُونَ فدخلنا، فإذا هو جالسٌ يُسبِّح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذِن لكم فقلنا: لا، إلاَّ أنَّا ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهل البيت نائمٌ، قال: ظَنَنْتُم بآل ابن أمِّ عَبدٍ غَفْلَةً, قال: ثمَّ أَقبل يُسبِّح حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت، قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي لَم تَطلُع، فأقبل يُسبِّح، حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي قد طلعت، قال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، ولم يُهلكنا بذنوبنا" (مسلم (1/564)


وقال ابن القيم رحمه الله: حضرتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية مرَّةً صلّى الفجرَ، ثم جلس يذكرُ اللهَ تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ وقال: هذه غدوتِي، ولو لَم أتغذَّ هذا الغِذاءَ سقطت قوَّتِي، أو كلاماً قريباً من هذا". وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر أو كلاما هذا معناه. الوابل الصيب - (1 / 63)


ولقد ثبت في السُّنّة أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دعا اللهَ أن يُبارك لأمَّتِه في بكرة النهار، فعن صخر بن وَداعة الغامديِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهمَّ بارِك لأمَّتِي في بكورِها " وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشاً بعثهم أوَّلَ النهار. وكان صخرٌ رضي الله عنه تاجراً، فكان يبعثُ تجارتَه من أوَّلِ النهار، فأثرى وكثُر مالُه. (سنن أبي داود (2606)، وسنن الترمذي (1212)

قلت: هذه بركة في الدنيا فكيف بالبركة في الدين وعمارة القلب بالإيمان والجوارح بالإسلام؟!

 وقد قيل: يومُك مثل جملك إن أمسكتَ أوَّلَه تبِعَك آخرُه. وأعظم الذكر هو تلاوة كلام الله تعالى, ومن جعل شِرّةَ ونفاسة وقته للقرآن رأى البركة في سائر أموره.

 وقد ذكر أهل العلم والدعوة من أمثلة ذلك ما لا يحصيه كتاب, وعلى قدر اشتغاله بالتلاوة والتدبر يكون الأثر المبارك في سائر قوله وعمله ونيّته وأثره في الناس.

قال إبراهيم المقدسي موصيًا من أراد الرحلة لطلب العلم: أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ.

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

ذات مساء!



ذات مساء!

فعلها بستر ونسيها..
كررها ولم يره بشر،
عمل غيرها دون أن يدري مخلوق،
انتقل من خطيئة لأخرى ولم يتغير من دنياه وستره وعلاقته بالناس شيء ذو بال، ولم يعلم به ذو كبد رطبة!
أذنب وعصى، ذهب وأتى، ولم يشهده مخلوق صالح خلا الأرض التي عصى عليها، والكرام الكاتبين!
مضى قطار عمره مترددًا بينها وبين أشباهها..
اقترب طي صحيفته، وهو في ستر وكَنَف..
فعلها وفعلها وفعلها ولم يره مخلوق، ولم يسمع بخطيئته بشر..
يعصي ويُستر،
يعود فيُمهل،
بغته الأجل دون أن يدري بشر،
طُوي الكتاب، وأُغلق الباب، ونسيه الأهل والأصحاب..
تذكّر حينها كثيرًا من هفواته وسقطاته التي رحل عنها ولم ترحل عنه!
هل تعلم من كان يراك، حين غاب هذا وذاك؟!


"ألم يعلم بأن الله يرى"؟!

فصرنا كالفريسة للكلاب!



فصرنا كالفريسة للكلاب!

هل كان ضرب المدنيين في الغوطة بتنسيق أمريكي صهيوني من أجل ضمان تدمير ترسانته الكيماوية؟
هذا واردٌ جدًا، وقد أحسنوا توزيع الأدوار، فالنظام يقصف ليتقدم شبرًا في معركته اليائسة مع المجاهدين، ثم أمريكا - حامية السلام الصليبي الصهيوني المنافق!- تشجب وتتوعد وتحرك أصطولها لذر الرماد في العيون، وأوباما يمثل دور العازم المصر في بدايته ولكن الكونجرس -بأكثريته الصهيونية - يمانع، ثم تتدخل روسيا لدى الأمم المتحدة - على حرب الإسلام وأهله - فيجتمعون ويكتفون بوعد النظام بتدمير سلاحه الكيماوي وبانظمامه لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، حتى لا تقع بأيدي المجاهدين، فلا يوجهون ذلك - الفليت- على الذباب اليهودي!
والحمد لله على كل حال، وعسى أن "تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" ومن أعظم ثمار ذلك المكر؛ تعلق المجاهدين التام بالله سبحانه دون سواه، وتفويض أمورهم إليه وحده دون خلقه، واجتماع يدهم على من سواهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"

وتأمل: "وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا"

إبراهيم الدميجي