إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 28 أغسطس 2025

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ (11) وَلَيلٍ أُقَاسِيه بَطِيءِ الكَواكِبِ

 

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ

(11)

وَلَيلٍ أُقَاسِيه بَطِيءِ الكَواكِبِ

 

 مضى سائر اليوم في تعللات شعرية ونثرية، وسياحات جسدية ونفسية وروحية، من ذلك أن صاحبي وقف على ذودٍ مغاتير _والذود هي الإبل من الثلاث إلى العشر_وثلاث منها أبكار مطافيل. واحتلب بعد إذن صاحبها واحدة مُشْمَلة، فأتى بالإناء تهتزُّ رغاته البيضاء كأنها غمام الهدا حين تنظر إليه وقت الأصيل من مكة. ثم مدّه إلي فمذقْتُ منه ثم شربت ما أروى وأشبع، فلا مشروب في الشتاء  يعدل حليب الناقة الفتيّة ذات الفصيل الصغير، فحمدت الله إليه ثم أنشدت لأعرابي:

إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغارٍ خوانزِ

فنحن ملوك الأرض خصباً ونعمة ... ونحن أُسود الغيل عند الهزاهزِ

فقال دعني من أعرابيك وهلم لأبي ذؤيب الهذلى إذ يقول:

وإن حديثاً منك لو تعلمينه ... جنى النحل في ألبان عُوذٍ مطافِلِ

مَطافِيلِ أَبكارٍ حَديثٍ نِتاجُها ...  تُشابُ بماءٍ مِثلٍ ماءِ المَفاصلِ

    والمَفَاصِل هي ما بين الجَبَلَيْنِ واحدها مَفْصِل، وإنما أراد صَفَاء الماء لانْحِدَارِهِ عن الجِبَالِ لا يَمُرّ بِطِين ولا تُراب. ومراده في بيتيه البديعين: أن حلاوة حديث محبوبته لو تفضلت به حلاوة اللبن مشوباً بالعسل، والعوذ هي الإبل الحديثات النتاج، واحدها عائذ، وسميت عائذاً لأن ولدها يعوذ بها لصغره، وألبان العوذ أطيب، لأنها إذا عتق لبنها تغيّر.

     قلت: وحليبها الصرف إن كانت على العادة خير من الممزوج ولو بالعسل.

    ثم عاد صاحبي لنشوته الشعرية وقد لبّدت علينا غيوم الضحى، فأخذ في إنشاده المختارات والعيون، فأنشد لقيس بن منقذ ابن الحدادية وهي أمه، في محبوبته نُعْمٍ بنت ذؤيب الخزاعية:

فما نُطفة بالطَّود أو بِضَرِيّة ... بقيَّةَ سيلٍ أحرزَتْها الوقائعُ

يطيف بها حَرَّانُ صادٍ ولا يرى ... إليها سبيلاً غيرَ أنْ سيطالِعُ

بأطيبَ مِنْ فيها إذا جئت طارقاً ... من الليل واخضلَّتْ عليك المَضاجِعُ

كأنَّ فؤادي يوم شقين من عصى ... حذارَ وقوع البين أو هو واقعُ

فقلت لها يا نُعم حُلِّي محلَّنا ... فإن الهوى يا نُعم والعيش جامِعُ

وقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بنفسي بيّن لي متى أنت راجعُ

ففلت لها والله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانعُ

فألقت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامعُ

وإني لِعهد الودِّ راعٍ وإنَّني ... بوصلك ما لم يطوني الموتُ طامِعُ

بكت من حديث بَثَّه وأشاعه ... ورصَّفه واشٍ من القومِ راصِعُ

بكت عينُ من أبكاكِ لا يعرف البكا ... ولا تتخالجك الأمور النوازعُ

فلا يسمعن سري وسرك ثالث ... ألا كل سر جاوز اثنين شائعُ

وكيف يشيع السر مني ودونه ... حجاب ومن دون الحجاب الأضالعُ

        ثم قال: ألا ما أكذبه، وانقض آخر شعرِهِ لأوّله، لكنّ دماء العاشقين جُبَارُ.

    ألم تسمع عمر بن أبي ربيعة المخزومي إذ يقول:

كدت يوم الرحيل أقضي حياتي   ...   ليتني مت قبل الرحيلِ

    والنمري إذ شجا:

إن المنيّة والفراق لواحد   ...   أو توأمان تراضعا بِلَبَانِ

    ثم قال: إيهٍ يا صاحبي، ليس شيءٌ ألذُّ من نظر المعشوق في وجه عاشقٍ بابتسام.

واسمع ما قاله أبو نُوَاس وهي من وسائط قلائده في سحر شعره، وقيل للسري الرفاء:

بنفسيَ من رد التحية ضاحكا   ...   فجدّدَ بعد اليأس في الوصل مطمعي

إذا ما بدى أبدى الغرامُ سرائري . . . وأظهر للعذال ما بين أضلعي

وحالت دموع العين بيني وبينه . . . كأنّ دموع العين تعشقه معي

    وقال غيره:

عرضْن فعرّضن القلوب من الجوى   ...   لأسرعَ في كيّ القلوب من الجمرِ

كأن الشفاه اللُّعْسَ فيها خواتمٌ   ...   من المسك مختوم بهن على درِّ

   وللرائع جرير، وهذا المعنى لا يفهمه غليظ الطبع جافي الحس:

إن الذين غدوْا بلبك غادروا    ...  وشَلاً بعينك لا يزال مَعِينا

غيّضنَ من عبراتهن وقلن لي  ...  ماذا لقيت من الهوى ولقينا

    نعم يا رفيق الدرب، فالأدب لم يدع مُلحة شجوٍ ولا دفينة معنى إلا أظهرها وأثارها وأجلاها، لولا زيوف الدخلاء عليه، ممن قادتهم شهوة الجسد عن مغاني النفس، وعلى كلٍّ فهذا ديوان العرب، وكل إناء بما فيه ينضحُ.

    لك الله يا أُخيّ، لئن ظفرت بقطعة أدب عسجدية، قد كتبها يراع الرشاقة بمداد الظرف واللطافة  حتى أضحى جمالها فائقٌ وأمسى حسنها رائقٌ؛ فعَضَّ عليها ناجذة فؤادك وذاكرة عقلك؛ فهي في مذهب قومنا كتيبة حسن لا يُقام لها، وصولة جمال لا بقاء بعدها، ومعدنٌ مسترادٌ طيب لمن رام تذكّر أيام الهنا، فإن ساعد على هذا توسدك حلالاً لذراع ناعمة البشرة، لدنة المفاصل، لطيفة الكفين، لينة الاعطاف، وقد تورّدت منها الخدود والوجنات بحمرة الخجل، كحمرة ورد الربيع الذي انفتق للتو من كمّه على الغصن الروي، وعليه انضم الندى العطريّ، فتضوّع الجوّ من عَرْفِها، وتضمّخت المساربُ بأرجها، فإن كان للنجم  ظهور فهو بالقمر مبهور، ولها ذات ثدي ناعم ناهد، كما قال عمرو بن كلثوم:

وثدياً مثل حُقّ العاج رَخْصاً   ...   حَصاناً من أكف اللامسينا

    وحق العاج هو وعاء صغير من ناب الفيل، ناصع البياض، وله غطاء منه ناتئ كحلمة ثدي البكر، والرخص هو الجلد الناعم اللدن الرقيق. تحبُّها وتحبك، وتطرح لك أعذب التغاريد وألين الأعضاء، حورية غانية حوراء، هيفاء غيداء لفّاء، وقدّ ميّاس مائد كأنه الخيزران، أسيلةُ الخد، قد تنافست في خدّيها تفاحتان أرقّ من لطيف الهواء، وأصفى من قراح الماء، وأبهى من بدر السماء، لها طَرْفٌ أحور أدعج، وثغرٌ أشْنَبَ مفلّج، لها نَفَسٌ أرقُّ من نسائم هزيعِ السَّحَر. وقد أجنّكما ليلٌ حالكٌ من فحمة شعرها، مشرقٌ بشمسِ وجهها، ومضيءٌ بقمرِ السماء، وقد نظرت إليك بابتسامةِ مشتاقة، فتحتارُ كيف يجتمع ليل شعرها الفاحم مع شمس وجهها البهيّ، شمس وليل كيف يجتمعان معاً؟! وكأن النجوم فوقكم خرائد سوافر، أو عيون نجل في سواد البراقع...هناك لا تسل عن السكر حتى الثمالة بالشم والسمع والنظر وما وراءها..حتى تذوب النجلاء بين يديك كذوبان الشهد في فم الجائع!

    قلت: يا صاحبي لحظتها تُنسى القصائد والأدب، وتشتعلُ البسوسُ، وتقومُ داحس والغبراء! آهٍ منك يا فلان، ضاع العلم بين أفخاذ النساء!

    فقال: عفواً يا صاحبي لا تؤاخذني، فأحياناً يتفاقم الأمر ويعيل الصبر، فللنفس قدر فتفيض عند امتلائها، ومزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع، ثم إن النفوس اذا كلّت ملّت، وإذا نَفَهَتْ عميَت، والكسير قد يعلو الرابية، والعاشية تهيج الآبية، ولو ترك القطا ليلاً لنام!

    قلت: يا صاحبي ما هذا الكرب اللازم، والحزن الدائم، والتنفسُ صُعُداً، والرغبة فيما لايدرك ولايحصى؟! إن كان في الدنيا مكتوباً فوالذي نفسي بيده لتذوقنّه، وإلا فاسأله في الجنة، فربُّنا كريم لا يخيب سائله، ولا يُردُّ داعيه.

    فأطرق ملياً، وقد أشرفتُ دمعةً حرّى من تحت أهدابه، ثم قال: لقد تعزّى امرؤ القيس لما رأى قبر بنت ملك في أنقرة وهو في مرض موته فقال:

أجارتنا إن المزار قريب   ...   وإني مقيم ما أقام عسيبُ

أجارتنا إنا غريبان ههنا   ...   وكل غريب للغريب نسيبُ

    وعسيب اسم جبل. وقال جرير:

خليليَّ هل في نظرة إن نظرتها   ...   أداوي بها قلباً علي فُجورُ

إلى رُجُحِ الأكفالِ غيدٍ من الصبا   ...   عِذاب الثنايا ريقهنّ طَهورُ

    وقال العباس بن الأحنف:

والله لو أن القلوب كقلبها   ...   ما رقَّ للولد الضعيف الوالدُ

جالَ الوِشاحُ على قضيب زانه   ...   رمانُ صدر ليس يقطف ناهدُ

    ثم مشينا على أقدامنا حتى توسطنا روضة معتمة، فيها ألوان الزهور الصافية، وأشكال الورود النادية، وقد فُتقت الأرض بالصدع، حتى أخذت زينتها، ولبست زخرفها من كل زوج بهيج ونشر أريج. حَوَتْ ورداً أحمر كالحياء شِيب به الخدِّ، وأصْفَرَ كالمحب أضرَّ به الصدُّ. فجلسنا ثم لم نلبث أن انطرحنا على ظهرينا، وكلانا يتبع ببصره غيمةً وطفاء، تتهادى في كبد السماء مثقلة بالماء كالناقة العُشَراء المتمّ، فقال: أتدري ما العشق؟ قلتُ: صِفه لي.

     قال: لم أر أحداً أصاب وصفه وآثاره ومظاهره كالأعرابية الأديبة الصافية القريحة التي قالت لما سئلت عنه: العشق خَفِيَ عن أن يُرى، وَجَلَّ عن أن يخفى! فهو كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون، فهو عصارة من السحر!

    ثم جلس صاحبي ونكت بعصاه زهرتين مفترقتين فجمعهما وهو يقول: هؤلاء الأدباء بعض كلامهم له في القلب أثر كالقنابل النووية، آه ما أروعهم! ثم أنشد لمهيار الديلمي:

ومن عجب أني أحنّ إليهم   ...   وأسأل شوقاً عنهمُ وهمُ معي

وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها   ...   ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

فيا مقلتي العبرى أفيضي عليهم ... ويا كبدي الحرى عليهم تقطعي

    فقلت: هيا بنا نركب رواحل الأدب عبر أطياف التاريخ، لنحلّ على مضارب بعض أهل المعلّقات. فقال: بَخٍ بخٍ، فهم من شقَّوا كِبَرَ طريق شعر العرب، وأضاؤوا عموده، ولا تكاد ترى لهم معنى بديعاً إلا ولهم فيه قصب السبق، ثم انتحله فئامٌ من الشعراء بعدهم. وإن الذي يروم أدب العرب ولم يمخض لسانه المعلقات فليس بأديب.

    والمعلقات _وتسمى المذهّبات والمقلدات والمسمّطات والسمط_ سبع وزاد بعضهم ثلاثاً فكن عشراً.

     وأصحاب السبع هم: امرؤ القيس، وطَرَفَةُ بن العَبْد، وزُهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، والحارث بن حلّزة اليشكري. وعند بعضهم أنها ثمان ويضيف إلى أصحابها النابغة الذبياني، وكثير من المتأخرين جعلها عشراً وأضاف إلى من ذكرنا الأعشى، وعبيد بن الأبرص. على اختلاف في بعضهم بين نقاد الشعر قديماً وحديثاً، وبما أن ميزان الشعر ذوقي فلا تسل عن سعة الاختلاف بين نقّاده، ولكن ثمّ قصائد وشعراء لم يجر فيهم خلاف.

    والأكثرون على تفضيل شعر أصحاب المعلقات على غيرهم، وعلى أن أفحل شعراء المعلقات هم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة. قال أبو عبيدة: أشعر الناس أهل الوبر خاصة وهم امرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة. وفي الطبقة الثانية؛ الأعشى، ولبيد، وطرفة.

    وسئل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.

    قلت: وعنترةُ إذا غضب، وطرفة إذا عتب، وابن كلثوم إذا حُرِب. وهم شعراء متقاربون كالحلْقة المفرغة لا يُدرى أين طرفها؟!

     قال أبو عبيدة: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل. فأسقط بذلك من أصحاب المعلقات عنترة، والحارث بن حلزة، وأثبت الأعشى، والنابغة.

    وكانت المعلقات تسمى المذهّبات، وزعموا أن سبب تسميتها أنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلّقت على الكعبة، وليس هذا بشيء، فلقد كانت قريحة العرب سماعية لا كتابية. وقيل: بل كان الملك إذا استجاد قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته، وهذا متوجّه.

    وقالوا: إن امرأ القيس صاحب النصيب الأوفر في الشعر، لأن الشعر في تعبيرهم كان جملاً فنحر، فأخذ امرؤ القيس رأسه، وكان زهير يمتاز بأنه لا يعاظل بين كلامين، ولايتتبع وحشي الكلام، ولا يمدح أحداً بغير ما فيه. أما النابغة فهو أوضح الشعراء معنى، وأبعدهم غاية، وأكثرهم فائدة. وأما الأعشى فهو أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، وأقدرهم شعراً. وأما لبيد فهو أقلّهم لغواً. وأما عمرو بن كلثوم فهو أعزّهم نفساً، وأكثرهم امتناعاً. وأما طرفة فهو أجودهم واحدة، وبلغ على حداثة سنه ما بلغه القوم في طول أعمارهم.

    وقال أبو عمرو بن العلاء: طرفة أشعرهم واحدة. يعني معلقته. وفيها يقول:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً   ...  ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ

وقال البيهقي: وأما أهجاهم للرجال، وأبذّهم في المقال، وأضربهم للأمثال فطرفة.

    هذا، وأصحاب المعلقات السبع كلهم جاهليون إلا لبيداً، فإنه من المخضرمين.

وهذه مطالع المذهبات السبع:

فلامرئ القَيس الكندي:

قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ

ولزهير المزني:

أمن أم أوفى دِمْنة لم تكلمِ

وللنابغة الذبياني:

يا دارَ مَيّة َ بالعَليْاءِ فالسَّنَدِ

ولطَرَفة البكري:

لِخَوْلة أطلالٌ ببرقة ثَهمدِ

ولعَنترة العبسي:

يا دارَ عَبلة بالجواء تكلمي

ولعمرو بن كُلْثوم التغلبي:

ألا هُبِّي بصحنك فاصْبحينا

وللَبيد العامري:

عفَت الدِّيار محلّها فمقامها

وللأعشى القيسي:

ودِّع هُرَيْرةَ إن الرَّكْب مُرْتَحِلُ

وللحارث بن حِلَّزة اليشكري البكري:

آذَنَتْنا ببَيْنها أسماءُ

ولعبيد بن الأبرص الأسدي:

أَقفَرَ مِن أَهلِهِ مَلحوبُ

    وتأمل كيف قُسمت أكثر المعلقات بين القبائل، ولعل من أسباب ذلك احتفاء قوم الشاعر بابنهم وروايتها ومدحها حتى تُستحسن، لذا فلا تعجب أن يكون لكل قبيلة من الجراثيم المتناحرة معلّقة، كعبس وذبيان، وبكر وتغلب، كذلك فليس في تلك المعلقات قصائد للمجنون وكثيّر وقيس لبنى لأن هؤلاء إسلاميون، أما أصحاب المعلقات فجاهليون أو مخضرمون، كذلك فالعرب لا تحتفي بالنسيب إلا إن كان مقدمة لقصيدة ومدخلاً لها أما أن تكون كلها فيه فليست لاستحسانهم بسبيل، ولكأني بهم ينتظرون بعده الفخر والحكمة وهما عمدة نظرهم في تقديم المعلقات على غيرها والله أعلم.

     والآن فلنلجْ ديوان الفحول، ولنُمِرّ أسماعنا بشيء من إمتاعهم، ولنصقل لغتنا بمحدّ فصاحتهم وبيانهم ولنطلق لخَيَالِنا العنان مع بديعهم. وسوف نستنطق أخبارهم وقصائدهم بدون ترتيب ولا استقصاء، دفعاً للسأم والملال، فشعرهم كألوان الربيع المختلفة الألوان والأشكال والشذى..

     لقد صدحت صنّاجة الأعشى بقوله_والصناجة آله موسيقية لأنه يتغنى عند إنشاده_:

غراءُ فرعاءُ مصقولٌ جوانبها   ...   تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحلُ

كأن مشيتها من بيت جارتها   ...   مشي السحابة لا ريث ولا عجلُ

    ولجلالة شعر الأعشى فقد كان يرفع الوضيع الخامل، ويخفض الشريف النابه، ومن الذين رفعهم شعر الأعشى المحلَّق، وقد كان أباً لثمانِ بناتٍ عوانس، رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن، فاستضافَهُ على فقره، فمدحه الأعشى ونوّهَ بذكره في عكاظ، فلم يمض عام حتى لم تبق جارية منهن إلا هي زوج لسيد كريم. وقيل بل أرسل خلفه مولىً لأبيه يسوق كرامته التي اقترض ثمنها لفقره، وهي ناقة وخمر وبردين مع مولى لأبيه، بناء على نصيحة زوجته التي قالت: لئن اختلج السنام والكبد والخمر في بطنه وقد اشتمل ببرديك ليرفعنّ ذكرك! فخرج يتبعه، فكلما مر بماء قيل: ارتحل أمس عنه. حتى صار إلى منزل الأعشى في منفوحة باليمامة _وهي حيٌّ عامر في الرياض حالياً_ فوجد عنده عدّة من الفتيان قد غدّاهم بغير لحم، وصبَّ لهم فضيخاً. فهم يشربون منه إذ قرع الباب، فقال: انظروا من هذا؟ فخرجوا فإذا رسول المحلّق يقول: هذه كرامتك، ولم أكُ حاضراً فأتبعتك إياها. فدخلوا عليه وقالوا: هذا رسول المحلق الكلابي أتاك بكذا. فقال: ويحكم، أعرابي، والذي أرسل إليّ لا قدر له. والله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفي لأقولن فيه شعراً لم أقل قط مثله. ثم أذن للرسول فدخل وأناخ الجزور بالباب، ووضع الزِّقُّ والبُردين ين يديه. فقال له: أقره التحية وقل له: وصلتك رحم، سيأتيك ثناؤنا. وقام الفتيان إلى الجزور فنحروها وشقوا خاصرتها عن كبدها وجلدها عن سنامها، ثم جاءوا بهما. فأقبلوا يشوون، وصبوا الخمر فشربوه. وأكل معهم الأعشى وشرب ولبس البردين ونظر إلى عطفيه فيهما فأنشأ يقول قصيدته الذائعة التي سارت في العرب وزوّجت بناته العشر أو أخواته الثلاث، فما أتت على المحلق سنة حتى زوجهنّ كل واحدة على مئة ناقة. فأيسر وشرف، وفقال _ وتأمل نار المقرور _:

أرقتُ وما هذا السُّهاد المؤرّقُ  ...  وما بي من سقمٍ وما بي تعشّقُ

لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة  ...  إلى ضوء نار في اليفاع تحرّقُ

تشبُّ لمقرورين يصطليانهما  ... وبات على النار النَّدَى والمحلّقُ

رضيعي لبان ثدي أُمٍّ تقاسما  ...  بأسحم داج عَوْض لا نتفرّقُ

ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه  ...  كما زان متنَ الهندواني رونقُ

يداهُ يدا صدق فكفُّ مبيدةٌ  ...  وأخرى إذا ما ضنَّ بالمال تنفقُ

   وقال فيه عبد الملك بن مروان: قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره. وقال المفضل: من زعم أن أحداً أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.

    واسم الأعشى ميمون بن قيس، وكان يكنى أبا بصير، وكانوا يسمونه صنَّاجة العرب لجودة شعره، أو لأنه كان يتغنى به.  وقد مدح سلامة الحميري، فأجازه وأعطاه مئة من الإبل، وكساه حللا كرشاً مدبوغة مملوءة عنبراً. وقال: إياك أن تخدع عنها. فانصرف عنه حتى أتى الحيرة فباعها بثلاث مئة ناقة حمراء. فخاف أن ينتهب ماله، فاستجار بعلقمة بن علاثة العامري فقال له: أجيرُكَ من الأسود والأحمر فقال: ومن الموت. قال: لا. فأتى عامر بن الطفيل، فقال: له مثل مقالة علقمة، فقال له الأعشى: ومن الموت. قال: نعم. قال: وكيف؟ قال: إن متّ في جواري وديتك. فلما سمع علقمة جواب عامر قال: لو علمت أن ذلك مراده لهان علي. وكان ذلك في أوان منافرة عامر وعلقمة المشهورة _والمنافرة هي الاحتكام بعد الفخر_ وكانت العرب تهاب أن تنفر أحدهما على الآخر لسيادتهما وفروسيتهما، فكانا فرسي رهان، إن أرضيت هذا أسخطت ذاك.

    ثم إن الأعشى ركب ناقته ونفر عامراً وفضّله عل علقمة _وهذا مثال على مدى صِدقيّة هؤلاء_ فأهدر علقمة دمه. وجعل على كل طريق رصداً، فهجاه الأعشى أيضاً بقصيدة من أشد ما فاهت به العرب في هجوها، يقول فيها:

تَبِيتونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطونُكُمْ ...  وجاراتكمْ غَرثى يبتنَ خمائصَا

يراقبنَ منْ جوعٍ خلالَ مخافة ٍ  ...  نُجُومَ السّمَاءِ العاتِماتِ الغَوَامِصَا

وما ذنبنا أنْ جاشَ بحرُ ابنِ عمِّكم  ...  وَبَحرُكَ ساجٍ لا يُوَارِي الدّعَامِصَا

   وقد كذب في هجوه لعلقمة، فإنه كان من أجواد العرب. وقد أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه، أما ابن عمه عامر بن الطفيل فهو مَنْ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ربه أن يكفيه، فعاقبه بغُدَّةٍ في رقبته هلك منها. ولما بلغ هجو الأعشى علقمة رفع يده وقال: لعنه الله، أنحن نفعل هذا بجاراتنا؟ وقيل إنه بكى منها! وقال: اللهم اخزه إن لم يكن صادقاً! _فلعل شؤم كذبته ودعوة المظلوم عليه قد لحقاه حتى خُذِل عن الفلاح بدخول الإسلام وقد أوشك عليه!_

     قال عبد الملك بن مروان: يا بني أُمية، أَحسابكم أَنسابكم، لا تُعرِّضوها للجهّال؛ فإن كلامهم باقٍ ما بقي الدّهر، وأوصيكم بحسن جوار الشعراء، فإن للشعر مواسم لا تزداد على اختلاف الجديدين إلا جدة، والله ما يسرّني أني هجيتُ بمثل هذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:

تَبِيتُون في الْمَشْتَى مِلاَءً بُطونُكُم ... وجَارَاتُكم غرْثى يَبِتْن خَمائِصَا

    هذا وقد كان عبدالملك من خيار طلبة العلم في المدينة، ومن حَمَلَةِ كتاب الله، حتى دخل في الدماء والفتن، فَخَفَتَ نورُهُ، وكان يقول عن نفسه متحسراً: كنت أتحرّج من أن أطأ النمل قبل الخلافة، فلما وليت جعل الحجاج يكتب لي بقتل الفئام من الناس ولا أبالي! وعبدالملك معدودٌ من متذوّقة الأدب الرفيع، وله مجالس وأخبار وافرة لو جمعت في كتاب لكان حافلاً نافعاً.. ولنرجع إلى الأعشى:

    ثم إن الأعشى سافر ومعه دليل، فأخطأ به الطريق، فألقاه في ديار بني عامر بن صعصعة فأخذه رهط علقمة بن علاثة فأتوه به. فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك. فقال الأعشى:

أعلقمُ قدْ صيرتني الأمورُ   ...  إلَيْكَ وَمَا كَانَ لي مَنْكَصُ

وَكُلُّ أُنَاسٍ وَإنْ أَفْحَلوا  ...  إذا عَايَنُوا فَحْلَكُمْ بَصْبَصُوا

وإنْ فحصَ النّاسُ عنْ سيِّدٍ  ...  فَسَيّدُكُمْ عَنْهُ لا يُفْحَصُ

فهلْ تنكرُ الشّمسُ في ضوئها   ...أوِ القَمَرُ البَاهِرُ المُبْرِصُ

فَهَبْ لي ذُنُوبي فَدَتْكَ النّفُوسُ  ...  ولا زلتَ تنمي ولا تنقصُ

أَعَلْقَمَ قد صَيَّرَتْنِى الأُمورُ ... إِلَيْكَ وما أَنْتَ لي مُنْقِصُ

    فقال قوم علقمة: اقتله وأرحنا والعرب من شرِّ لسانه. فقال علقمة: إذن تُطلبوا بدمه، ولا ينغسل عنِّي ما قاله، ولا يُعرف فضلي عند القدرة. وقيل: بل دخل علقمة على أمّه وقال لها: لقد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث _لعشو عينيه_. قالت: فما تراك فاعلاً به؟. قال: سأقتله شر قتلة. فقالت: يا بني، لقد كنت أرجوك لقومك عامة، وإني اليوم لا أرجوك إلا لنفسك خاصة. وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيَّرَهُ إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما أمرَتْهُ به، وحلَّ وثاقه، وألقى عليه حُلَّة، وحمله على ناقة، وأحسن عطاءه. وقال له: انج حيث شئت، ووالله لو قلتَ فيَّ ما قلت في عامرٍ ابنِ عمي لأغنيتك حياتك، ولو قلتَ فيه ما قلته في ما أذاقك بردَ الحياة. وأخرج معه من من يبلغه مأمنه. فجعل بعد ذلك يمدحه. ومن ذلك قوله فيه:

عَلْقَمَ يا خَيْرَ بنى عامِرٍ ... للضَّيْفِ والصاحِبِ والزائِرِ

والضَّاحِكَ السِّنِّ على هَمِّهِ ... والغافِرَ العَثْرَةِ للعاثِرِ

    وقال الأعشى وقدمها بعضهم على وَدِّعْ هريرة، ولم يُصب، وإن كانت هذه اللاميّة تُعَدُّ لوحةٌ تصويريّة قشيبة لحياة البادية الوادعة:

مَا بُكَاءُ الكَبِيرِ بِالأَطْلاَلِ ... وَسُؤَالِي وَمَا تَرُدّ سُؤالي

دِمْنَةٌ قَفْرَةٌ تَعَاوَرَهَا الصَّيْ ... فُ بِريْحَيْنِ مِنْ صَبَا وَشَمالِ

لاَتَ هُنّا ذِكْرَى جُبَيرَةَ أَوْ مَنْ ... جاءَ مِنْهَا بِطَائِفِ الأَهْوَالِ

حَلَّ أَهْلي بَطْنَ الغُمَيْسِ فَبادَو ... لى وَحَلَّتْ عُلوِيّةً بالسِّخالِ

وَسِقَاءٍ يُوْكَى على تَأَقِ المَلْ ... ءِ وَسَيْرٍ ومُسْتَقَى أَوْشَالِ

وَادِّلاَجٍ بَعْدَ الهُدوءِ وَتَهْجي ... رٍ وَقُفٍّ وَسَبْسَبٍ وَرِمَالِ

وَقَليبٍ أَجْنٍ كَأَنَّ مِنْ الرِّي ... شِ بِأَرْجَائِهِ سُقُوطَ النِّصالِ

فَلَئِنْ شَطَّ بِيَ المَزَارُ لَقَدْ أُض ... حي قَليلَ الهُمُومِ نَاعِمَ بَالِ

إذْ هِيَ الهَمُّ والحَدِيثُ وإذْ تَعْ ... صي إليَّ الأمِيرَ ذا الأقْوَالِ

ظَبْيَةٌ مِنْ ظِباءِ وَجْرَةَ أَدْمَا ... ءُ تَسُفُّ الكَبَاثَ تَحْتَ الهَدَالِ

حُرَّةٌ طَفْلَةُ الأَنَامِلِ تَرْت ... بُّ سُخاماً تَكُفُّهُ بِخِلاَلِ

وكَأَنَّ السُّمُوطَ عاكِفَةُ السِّلْ ... كِ بِعِطْفَيْ وِشَاحِ أُمِّ غَزَالِ

فَاذْهَبِي مَا إلَيْكِ أَدْرَكَنِي الحِلْ ... مُ عَدَاني عَنْ هَيجِكم أَشْغالي

وَعَسِيرٍ أَدْمَاءَ حَادِرَةِ العَيْ ... نِ خَنُوفٍ عَيْرَانَةٍ شِمْلاَلِ

مِنْ سَرَاةِ الِهجَانِ صَلَّبَها العُضُّ ... وَرَعْيُ الحِمَى وَطُولُ الحِيالِ

لمْ تَعَطَّفْ على حُوَارٍ وَلَمْ يَقْ ... طَعْ عُبَيْدٌ عُرُوقَها مِنْ خُمالِ

قد تَعَلَّلْتُها على نَكَظِ المَيْ ... طِ وَقَدْ خَبَّ لاَمِعَاتُ الآلِ

فَوْقَ دَيْمُومَةٍ تُخَيَّلُ لِلْسَّفْ ... رِ قِفَاراً إلاَّ مِنَ الآجالِ

وإذا ما الظِّلاَلُ خَيفَتْ وكان الشُّرْ ... بُ خِمْساً يَرجَوْنَهُ عن ضلالِ

واستُحِثَّ المُغَيِّرُونَ من الرَّكْ ... بِ وكانَ النِّطافُ ما في الغَزالي

مَرِحَتْ حُرَّةً كَقَنْطَرَةِ الرّوم ... يِّ تَفْريْ الهَجِيرَ بِالإِرْقَالِ

تَقَطَعُ الأَمْعَزَ المُكَوْكِبَ وَخْداً ... بِنواجٍ سَرِيعَةِ الإيْغالِ

عَنْتَريسٌ تَعْدو إذا حُرِّكَ السَّوْ ... طْ كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجَوَّالِ

لاَحَهُ الصَّيْفُ والطِّرادُ وإشْفا ... قٌ عَلَى صَعْدَةٍ كَقَوْسِ الضَّالِ

مُلْمِعٌ والِهُ الفُؤَادِ إلى جَحْ ... شٍ فَلاهُ عَنْهَا فَبِئْسَ الفَالي

ذو أَذَاةٍ على الخَلِيطِ خَبِيثُ النّف ... سِ يَرمي عَدُوَّهُ بالنُّسالِ

غادَرَ الوَحشَ في الغُبَارِ وعادا ... ها حَثيثاً لِصُوّةِ الأَدْحَالِ

ذَاكَ شَبّهْتُ نَاقَتي عن يَمينِ الرَّع ... نِ بَعْدَ الكَلاَلِ والإِعْمَالِ

وَتَرَاهَا تَشْكُو إليّ وقد صَا ... رَتْ طَلِيحاً تُحْذَى صُدورَ النِّعالِ

نَقَبَ الخُفُّ لِلسُّرَى فَتَرَى الأنْ ... ساعَ مِنْ حِلِّ سَاعَةٍ وارْتِحَالِ

أَثَّرَتْ في جَآجيءٍ كإرانِ المَيْ ... تِ عُولينَ فَوْقَ عُوجٍ رِسَالِ

لاَ تَشَكَّيْ إليّ مِنْ أَلمِ النِّس ... عِ وَلاَ مِن حَفىً ولا من كلالِ

وَلَقَدْ أَستَبي الفَتَاةَ فَتَعْصي ... كلَّ واشٍ يُريدُ صَرْمَ حِبَالي

لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَاكَ تَلْهُو بِغَيْرِي ... لاَ ولاَ لهْوُهَا حَديثُ الرّجالِ

ثمّ أَذْهلْتُ عَقْلَها رُبّما يَذْ ... هَلُ عَقْلُ الفَتَاةِ شِبْهِ الهِلاَلِ

وَلَقَدْ أَغْتَدي إذا صَقَعَ الدّي ... كُ بِمُهْرٍ مُشَذَّبٍ جَوّالِ

أَعْوَجيٍ تَنْمِيهِ عُوذٌ صَفَايا ... وَمَعَ العُوذِ قِلّةُ الإغْفالِ

مُدْمَجٌ سابغُ الضّلوعِ طَويلُ الشّ ... خصِ عَبْلُ الشَّوى مُمَرُّ الأعَالي

وَقِيَامي عَلَيْهِ غَيْرَ مُضيعٍ ... قَائماً بالغُدُوّ والآصَالِ

فَجَلَ الصّونُ وَالمَضامِيرَ عن سِي ... دٍ جَرَى بَيْنَ صَفْصَفٍ وَرِمَالِ

يَمْلأُ العَيْنَ عَادِياً وَمَقُوداً ... وَمُعَرّىً وصَافِناً في الجِلاَلِ

فَعَدَوْنَا بِمُهْرِنا إذْ غَدَوْنَا ... قَارِنِيهِ بِبَازِلٍ ذَيَّالِ

مُسْتَخَفّاً على القِيادِ ذَفيفاً ... تَمّ حُسناً فصارَ كَالتّمثالِ

فإذا نَحْنُ بالوُحُوشِ تُرَاعِي ... صَوْبَ غَيثٍ مُجَلْجِلٍ هَطّالِ

فَحَملْنا غُلامَنا ثمّ قُلنا ... هَاجِرِ الصّوْتَ غَيْرَ أَمْرِ احتيالِ

فَجَرَى بالغُلامِ شِبْهَ حَريقٍ ... في يَبيسٍ تَذْرُوهُ رِيحُ الشَّمالِ

بَيْنَ عَيْرٍ ومُلمعٍ وَنُحُوض ... ونَعَامٍ يَرِدْنَ حَوْلَ الرّئَالِ

لَمْ يَكُنْ غَيْرُ لَمْحةِ الطّرْفِ حتى ... كَبَّ تِسْعاً يَعْتَامُها كَالمُغالي

وَظَلِيمَيْن ثُمّ أَيَّهْتُ بِالمُهْ ... رِ أُنادي فداكَ عَمّي وَخَالي

وَظَلَلْنا ما بَيْنَ شاوٍ، وذِي قِدْ ... رٍ وَسَاقٍ ومُسْمِعٍ مِحْفَالِ

في شَبابٍ يُسْقَوْنَ مِنْ مَاءِ كَرْمٍ ... عَاقِدينَ البُروُدَ فَوْقَ العَوَالي

ذَاكَ عَيْشٌ شَهِدْتُهُ ثمّ وَلّى ... كُلُّ عَيْشٍ مَصِيرُهُ للزَّوَالِ

    أما خبر هلاكه فمؤسف، نعوذ بالله من الخذلان، ففي سنة صلح الحديبية هَمَّ الأعشى بالإسلام، وأنشأ قصيدة يمدح فيها النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وتأمل عظيم العبرة في قوله: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى _واسأل ربك الثبات على الدين حتى الممات، وليت شعري ما ذا سيقول غداً؟!_قال:

ألم تَغتمضْ عيناكَ ليلةَ أرمدا ... وبِتَّ كما باتَ السليمُ مُسهَّدا

وما ذاكَ مِن عِشْقِ النِّساءِ وإِنَّما ... تَناسَيْتَ قبلَ اليومِ خُلَّةَ مَهْدَدا

ولكنْ أَرَى الدَّهْرَ الذي هو خاتِرٌ ... إِذا أَصْلَحَتْ كَفَّايَ عادَ فَأَفْسَدا

شَبابٌ وشَيْبٌ وافْتِقارٌ وثَرْوَةٌ ... فللَّهِ هذا الدَّهرُ كيفَ تَرَدَّدا

أَلاَ أَيُّهذا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَتْ ... فإِنَّ لها في أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدا

فآلَيْتُ لا أَرْثِي لها مِن كَلالَةٍ ... ولا مِن حَفىً حتَّى تُلاقِي محمَّدا

متى ما تُناخي عند بابِ ابن هاشمٍ ... تُراحي وتلقي من فواضله ندى

نبياً يرى ما لا تَرونَ وذكرُهُ ... أغارَ لَعَمري في البلاد وأَنجدا

له صدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ ... وليس عطاءُ اليوم ما نعَهُ غدا

أجِدَّك لم تَسمعْ وَصاةَ محمدٍ ... نبيِّ الإلهِ حين أوصى وأَشهدا

إذا أنت لم ترحلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقَيت بعد الموتِ من قد تزوَّدا

ندمت على ألاَّ تكون كمثلهِ ... فتُرصِدَ للموت الذي كان أرصَدا

فإِيَّاكَ والمَيْتاتِ لا تَقْرَبَنَّها ... ولا تَأَخُذَنْ سَهْماً حَدِيداً لِتَفْصِدا

وصَلِّ على حين العَشِيَّاتِ والضُّحَى ... ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، واللّهَ فاعْبُدا

    وكان سائراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصيدة ليُسْلَم. فلما كان قريباً من مَكة، وبلغ قريشا خبره وما قد عزمه رصدوا على طريقه، وكان فيهم أبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى، والله لئن أتى محمداً واتّبعه ليُضرمن عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مئة من الإبل، ففعلوا. فلما ورد عليهم قالوا: أين أردت يا أبا بصير؟. قال: أردت صاحبكم هذا _يعني النبي عليه الصلاة والسلام_ لأُسْلِمَ. فقالوا: إنه ينهالك عن خلال ويحرمها عليك، وكلها لك موافق. قال: وما هي؟ قالوا: الزنا والقمار والربا والخمر. قال: أما الزنا فلقد تركني، وأما القمار فلعلي إن لقيته أن أصيب منه ما يغنيني عنه، وأما الربا فما دنت وما أدنت، وأما الخمر - أَوّه إن في النفس منها لعُلالات- فأرجع إلى صُبابةٍ قد بقيت في المهراس فأشربها. فقال أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟. فقال: وما هو؟. قال: نحن الآن وهو في هدنة، فتأخذ مئةً من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا: فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خَلَفًا، وإن ظهر علينا أتيتَهُ. فقال: ما أكره ذلك. ففعلوا. فأخذها وانطلق إلى بلده فلما كان قريباً من بلده منفوحة باليمامة رمى به بعيره فقتله.. ولاقيتَ بعد الموت من قد تزوَّدا!!

ومن شعره قوله وفيه يفتخر بيوم ذي قار وهو للعرب على الفرس:

لو أن كل معدٍّ كان شاركنا  ... في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرفُ

لما أمالوا إلى النشّابِ أيديَهُمْ   ...  مِلْنَا ببيضٍ فظَلَّ الهام تقتطفُ

وخيلُ بكرٍ فما تنفكُّ تطحنهم   ...  حتى تولّوا وكاد اليوم ينتصفُ

أما معلقته فهي من أفحل قصائدِ البَشَرِ، ومنها:

ودِّعْ هُرَيْرةَ إن الرَّكْب مُرْتَحِلُ ... وهل تُطيق وَداعاً أيُّها الرجلُ

غَرَّاءُ فَرْعاءُ مصقولٌ عوارضُها ... تمشي الهُوَيْنَى كما يمشي الوَجِي الوَحِلُ

تسمع للحَلْيِ وَسْوَاساً إذا انصرفتْ ... كما استعان بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ

يَكادُ يَصرَعُها لَوْلا تَشَدّدُهَا  ... إذا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ

إذا تُعالِجُ قِرْناً سَاعة ً فَتَرَتْ  ...  وَاهتَزّ منها ذَنُوبُ المَتنِ وَالكَفَلُ

مِلءُ الوِشاحِ وَصِفْرُ الدّرْعِ بَهكنَة ٌ  ...  إذا تَأتّى يَكادُ الخَصْرُ يَنْخَزِلُ

هركولة ٌ فنقٌ درمٌ مرافقها  ...  كأنّ أخمصنها بالشّوكِ منتعلُ

إذا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أصْوِرَة ً  ...  والزنبقُ الوردُ من أردانها شملُ

ما رَوْضَة ٌ مِنْ رِياضِ الحَزْنِ مُعشبة ٌ  ...  خَضرَاءُ جادَ عَلَيها مُسْبِلٌ هَطِلُ

يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ   ...  مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النّبْتِ مُكْتَهِلُ

يَوْماً بِأطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَة   ...  ولا بأحسنَ منها إذْ دنا الأصلُ

عُلِّقْتُها عَرَضاً وعُلِّقتْ رجُلاً ... غيري وعُلِّق أخرى غيرَها الرَّجلُ

قالت هريرةُ لمّا جئتُ زائرَها ... وَيْلِي عليك وويلي منك يا رجلُ

لم تمشِ مِيلاً ولم تركب على جملٍ ... ولم تَر الشمس إلا دونها الكِلَلُ

وبلدة ٍ مثلِ ظهرِ التُّرسِ موحشة ... للجِنّ بِاللّيْلِ في حَافَاتِهَا زَجَلُ

لا يَتَمَنّى لهَا بِالقَيْظِ يَرْكَبُهَا  ...  إلاّ الذينَ لهمْ فيما أتوا مهلُ

جاوزتها بطليحٍ جسرة ٍ سرحٍ  ...  في مِرْفَقَيها إذا استَعرَضْتَها فَتَل

إمّا تَرَيْنَا حُفَاة ً لا نِعَالَ لَنَا  ...  إنّا كَذَلِكَ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ

أقول للركب في دُرْنَى وقد ثَمِلوا ... شِيمُوا وكيف يَشِيم الشاربُ الثَّمِلُ

كناطحٍ صخرةً يوماً ليَفْلِقَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قَرْنَه الوَعِلُ

أبلغ يزيدَ بني شَيْبانَ مَأْلُكَةً ... أبا ثُبَيتٍ أمَا تَنْفَكُّ تأتَكِلُ

إن تركبوا فركوبُ الخيل عادتُنا ... أو تنزلون فإنّا معشرٌ نُزُلُ

في فِتُيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفَع عن ذي الحيلة الحِيَلُ

    وقد كان النابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. فكان أول من أنشده في أحد المواسم الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء. ثم أتته الخنساء أخت صخر فأنشدته قصيدة منها قولها في أخيها صخر:

وإن صخراً لتأتم الهُدَاةُ بِهِ  ...    كأنَّهُ عَلَمٌ في رأسِهِ نارُ

    فقال: والله لولا أن أبا بصير _يعني الأعشى_ أنشدني آنفا لقلت: أنك أشعر الجن والإنس. فقام إليه حسان، فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة مفتخراً ببيت قاله في النعمان: يا ابن أخي، إنك لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليلِ الذي هو مُدْرِكِي ... وإن خِلْتُ أن المنتأى عنكَ واسعُ

     أما عنترة، وما أدراك ما شعر عنترة! فمن تشابيهه الرائقة قوله_ولعله لَحَظَ ألوانها المتوهجة المختلفة التي هي عبارة عن سجل عمريٍّ لتلك النجوم_:

أُراعي نجومَ الليلِ وهيَ كأنَّهَا  ...  قوارير فيها زئبقٌ يترجرجُ

    وقوله في وصف روضة غنّاء:

وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ  ... غَرِداً كفعل الشارب المترنمِ

هَزِجاً يحكُّ ذراعَهُ بذراعِهِ  ...   قَدْحَ المُكِبِّ على الزَّنادِ الأجذمِ

    ومما ينسب إليه وتأمل كيف مزج الفخر بالنسيب:

أحبّكَ يا ظلومُ فأنتِ عندي ...   مكانَ الروحِ من جسدِ الجبانِ

ولو أني أقول مكان روحي  ...   خشيتُ عليك بادرةَ الطِّعانِ

    وقال متوعداً الملك النعمان بن المنذر ويفتخر عليه بقومه:

لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ  ... ولا ينالُ العلى من طبعهُ الغضبُ

ومن يكنْ عبد قومٍ لا يخالفهمْ  ...  إذا جفوهُ ويسترضى إذا عتبوا

قدْ كُنْتُ فِيما مَضَى أَرْعَى جِمَالَهُمُ  ...  واليَوْمَ أَحْمي حِمَاهُمْ كلَّما نُكِبُوا

لله دَرُّ بَني عَبْسٍ لَقَدْ نَسَلُوا  ...  منَ الأكارمِ ما قد تنسلُ العربُ

لئنْ يعيبوا سوادي فهوَ لي نسبٌ  ...  يَوْمَ النِّزَالِ إذا مَا فَاتَني النَسبُ

إن كنت تعلمُ يا نعمانُ أيُّ فتىً ...  يَلْقى أخاك الَّذِي قَدْ غرَّهُ العُصَبُ

فَتًى يَخُوضُ غِمَارَ الحرْبِ مُبْتَسِماً  ...  وَيَنْثَنِي وَسِنَانُ الرُّمْحِ مُخْتَضِبُ

إنْ سلَّ صارمهُ سالتَ مضاربهُ   ...  وأَشْرَقَ الجَوُّ وانْشَقَّتْ لَهُ الحُجُبُ

والخَيْلُ تَشْهَدُ لي أَنِّي أُكَفْكِفُهَا  ...  والطّعن مثلُ شرارِ النَّار يلتهبُ

إذا التقيتُ الأعادي يومَ معركةٍ  ...  تَركْتُ جَمْعَهُمُ المَغْرُور يُنْتَهَبُ

لي النفوسُ وللطّيرِاللحومُ وللـ  ...  ـوحْشِ العِظَامُ وَلِلخَيَّالَةِ السَّلَبُ

لا أبعدَ الله عن عيني غطارفة ً  ...   إنْساً إذَا نَزَلُوا جِنَّا إذَا رَكِبُوا

أسودُ غابٍ ولكنْ لا نيوبَ لهم  ...  إلاَّ الأَسِنَّة ُ والهِنْدِيَّة ُ القُضبُ

تعدو بهمْ أعوجيِّاتٌ مضَّمرة ٌ  ...  مِثْلُ السَّرَاحِينِ في أعناقها القَببُ

ما زلْتُ ألقى صُدُورَ الخَيْلِ منْدَفِقاً  ...  بالطَّعن حتى يضجَّ السَّرجُ واللَّببُ

فا لعميْ لو كانَ في أجفانهمْ نظروا  ...  والخُرْسُ لوْ كَانَ في أَفْوَاهِهمْ خَطَبُوا

والنَّقْعُ يَوْمَ طِرَادِ الخَيْل يشْهَدُ لي  ...  والضَّرْبُ والطَّعْنُ والأَقْلامُ والكُتُبُ

     أما معلقته التي أشْهَرَتْهُ فيقال في سبب نظمها؛ أنه جلس يوما في مجلس بعد ما كان قد أبلى وحسنت وقائعه واعترف به أبوه وأعتقه، فسابَّهُ رجل من بني عبس وعاب عليه سواد أمه وإخوته، وأنه لا يقول الشعر. فسبه عنترة وفخر عليه، ثم قال: وأما الشعر فستعلم. فكان أول ما قال معلقته. وكان قبل ذلك ينظم البيت والبيتين، ومنها:

هَلْ غَادَرَ الشّعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ ... أَمْ هَلْ عَرَفتَ الدّارَ بَعدَ تَوَهّمِ

إلاّ رواكِدَ بَيْنَهُنّ خَصائِصٌ ... وبَقيّةٌ مِنْ نُؤيِها المُجْرَنْثِمِ

دارٌ لآِنِسَةٍ غَضيضٍ طَرْفُها ... طَوْعِ العِنانِ لَذيذَةِ المُتَبَسِّمِ

يا دارَ عَبلَةَ بالجِواءِ تَكَلّمي ... وَعِمي صَباحاً دارَ عبلةَ واسلَمي

فَوقَفتُ فيها ناقَتي وكأَنّها ... فَدَنٌ لأقضِيَ حاجَةَ المُتَلوِّمِ

وتَحُلّ عَبلةُ بالجواءِ وأَهْلُنا ... بالحَزْنِ فالصَّمّانِ فَالمُتَثَلَّمِ

وَتَظلّ عَبْلَةُ في الخُزُوزِ تَجُرّها ... وَأَظَلّ في حَلَقِ الحَديدِ المُبْهَمِ

حُييّتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الهَيثَمِ

حَلّتْ بأرْضِ الزّائرينَ فأَصْبَحَتْ ... عَسِراً عليّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ

عُلِّقْتُها عَرَضاً وأقتُلُ قَوْمَها ... زَعْماً لَعَمرُ أبيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ

وَلَقَدْ نَزَلتِ فلا تَظُنّي غَيرَهُ ... منّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكرَمِ

أنّي عَداني أَنْ أَزورَكِ فاعْلَمي ... ما قَدْ عَلِمتِ وبعضَ ما لم تَعْلَمي

يا عَبْلَ لَوْ أَبْصَرْتِني لرأيتني ... في الحربِ أُقدِمُ كالهزْبرِ الضّيغمِ

كَيفَ المَزارُ وقد تَرَبّعَ أهلُها ... بعُنَيزَتَينِ وأهلُنا بالغَيلَمِ

إن كُنتِ أَزْمعتِ الفِراقَ فإنّما ... زُمّتْ رِكابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظلمِ

مَا رَاعني إلاّ حمولة ُ أهلها طَبٌّ  ...  بأَخْذِ الفارسِ المُسْتلئِم

إذ تستبيكَ بذي غروب واضحٍ  ...   عذبٍ مقبلهُ لذيذُ المطعم

وكأنما نظرتْ بعينيْ شادنِ   ...  رشأٍ من الغزلانِ ليس بتوأم

وكأَنَّ فَارَة َ تاجرٍ بقسيمَة ٍ   ...  سبقتْ عوارضها اليكَ من الفمْ

أوْ روْضَة ً أُنُفاً تضمَّنَ نبتَها   ...  غيْثٌ قليلُ الدِّمن ليسَ بمَعْلَمِ

جادت عليها كل عين ثَرَّةً   ...   فتركنَ كلَّ حديقة ٍ كالدرهم

سَحّاً وتسْكاباً فَكلَّ عشيَّة ٍ   ...  يجري عليها الماءُ لم يتصرَّم

وخلا الذبابُ بها فليس ببارحٍ  ... غَرِداً كفعل الشارب المترنمِ

هَزِجاً يحك ذراعه بذراعه  ...   قدح المكب على الزناد الأجذم

تمسي وتصبحُ فوق ظهر حشية ٍ   ...  وأبيتُ فوق سرَاة ِ أدْهم مُلْجَم

وحشيتي سرجٌ على عبل الشَّوى  ...   نَهْدٍ مَراكِلُهُ نَبيلِ المحزِمِ

إنْ تغدفي دوني القناع فانني   ...  طبٌّ بأخذ الفارس المستلئم

أثني عليَّ بما علِمْتِ فإنني   ...  سمحٌ مخالطتي إذا لم أظلم

وإذا ظُلمْتُ فإنَّ ظُلميَ باسلٌ  ...   مرٌّ مذَاقَتهُ كَطعم العَلْقم

وحليل غانية ٍ تركتُ مجدلاً  ...  تَمكو فريصتُهُ كشدْقِ الأَعْلَمِ

سبقتْ يدايَ له بعاجل طعنة ٍ  ...  ورشاشِ نافذَة ٍ كلوْن العَنْدَمِ

هلاّ سأَلتِ الخيلَ يا ابنة َ مالكٍ   ...  ومحلّم يسعون تحت لوائهم

إذ لا أزالُ على رحالة ِ سابح   ...  نهْدٍ تعاوَرُهُ الكُماة ُ مُكَلَّمِ

طَوْراً يجَرَّدُ للطعانِ وتارة ً   ...  يأوي الى حصدِ القسيِّ عرمرمِ

يُخبرْك من شَهدَ الوقيعَة َ أنني   ...  أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم

ولقد ذكرْتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ   ...  مني وبيْضُ الهِنْدِ تقْطرُ منْ دمي

فوددتُ تقبيل السيوفِ لأنها   ...  لمعت كبارق ثغركِ المتبسِّم

ومدَّججٍ كرِهَ الكُماة ُ نِزَالَهُ  ...  لا مُمْعنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسلم

جادتْ له كفي بعاجل طعنة ٍ   ...   بمثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَوَّم

بِرَحِيبَة ِ الفَرْعَينِ يهْدي جَرسُها   ...  بالليل معتسَّ الذئابِ الضرَّم

فشككتُ بالرمحِ الأصمِّ ثيابهُ   ...  والكُفْرُ مخبَثَة ٌ لنفْس المُنْعِمِ

فتركتهُ جزرَ السباع ينشنهُ   ...  يقضمنَ حسنَ بنانهِ والمعصم

وَمِشَكِّ سابغة ٍ هَتكتُ فروجَها   ...  بالسيف عن حامي الحقيقة معلم

لما رآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ   ...  أبدى نواجذهُ لغير تبسُّم

فطعنتهُ بالرُّمح ثم علوتهُ   ...  بمهندٍ صافيِ الحديد مخذَم

عهدي به مَدَّ النّهار كأَنما  ... خضبَ اللبان ورأسهُ بالعظلم

ولقد حفظتُ وصاة عمّي بالضحى   ...  إذ تقلصُ الشفتانِ عنْ وضح الفم

في حومة ِ الحربِ التى لا تشتكي   ...  غَمَرَاتِها الأَبطالُ غيْرَ تَغَمْغُمِ

إذْ يتقُون بي الأسَّنة لم أخمْ   ...  عنها ولكني تضايق مُقدَمي

لما رأيتُ القومَ أقبلَ جمعهُم   ...  يتذَامرونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مذَمّم

يدعون عنترَ والرِّماحُ كأنها  ... أشطانُ بئرٍ في لبانِ الأدهم

ما زلتُ أرميهمْ بثغرة ِ نحره   ...  ولِبانِهِ حتى تَسَرْبلَ بالدّم

فازورّ من وقع القنا بلبانهِ  ...  وشكا إليّ بعَبْرة ٍ وَتَحَمْحُمِ

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها  ...  قيلُ الفوارس ويكَ عنتر أقدم

والخيلُ تقْتَحِمُ الخَبَارَ عوابساً   ...  ما بين شيْظمة ِ وآخر شيْظم

إنّي عَدَاني أنْ أزوَركِ فاعْلمي   ...  ما قد علمتِ وبعضُ ما لم تعلمي

حالتْ رماحُ ابني بغيضٍ دونكم  ...  وَزَوَتْ جَواني الحربِ مَنْ لم يُجرِمِ

ولقد خشيتُ بأنْ اموتَ ولم تدرْ   ...  للحربِ دائرة ٌ على ابْنَي ضَمْضَمِ

الشَّاتِمِيْ عِرْضِي ولم أشْتِمْهُما   ...  والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألقهما دَمي

إن يفعلاَ فلقد تركتُ أباهما  ...  جزرَ السباع وكلِّ نسرٍ قعشم

    أما الحارث بن حلّزة اليشكري فكان من المقلّين ولولا معلقته لخمل ذكره، ومطلعها:

آذنتنا ببينها أسماءُ  ... ربّ ثاوٍ يملّ منه الثواءُ

    وهو الحارث بن حلزة اليشكري، من بكر بن وائل بن نزار. وهو شاعر جاهلي، كان أبرص فخوراً، ارتجل معلقته بين يدي الملك عمرو بن هند بالحيرة. جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم حتى صار مضرب المثل في الافتخار، فقيل: أفخر من الحارث بن حلزة.

    قال أبو عمرو الشيباني: كان من خبر هذه القصيدة والسبب الذي دعا الحارث إلى قولها: أن عمرو بن هند لما جمع بكراً وتغلب ابني وائل، وأصلح بينهم، أخذ من الحييّن، رهناً من كل حيّ مائة غلام ليكفّ بعضَهم عن بعض. فكان أولئك الرهن معه في سيره ويغزون معه. فأصابتهم ريح سَمُومٌ في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين، وسلم البكريون. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لكم لازم، فأبت بكر بن وائل. ثم اجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم وأخبروه بالقصة. فقال عمرو لقومه: بمن ترون بكراً تعصب أمرها اليوم؟ فقالوا: بمن عسى إلا برجل من أولاد ثَعْلَبة. قال عمرو: أرى والله الأمر سينجلي عن أحمر أصلع أصّم من بني يشكر. فجاءت بكر بالنعمان بن هرم: أحد بني ثعلبة، وجاءت تغلب بعمرو بن كلثوم. فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصمّ جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهو يفخرون عليك! فقال النعمان: وعلى من أظلّت السماءُ كلُّها يفخرون، ثم لا يُنكر ذلك. فقال عمرو له: أما والله لو لطمتُك لطمة ما أخذوا لك بها. فجاء جواب النعمان نابياً وبذيئاً. فغضب عمرو بن هند وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال: يا جارية أعطيه لَحْياً بلسان أنثى _أي اشتميه بلسانك_ فقال: أيها الملك أعط ذلك أحبّ أهلك إليك. فقال: يا نعمانُ أيسرُّك أني أبوك قال: لا ولكن وددت أنّك أميّ! فغضب عمرو بن هند غضباً شديداً حتى همّ بالنّعمان. ثم قام الحارث بن حلّزة من فوره غاضباً لما رآه من تطاول الملك وابن كلثوم واستصغارهما شأن بكر، فارتجل قصيدته المعلقة ارتجالاً، توكّأ على قوسه وأنشدها وانتظم كفّه وهو لا يشعر من الغضب حتى فرغ منها.

    وقيل: أنشد الحارث عمرو بن هند هذه القصيدة وكان به وضَح. فقيل لعمرو بن هند: إنّ به وضحاً. فأمر أن يجعل بينه وبينه سبعة ستور وبأن ينضح موطن قديه بالماء تقذُّراً، فلما تكلّم أعجب بمنطقه، فلم يزل عمرو يقول: أدنوه ويطرح الستور حتى أقعده معه قريباً منه وأطعمه في جفنته وأمر أن لا ينضح أثره بالماء.

وزعموا أنّ الملك أمر بجزّ نواصي السبعين بكريّاً الذين كانوا رهناً عنده، ودفعها إليه.  ومن معلقته الذائعة وتأمل أسماء الوهاد والهضاب التي لم تزل بأسمائها:

آذَنَتْنَا بِبَينِهَا أَسْماءُ   ...   رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ

بَعْدَ عَهْدٍ لَنَا بِبُرْقَةِ شَمّاءَ   ...  فَأَدْنَى دِيارِها الخَلْصاءُ

فالمحّياةُ فالصِّفاحُ فأعنـا ...  قُ فتاقٍ فعاذبٌ فالوفاءُ

فرياضُ القطـا فأودية ُ الشُّر   ...  بُبِ فالشُّعْبَتَانِ فالأَبلاءُ

لا أرى من عهِدتُ فيها فأبكي الـ   ...  يومَ دلْهـاً وما يحيرُ البكاءُ

َوبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النا   ...  رَ أخِيرا تُلْوِي بِهَا العَلْيَاءُ

فَتَنَوَّرْتُ نَارَهَا مِنْ بَعِيدٍ   ...  بخَزازَى هيهاتَ منكَ الصِّلاءُ

أوقَـدتْهـا بينَ العقيقِ فشخصيـ   ...  ــن بعودٍ كما يلوحُ الضياءُ

غَيرَ أنّي قَد أسْتَعينُ عَلَى الهَمِّ   ...  إذَا خَفَّ بالثَّويِّ النَّجَاءُ

وأتـانــا منَ الحوادثِ والأنبا   ...  ءِ خَطبٌ نُعْنَى بِهِ وَنسَاءُ

إِنَّ إخْوَانَنَا الأرَاقِمَ يَغلُو   ...  نَ علينــا في قيلهــمْ إحفاءُ

يخلطونَ البريءَ منّـا بذي الذَّنـب  ...  وَلاَ يَنْفَعُ الخَلِيَّ الخَلاءُ

أجْمَعُوا أمْرهُمْ عِشَاءً فَلَمَّا   ...  فآبتْ لِخَصْمِهَا الأجْلاَءُ

منْ منـادٍ ومنْ مجيبٍ ومِنْ تصـ   ...  ـتَصْهَالِ خَيْلٍ خِلاَلَ ذَاكَ رُغاءُ

أيُّــها الناطقُ المرقِّـشُ عنّـا   ...  عِنْدَ عَمْرو وَهَلْ لِذَاكَ بَقَاءُ

لا تَخَلْنَا عَلى غَرَاتِكَ إنَّا   ...  قبلُ ما قدْ وشى بنا الأعداءُ

فبقينــا على الشناءة ِ تَنميــ   ...  ـنا حصونٌ وعـزّة ٌ قعساءُ

قبلَ ما اليومِ بيَّضتْ بعيونِ الـنـ   ...  ـاسِ فيها تغـيُّــظٌ وإباءُ

وَكَأَنَّ المَنُونَ تَرْدي بِنَا أَرْ   ...  عـنَ جَـوناً ينجابُ عنهُ العماءُ

مكفهّراً على الحوادثِ لا تـرْ  ...  تُوهُ للدَّهْرِ مُؤْيدٌ صَمَّاءُ

إرَميُّ بِمثْلِهِ جَالَتِ الخيـ  ...  ــلُ وتأبى لخصمها الإجلاءُ

إنْ نبشتـمْ ما بينَ ملحة َ فالصّا   ... قبِ فيهِ الأمواتُ والأحياءُ

أوْ نَقَشْتمْ فالنَّقْشُ يَجْشَمُهُ النَّا   ...  سُ وفيه الإسقام والإبراءُ

أوْ سكـتّــمْ عنّــا فكنّــا كمنْ أغْـ   .. .  ـمضَ عيناً في جفنِها الأقذاءُ

أو منعـتمْ ما تسألونَ فمن حُــدِّ   ...  ثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنَا العَلاَءُ

أيّهــا الناطقُ المبلِّــغُ عنّــا   ...  عِندَ عَمْرٍو وَهَلْ لِذاكَ انْتِهَاءُ

أسـدٌ فـي الّلقـاءِ وردٌ هموسٌ   ...  وَرَبِيعٌ إنْ شَمَّرَتْ غَبْرَاءُ

مَا جَزِعْنَا تَحْتَ العَجاجَة ِ إذْ وَلَّـ   ...  ـوا شِلالاً وَإذ تَلَظَّى الصِّلاءُ

     أما النابغة الذبياني، فهو فحل مكثر، وكان يكنى: أبا أمامة، وأبا عقرب، بابنتين كانتا له.

   واختُلف في تسمية النابغة نابغة: فقيل: سمي بذلك؛ لأنه قال الشعر بعد ما كبر - يقال نبغ الرجل إذا لم يكن يقول الشعر ثم قاله. ومن روائعه الذائعة قوله في مدح عمرو بن الحارث الغساني، وقد قيل: إنها من أحسن ابتداءات العرب في شعرها، وقد صيّروا  ليلته هذه مثلاً فقالوا: أطول من ليلة النابغة، قال ذلك الفحل الغالب:

كِلِينِي لهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ ... وليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ

وَصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازِبَ هَمِّه ... تضاعَفَ فيه الحُزْنُ من كلِّ جانب

تطاولَ حتى قلتُ ليس بمنقضٍ ... وليسَ الذي يرعى النجومَ بآيبِِ

وصدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همِّهِ ... تضاعف فيه الحزنُ من كلِّ جانبِ

     وراعي النجوم هنا هو الصباح، ومعنى أراح: أي رد، والعازب: البعيد. فجعل الهمّ يأوي إلى قلبه بالليل كالنَّعَمِ العازبة، تريحها الرعاة مع الليل إلى أماكنها، وهو أول من ذكر أن الهموم تتزايد بالليل.

     لقد كان النابغة بليغاً فصيحاً قد ملك أعنة اللغة. وقد سُئل الأصمعيّ عن شعر النابغة، فقال: إنْ قلت ألينُ من الحرير صدقتَ، وإن قلتَ أشدّ من الحديد صدقت.

     وقد اشتهرت اعتذارياته للنعمان بن المنذر حليف الفرس، لما خرج منه لمنافسيه ملوك غسان حلفاء الروم، فأوغره بمدحهم فقال معتذراً:

عفا ذو حُساً مِنْ فَرْتَنى  فالفوارعُ  ...  فجنبا أريكٍ فالتلاعُ الدوافعُ

فمجتمعُ الأشراجِ غيرِ رسمها  ...  مصايفُ مرتْ بعدنا ومرابعُ

توَهّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها  ...   لِسِتّة ِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ

رَمادٌ ككُحْلَ العينِ لأياً أُبينُهُ  ...   و نؤيٌ كجذمِ الحوض أثلمُ خاشعُ

كأنّ مجرّ الرامساتِ ذيولها  ...  عليه حصيرٌ  نمّقتهُ الصوانعُ

على ظَهْرِ مِبْنَاة ٍ جَديدٍ سُيُورُها  ...  يَطوفُ بها وسْط اللّطيمة بائِع

فكَفْكفْتُ مني عَبْرَة ً فرَدَدتُها  ...  على النحرِ منها مستهلٌّ ودامعُ

على حينَ عاتبتُ المَشيبَ على الصِّبا ...  و قلتُ ألما أصحُ والشيبُ وازعُ

وقد حالَ هَمٌ دونَ ذلكَ شاغلٌ  ...  مكان الشغافِ تبغيهِ الأصابعُ

وعيدُ أبي قابوسَ في غيرِ كُنهِهِ  ...  أتاني ودوني راكسٌ فالضواجِعُ

فبتُّ كأني ساورتني ضيئلة ٌ ...  من الرُّقْشِ في أنيابِها السُّمُّ ناقِعُ

يُسَهَّدُ من لَيلِ التّمامِ سَليمُها  ...  لحليِ النساءِ في يديهِ قعاقعُ

تناذرَها الرّاقُون مِنْ سوء سُمّها  ...  تُطلّقُهُ طَوراً وطَوراً تُراجِعُ

أتاني أبيتَ اللعنَ  أنكَ لُمْتَنِي  ...وتلكَ التي تستكّ منها المسامعُ

مَقالة ُ أنْ قد قلت سوفَ أنالُهُ  ...  و ذلك من تلقاءِ مثلكَ رائعُ

لعَمْرِي وما عُمْرِي عليّ بهينٍ  ...  لقد نطقتْ بُطْلاً عليّ الأقارعُ

أقارِعُ عَوْفٍ لا أحاوِلُ غيرَها   ...   وُجُوهُ قُرُودٍ تَبتَغي منَ تجادِعُ

أتاكَ امرُؤٌ مُسْتَبْطِنٌ ليَ بِغْضَة ً ...  له من عَدُوٍّ مثل ذلك شافِعُ

أتاكَ بقَوْلٍ هلهلِ النّسجِ كاذبٍ  ...  و لم يأتِ بالحقّ الذي هو ناصعُ

أتاكَ بقَوْلٍ لم أكُنْ لأقولَهُ  ...  و لو كبلتْ في ساعديّ الجوامعُ

حلَفْتُ فلم أترُكْ لنَفسِكَ رِيبة ً ...  وهلْ يأثمَنْ ذو أُمةٍ وهوَ طائِعُ

لكلفتني ذنبَ امرئٍ وتركته  ...  كذي العُرّ يُكوَى غيرُهُ وهو راتعُ

فإن كنتُ لا ذو الضغنِ عني مكذبٌ  ...   ولا حلفي على البراءة ِ نافعُ

ولا أنا مأمُونٌ بشيءٍ أقُولُهُ   ...  و أنتَ بأمرٍ لا محالة َ واقعُ

فإنّكَ كاللّيلِ الذي هو مُدْرِكي  ...  وإنْ خِلْتُ أنّ المُنتأى عنك واسِعُ

خطاطيفُ حجنٌ في جبالٍ متينة ٍ  ...  تمدّ بها أيدٍ إليكَ نوازعُ

أتوعدُ عبداً لم يخنكَ أمانة ً  ...  و تتركُ عبداً ظالماً وهوَ ظالعُ

وأنتَ ربيعٌ يُنعِشُ النّاسَ سَيبُهُ  ...  وسيفٌ أُعِيَرتْهُ المنيّة ُ قاطِعُ

أبى اللهُ إلاّ عدلهُ ووفاءهُ  ...   فلا النكرُ معروفٌ ولا العرفُ ضائعُ

    وهي على جزالتها وفخامتها إلا أنها أزرت به، فالعرب تأنف من مثل هذا، وإن كان قد خفّفَ الأمر أنه مُوَجَّهٌ لملك، والملك مقصد لرعيته جمعاء.

     ومن اعتذارياته إليه قوله _ وتأمل رشاقة العبارات مع عمق المعاني، لذا فعدد من هذه الأبيات سار منفرداً في سراديب الزمن إلى أفواه العامة والخاصة في اعتذاراتهم لمن يحبون _:

أتاني أبيتَ اللعنَ أنكَ لمتني  ...  و تلكَ التي أهتمُّ منها وأَنصبُ

فبتُّ كأنّ العائداتِ فرَشن لي  ...  هراساً به يُعلى فِراشي ويُقْشَبُ

حَلَفْتُ فلم أترُكْ لنَفسِكَ ريبَة ً ...  وليسَ وراءَ اللَّهِ للمَرْءِ مَذهَبُ

لئنْ كنتَ قد بُلغتَ عني وشايةً  ...  لَمُبْلغُكَ الواشي أغَشُّ وأكذَبُ

ولكنني كنتُ امرأً ليَ جانبٌ  ...  منَ الأرضِ فيه مسترادٌ ومطلبُ

مُلوكٌ وإخوانٌ إذا ما أتَيتُهُمْ  ...   أُحَكَّمُ في أموالهمْ وأُقَرَّبُ

كفعلكَ في قومٍ أراكَ اصطفيتهم  ...   فلم ترَهُمْ في شكر ذلك أذْنَبُوا

فلا تتركنّي بالوعيدِ كأنني ...   إلى النّاسِ مَطليٌّ به القارُ أجْرَبُ

ألمْ ترَ أنّ اللهَ أعطاكَ سورة ً  ...   ترى كلّ مَلْكٍ دونَها يتذَبذَبُ

فإنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ  ...  إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ

و لستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمهُ  ...  على شَعَثٍ أيُّ الّرجال المُهَذَّبُ

فإنْ أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتهُ  ...  وإنْ تكُ ذا عُتَبى فمثلُكَ يُعتِبُ

    ومن معلقة النابغة وهي موجهه لأبي قابوس وهو الملك النعمان، وقد اشتملت على ضروب من الوصف، والحكمة، والاعتذار، فهي أميرة شعره:

يا دارَ مَيّة َ بالعَليْاءِ فالسَّنَدِ  ...  أقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ

وقفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها  ...  عَيّتْ جواباً وما بالرَّبعِ من أحدِ

إلاّ الأواريَّ لأياً ما أُبَيّنُهَا  ...  والنُّؤي كالحَوْضِ بالمظلومةٍ الجَلَدِ

أمستْ خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا  ...  أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ

كأنّ رَحْلي وقد زالَ النّهارُ بنا  ...  يومَ الجليلِ على مُستأنِسٍ وحِدِ

لما رأى واشقٌ إقعاصَ صاحبهِ  ...  ولا سَبيلَ إلى عَقلٍ ولا قَوَدِ

قالت له النفسُ إني لا أرى طمعاً  ...  و إنّ مولاكَ لم يسلمْ ولم يصدِ

فتلك تبلغني النعمانَ إنّ لهُ  ... فضلاً على النّاس في الأدنَى وفي البَعَدِ

و لا أرى فاعلاً في الناس يشبهه  ...  ولا أُحاشي من الأقوام من أحَدِ

إلاّ سليمانَ إذ قالَ الإلهُ لهُ  ...  قُمْ في البرية فاحددها عنِ الفندِ

وخيّسِ الجِنّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ  ...  يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفّاحِ والعَمَدِ

فمن أطاعكَ فانفعهُ بطاعتهِ  ... كما أطاعكَ وادللهُ على الرشدِ

ومن عَصاكَ فعاقِبْهُ مُعاقَبَة ً ...  تَنهَى الظَّلومِ ولا تَقعُدْ على ضَمَدِ

إلاّ لِمثْلِكَ أوْ مَنْ أنتَ سابِقُهُ  ...  سبقَ الجواد إذا استولى على الأمدِ

أعطى لفارِهَة حُلوٍ توابِعُها  ...  منَ المَواهِبِ لا تُعْطَى على نَكَدِ

الواهِبُ المئَةِ المعْكاء زيّنَها ...  سَعدانُ توضِحَ في أوبارِها اللِّبَدِ

و الأدمَ قد خيستْ فتلاً مرافقها  ...   مَشدودَة ً برِحالِ الحيِرة ِالجُدُدِ

و الراكضاتِ ذيولَ الريطِ فانقها  ...  بردُ الهواجرِ كالغزلانِ بالجردِ

والخَيلَ تَمزَغُ غرباً في أعِنّتها ...  كالطيرِ تنجو من الشؤبوبِ ذي البردِ

ما قلتُ من سيءٍ مما أتيتَ به  ...  إذاً فلا رفعتْ سوطي إليّ يدي

إلاّ مقالة َ أقوامٍ شقيتُ بها  ...  كانَتْ مقَالَتُهُمْ قَرْعاً على الكَبِدِ

غذاً فعاقبني ربي معاقبة ً  ...  قرتْ بها عينُ منْ يأتيكَ بالفندِ

أُنْبِئْتُ أنّ أبا قابوسَ أوْعَدَني ...  ولا قَرَارَ على زأرٍ منَ الأسدِ

مَهْلاً فِداءٌ لك الأقوام كُلّهُمُ  ...  وما أثمرُ من مالٍ ومنْ ولدِ

لا تقذفني بركنٍ لا كفاءَ له  ...   وإنْ تأثّفَكَ الأعداءُ بالرِّفَدِ

فما الفُراتُ إذا هَبّ غواربه  ...  تَرمي أواذيُّهُ العِبْرَينِ بالزّبَدِ

يَمُدّهُ كلُّ وادٍ مُتْرَعٍ لجِبٍ  ...   فيه ركامٌ من الينبوتِ والحضدِ

يظَلّ من خوفهِ المَلاحُ مُعتصِماً  ...  بالخيزرانة بعدَ الأينِ والنجدِ

يوماً بأجوَدَ منه سَيْبَ نافِلَة ٍ  ...  ولا يَحُولُ عَطاءُ اليومِ دونَ غَدِ

هذا الثّناءُ فإن تَسمَعْ به حَسَناً  ...   فلم أُعرّض أبَيتَ اللّعنَ بالصَّفَدِ

ها إنّ ذي عِذرَة ٌ إلاّ تكُنْ نَفَعَتْ  ...  فإنّ صاحبها مشاركُ النكدِ

    وللنابغة وعدّها بعضهم معلقته لجودتها:

عُوجُوا فحَيّوا لِنُعْمٍ دِمْنَةَ الدَّارِ ... مَاذَا تُحَيَّونَ مِنْ نُؤْيٍ وأَحْجَارِ

أَقْوَى وَأَفْقَرَ مِنْ نُعْمٍ وَغَيَّرَهُ  ...  هُوْجُ الرِّياحِ بِهَابيْ التُّربِ مَوَّارِ

وَقَفْتُ فيها سَراةَ اليَومِ أَسْأَلُها ... عَنْ آلِ نُعْمٍ أَمُوناً عَبْرَ أَسْفَارِ

فَاسْتَعْجَمَتْ دَارُ نُعْمٍ ما تُكَلِّمُنا   ...  والدَّارُ لَوْ كَلَّمَتْنَا ذاتُ أَخْبَارِ

فَمَا وَجَدْتُ بها شَيئاً أَلُوذُ بِهِ ... إلاّ الثُّمَامَ وإلاّ مَوْقِدَ النَّارِ

وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْماً لاَهِيَيْنِ بها  ...  وَالدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإِمْرارِ

أَيَّامَ تُخْبِرُني نُعْمٌ وأُخْبِرُها ... ما أَكْتُمُ النَّاسَ مِنْ حاجي وأَسْرارِي

لَوْلاَ حَبَائِلُ مِنْ نُعْم عَلِقْتُ بها ... لأقْصَرَ القَلْبُ عَنْهَا أَيَّ إقْصارِ

فإنْ أَفاقَ لَقَدْ طَالَتْ عَمَايَتُهُ ... وَالمَرءُ يُخْلِقُ طَوراً بَعْدَ أطْوَارِ

نُبِّئْتُ نُعْماً على الهِجْرَانِ عَاتِبَةً  ... سَقْياً وَرَعْيَاً لِذَاك العَاتِبِ الزَّارِي

رَأَيْتُ نُعْماً وَأَصْحابي على عَجَلٍ ... والعَيْسُ لِلْبَيْنِ قَدْ شُدَّتْ بِأَكْوَارِ

فَرِيعَ قَلْبِي وكَانَتْ نَظْرَةٌ عَرَضَتْ ... حَيْناً وتَوْفيقَ أَقْدارٍ لأقْدَارِ

بَيْضَاءُ كَالشَّمْسِ وَافَتْ يَوْمَ أَسْعَدِهَا ...  لَمْ تُؤْذِ أَهْلاً وَلَمْ تُفْحِشْ على جارِ

تَلُوثُ بَعْدَ افْتِضَالِ البُرْدِ مِئْزَرَهَا  ...  لَوْثاً على مَثَلِ دِعْصِ الرَّملَةِ الهَارِي

والطِّيبُ يَزْدَادُ طِيْباً أَنْ يَكُونَ بِهَا  ... في جِيْدِ وَاضِحَةِ الخَدَّينِ مِعْطَارِ

تَسْقِي الضَّجيعَ إذا اسْتَسْقى بذي أَشرٍ  ...  عَذْبِ المَذاقةِ بَعْدَ النَّومِ مِخْمَارِ

كَأَنَّ مَشْمُولَةً صِرْفاً بِرِيْقَتِهَا  ...  مِنْ بَعْدِ رَقْدَتِهَا أَوْ شَهْدَ مُشْتَارِ

أَقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مَالَتْ أَوَاخِرُهُ ... إلى المَغِيبِ تَثَبّتْ نَظرَةً حَارِ

أَلْمَحةٌ مِنْ سَنَا بَرْقٍ رَأَى بَصَري ...  أَمْ وَجْهُ نُعْمٍ بَدَا لي أَمْ سَنَأ نَارِ

بَلْ وَجْهُ نُعْمٍ بَدَا واللّيلُ مُعْتَكِرٌ  ...  فَلاَحَ مِنْ بَيْنِ أَثْوَابٍ وَأَسْتَارِ

إنَّ الحُمُولَ التي رَاحَتْ مُهَجِّرَةً ... يَتْبَعَنَ كلَّ سَفِيهِ الرَّأيِ مِغْيارِ

نَواعِمٌ مِثْلُ بَيْضَاتٍ بِمَحْنِيَةٍ ... يَحْفِزْنَ مِنْهُ ظَليماً في نَقاً هَارِ

إذا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ هَيَّجَني ... وإنْ تَغَرَّبْتُ عَنْهَا أُمِّ عَمَّارِ

وَمَهْمَهٍ نازِحٍ تَعْويْ الذِّئَابُ بِهِ ... نائي المِياهِ عَنِ الوُرَّادِ مِقْفارِ

جَاوَزْتُهُ بِعَلَنْدَاةٍ مُنَاقِلَةٍ ... وَعْرَ الطَّريقِ على الإِحْزانِ مِضْمَارِ

تَجْتَابُ أَرْضاً إلى أَرْضٍ بِذِي زَجَلٍ ... ماضٍ على الهَوْلِ هادٍ غيرِ مِحْيَارِ

إذا الرِّكابُ وَنَتْ عَنْهَا رَكَائِبُها ... تَشَذَّرَتْ بِبَعِيدِ الفَتْر خَطَّارِ

كَأَنَّما الرَّحْلُ مِنْهَا فَوْقَ ذِي جُدَدٍ ... ذَبِّ الرِّيادِ إلى الأشْباحِ نَظَّارِ

مُطَرَّدٌ أُفرِدَتْ عَنْهُ حَلاَئِلُهُ ... مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ أَوْ مِنْ وَحْشِ ذي قارِ

مُجَرَّسٌ وَحَدٌ جأْبٌ أَطاعَ لَهُ ... نَباتُ غَيْثٍ مِنَ الوَسْميِّ مِبْكَارِ

سَراتُهُ ما خَلاَ لَبَانَهُ لَهَقٌ ... وفي القَوَائِمِ مِثْلُ الوَشْمِ بِالقَارِ

باتتْ لَهُ لَيلَةٌ شَهْبَاءُ تَسْفَعُهُ ... بِحَاصِبٍ ذَاتِ إشْعانٍ وإمْطَارِ

وباتَ ضَيفاً لأْرطاةٍ وأَلْجَأَهُ ... مَعَ الظَّلاَمِ إلَيها وابِلٌ سَارِ

حتى إذا ما انْجَلَتْ ظَلْماءُ لَيْلَتِهِ ... وأَسْفَرَ الصّبحُ عَنْهُ أَيَّ إسْفَارِ

أَهْوَى لَهُ قَانِصٌ يَسْعَى بِأَكْلُبِهِ ... عَارِي الأشَاجِعِ مِنْ قُنَّاصِ أَنْمارِ

مُحَالِفُ الصَّيْدِ هَبَّابشٌ لَهُ لَحَمٌ ... ما إنْ عَلَيْهِ ثِيابٌ غَيْرُ أَطْمَارِ

يَسْعَى بِغُضْفٍ بَرَاها فَهْيَ طَاوِيَةٌ ... طُولُ ارْتِحَالٍ بِهَا مِنْهُ وَتَسْيَارِ

حتى إذا الثَّورُ بَعْدَ النَّفرِ أَمْكَنَهُ ...  أَشْلَى وَأَرْسَلَ غُضْفاً كُلُّها ضَارِ

فَكَرَّ مَحْمِيَّةً مِنْ أَنْ يَفِرَّ كَمَا ... كَرَّ المحامي حِفاظاً خَشْيَةَ العارِ

فَشَكّ بالرَّوْقِ مِنهُ صَدْرَ أَوَّلِها ... شَكَّ المُشَاعِبِ أَعْشاراً بأَعْشارِ

ثُمَّ أَنْثَنَآ بَعْدُ للِثَّاني فَأَقْصَدَهُ  ...   بذَاتِ ثَغْرٍ بَعِيدِ القَعْرِ نَعَّارِ

وَأَثْبَتَ الثَّالِثَ الباقي بِنَافِذَةٍ ... مِنْ بَاسِلٍ عالمٍ بالطَّعْنِ كَرّارِ

وظَلَّ في سَبْعَةٍ منها لَحِقْنَ بِهِ ... يَكُرُّ بالرَّوقِ فيها كَرَّ إسْوارِ

حتّى إذا ما قَضَى مِنْها لُبانَتَهُ ... وَعَادَ فيها بإقْبالٍ وإدْبارِ

انقَضَّ كالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ مُنصَلِتاً ... يَهْوي ويَخلِطُ تَقْريباً بإحضارِ

فَذَاكَ شِبْهُ قَلُوصيَ إذ أَضَرَّ بها ... طُولُ السُّرَى والسُّرَى مِنْ بَعْدِ أسفارِ

لَقَدْ نَهَيْتُ بَني ذُبْيَانَ عَنْ أُقُرٍ ... وَعَنْ تَرُبُّعِهِمْ في كلِّ أَصْفَارِ

فَقُلْتُ يَا قَوْمُ إنَّ اللَّيْثَ مُنْقَبِضٌ ... على بَراثِنِهِ لِوَثْبَةِ الضَّارِي

لاَ أَعْرِفَنْ رَبْرَباً حُوراً مَدَامِعُهَا ... كَأَنَّهُنَّ نِعاجٌ حَوْلَ دَوَّارِ

يَنْظُرْنَ شَزْراً إلى مَنْ جَاءَ عَنْ عُرُضٍ  ...  بِأَوْجُهٍ مُنْكِراتِ الرِّقِّ أَحْرَارِ

خَلْفَ العَضارِيْطِ لا يُوقَيْنَ فَاحِشَةً ... مُسْتَمسِكَاتٍ بِأَقْتَابٍ وَأَكْوَارِ

يُذْرِينَ دَمْعَاً على الأَشْفَارِ مُنْحَدِراً  ...  يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ حِصْنٍ وابنِ سَيَّارِ

إمَّا عُصِيتُ فإنِّي غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... مِنِّي اللِّصابُ فَجَنْبَا حَرَّةِ النَّارِ

إذْ أَضَعُ البَيْتَ في سَودَاءَ مُظْلِمَةٍ ... تُقَيّدُ العَيرَ لا يَسْري بها السَّارِي

تُدافِعُ النَّاسَ عَنَّا حينَ نَرْكَبُها ... مِنَ المَظَالِمِ تُدْعى أُمَّ صَبَّارِ

ساقَ الرُّفَيْدَاتِ مِنْ جَوْشٍ وَمِنْ خَرَدٍ ... وَمَاشَ مِنْ رَهْطِ رِبْعيٍّ وَحَجَّارِ

قَرْمَيْ قُضَاعَةَ حَلاَّ حَوْلَ حجْرَتِهِ ... مَدَّا عَلَيْهِ بِسُلاَّفٍ وأَنْفَارِ

حتّى استَقَلّ بِجَمْعٍ لا كِفَاءَ لَهُ ... يَنْفِيْ الوُحُوشَ عَنِ الصَّحْراءِ جرَّارِ

لا يَخْفِضُ الرِّزَّ عَنْ أَرْضٍ أَلمَّ بِهَا ... ولا يَضِلُّ على مِصْبَاحِهِ السَّارِي

وَعَيَّرَتْني بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ ... وَهَلْ عَليَّ بأَنْ أَخْشاكَ مِنْ عَارِ

    ومن المؤكد أن الغساسنة في الشام لم يَحْظَوا بمدح الشعراء كالمناذرة في العراق، ولعل من أسباب ذلك امتداد الحيرة من نجد، وقربها من مضارب أعراب نجد، كذلك سطوة فارس التي يتفيء المناذرة بظلالهم، أضف إلى ذلك تدخّلهم المباشر في أرحاء العرب الكبيرة مما يليهم، كإرسال النواب عليهم كالملوك، وكإصلاح ذات بينهم، مما أوقد المنافرات بين العرب في بلاط ملوك الحيرة، وبخاصة النعمان بن المنذر، ولعل من أكبر الأسباب سخاؤهم، فقد تشنّفت الأعراب لعصافير النعمان _وهي الإبل التي يجود بها على من رضي عنه _.

    ومن رجال المعلقات العشر عبيد بن الأبرص الأسدي. وكان شاعر بن أسد غير مدافع، وهو شاعر قديم الذكر، طائر الشهرة، بالغ الشهامة، وافي الكرم مع ضيق ذات يده.

    ويزعمون أنه أقبل ذات يوم بغُنيمةٍ له ومعه أخته ماوية، ليوردا غنمهما. فمنعه رجل من بني مالك بن ثعلبة وجَبَهَهُ. فانطلق حزيناً مهموماً للذي صنع به المالكي حتى أتى شجرات، فاستظل تحتها، فنام هو وأخته. فزعموا أن المالكي نظر إليه وإلى أخته إلى جنبه، فقال:

ذاك عبيدٌ قد أصاب ميَّا ...  يا ليته ألقحها صبيَّا

فحملت فوضعت ضاويَّا

      فسمعه عبيد فرفع يديه ثم ابتهل، فقال: اللهم إن كان فلان ظلمني ورماني بالبهتان فَأَدِلْنِي منه_أي أمكنّي منه وانصرني عليه، ودعوة المظلوم مجابة_ ووضع رأسه ونام. ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر. فذكر أنه أتاه آتٍ في المنام بكبة من شعر حتى ألقاها في فيه. ثم قال: قم. فقام وهو شاعر، فهجا المالكي حتى اشتفى، ثم استمر بعد ذلك يقول الشعر، فكان شاعر بني أسد.

     أما معلقتة ومجمهرته فقد غمسها في بحر الحِكَم والتديِّن، وحشاها من ثمرات التأملات، ويكأنّها قصيدة راهب، ولعل هذا من أسباب اختيارهم لها ومنها:

أَقْفَر منْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ ... فالقُطَّبِيّاتُ فالذَّنُوبُ

فَرَاكِسٌ فَثُعَيْلِباتٌ ... فَذاتُ فِرْقَينْ فالقَليبُ

فعَرْدَةٌ فَقَفَا حِبِرٍ ... لَيْسَ بِهَا مِنْهُمُ عَرِيبُ

وبُدّلَتْ مِنْ أَهْلِها وُحوشاً ... وغَيّرَتْ حَالَها الخُطُوبُ

أرضٌ تَوَارَثُها شَعُوبُ ... وكلّ مَن حَلّها مَحرُوبُ

إمّا قَتيلٌ وإمّا هَالِكٌ ... والشّيبُ شَينٌ لمن يَشيبُ

عَيْنَاكَ دَمْعُهُما سَرُوبُ ... كأنّ شَانَيْهِما شَعيبُ

واهِيَةٌ أو مَعينٌ مُمعِنٌ ... مِن هَضَبَةٍ دونَها لُهُوبُ

أو فَلَجٌ مَّا ببَطنِ وادٍ ... للماءِ مِنْ تَحتِهِ قَسيبُ

أو جَدْوَلٌ في ظِلالِ نَخلٍ ... للماءِ مِن تَحتِهِ سُكوبُ

تَصبُو وأنّى لكَ التّصابي ... أنّى وقَد راعَك المَشيبُ

إنْ يَكُ حُوّلَ منها أهلُها ... فَلا بَدِيٌّ ولا عَجِيبُ

أو يَكُ قد أقفَرَ منها جَوّها ... وعادَها المَحلُ والجُدُوبُ

فكلّ ذي نِعْمَةٍ مَخْلُوسٌ ... وكلّ ذي أملٍ مَكذُوبُ

وكلّ ذي إبِلٍ مَوْرُوثٌ ... وكلّ ذي سَلَبٍ مَسْلُوبُ

وكلّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ... وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ

أَعَاقِرٌ مِثْلُ ذاتِ رِحْمٍ ... أو غانمٌ مِثْلُ مَنْ يَخيِبُ

مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ ... وسَائِلُ اللَّهِ لا يَخيبُ

باللَّهِ يُدْرَكُ كلُّ خَيْرٍ ... والقَوْلُ في بَعْضِهِ تَلغيبُ

واللَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ... عَلاّمُ ما أخفَتِ القُلُوبُ

أَفْلَحَ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بال ... ضَّعفِ وقد يُخدَعُ الأرِيبُ

لا يَعظُ النّاسُ من لا يعظُ ال ... دَّهْرُ ولا يَنْفَعُ التَّلِبيْبُ

إلاّ سَجِيّاتِ ما القُلُوبِ ... وكَمْ يَصِيرَنّ شانئاً حَبِيبُ

ساعِدْ بِأَرْضٍ إذا كنتَ بها ... ولا تَقُلْ إنّني غَريبُ

قد يُوصَلُ النّازِحُ النّائي وقد ... يُقْطَعُ ذو السُّهْمَةِ القَريبُ

والمَرْءُ ما عاشَ في تكذيبٍ ... طُولُ الحَياةِ لَهُ تَعْذِيبُ

بَلْ رُبّ ماءٍ وَرَدْتُ آجِنٍ ... سَبِيلُهُ خَائِفٌ جَدِيبُ

رِيشُ الحَمَامِ على أَرجائِهِ ... للقَلبِ مِن خَوفِهِ وَجيبُ

قَطَعْتُهُ غُدْوَةً مُشيحاً ... وصاحبي بادِنٌ خَبُوبُ

عَيرانَةٌ مُؤجَدٌ فَقَارُها ... كَأَنّ حَارِكَها كَثيبٌ

أَخْلَفَ ما بَازِلاً سَدِيسُها ... لا حِقَّةٌ هيْ ولا نَيُوبُ

كَأَنَّها مِنْ حَمِيرِ عاناتٍ ... جَوْنٌ بِصَفْحَتِهِ نُدُوبُ

أو شَبَبٌ يَرْتَعي الرُّخامَى ... تَلُفّهُ شَمْأَلٌ هَبُوبُ

فذاكَ عَصْرٌ وقد أراني ... تَحْمِلُني نَهْدَةٌ سُرْحُوبُ

مُضَبَّرٌ خَلْقُها تَضبيراً ... يَنْشَقُّ عَنْ وَجْهِها السّبيبُ

زَيْتِيّةٌ نائِمٌ عُرُوقُها ... وَلَيّنٌ أَسْرُها رَطِيبُ

كَأَنّها لِقُوَةٌ طَلُوبُ ... تَخِرّ في وَكْرِها القُلُوبُ

باتَتْ على إِرَمٍ عَذُوباً ... كَأَنّها شَيْخَةٌ رَقُوبُ

فأَصْبَحَتْ في غَدَاةِ قِرّةٍ ... يَسْقُطُ عن رِيشِها الضّرِيبُ

فأبصَرَتْ ثَعْلَباً سَريعاً ... ودونَهُ سَبْسَبٌ جَدِيبُ

فَنَفَضَتْ رِيشَهَا وَوَلّتْ ... فَذَاكَ مِنْ نَهْضَةٍ قَريبُ

فاشتالَ وارْتَاعَ من حَسيسٍ ... وَفِعْلَهُ يَفْعَلُ المَذْؤُوبُ

فَنَهَضَتْ نَحْوَهُ حَثِيثَةً ... وَحَرَدَتْ حَرْدَهُ تَسيبُ

فَدَبّ مِنْ رَأْيِها دَبيباً ... والعَيْنُ حِمْلاَقُها مَقْلُوبُ

فأَدْرَكَتْهُ فَطَرّحَتْهُ ... والصّيدُ من تحتِها مَكْرُوبُ

فَجَدّلَتْهُ فَطَرّحَتْهُ ... فَكَدّحَتْ وَجْهَه الحَبوبُ

فَعَاوَدَتْهُ فَرَفّعَتْهُ ... فَأَرْسَلتْهُ وَهُوَ مَكْرُوبُ

يَضغُو ومِخْلَبُها في دَفّهِ ... لا بُدّ حَيْزُومُه مَنْقُوبُ

    وقد عُمِّرَ عبيد طويلاً حتى قتله المنذر بن ماء السماء اللخمي. وقيل: قتله النعمان بن المنذر_ وذلك أنه قد وفد على المنذر في أحدِ أيام بؤسه التي كان يقتل فيها أول من يراه من غير جنده وحاشيته. فقال المنذر: من هذا الشقي؟ فقيل له: عبيد بن الأبرص الشاعر. فقال بعض من حضر المنذر: أبيتَ اللعن، أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك من قتله، فاسمع منه. فإن سمعت حسناً استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدرك على قتله. فقال: هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد. فقال: أتتك بحائنٍ رجلاه. _والحَيْنُ هو الموت_ فأرسلها مثلاً. فقال: ما ترى يا عبيد؟ قال: المنايا على الحوايا _والتَّحْوِيةُ هي أَن تُدير كساءً حولَ سَنام البعير ثم تَرْكَبَه_ فأرسلها مثلاً. فقال: أنشدني فقد كان يعجبني شعرك فقال: حال الجريض دون القريض _والجريض هو غصص الموت، والقريض هو الشعر_ فأرسلها مثلاً. فقال: أنشدني: أقفر من أهله ملحوب. فقال:

أَقَفْرَ من أهله عبيدُ  ...  فليس يبدي ولا يعيدُ

عَنت له خطة نكودُ  ... وحان منها له ورودُ

    فقال المنذر: ما أشد جزعك من الموت! فقال: لا يَرْحَل رحلَك من ليس معك _أي لا يعينك في حمل رحلك على البعير من ليس معك_ فأرسلها مثلاً. فقال له: لا بد من الموت. ولو أن أبي عرض لي يوم بؤسي لذبحته! فاختر: إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد. _والأكْحَلُ هو عِرْق في وسَط الذّراع يَكْثُر فَصْدُه، والأبْجَل: عِرق عريض في الرِّجل، والوَرِيد: عِرق في صفحة العُنُق_ فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات عاد، واردها شر وراد، وحاديها شر حاد، ومعادها شر معاد، ولا خير فيه لمرتاد. وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر، حتى إذا ماتت مفاصلي، وذهلت ذواهلي فافصدني في أكحلي. فأمر المنذر بحاجته من الخمر. حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه، دعا به ليقتله فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

ألا أبلغ بنيَّ وأعمامَهم ...   بأن المنايا هي الواردة

لها مُدّةٌ فنفوس العباد  ... إليها وإن كرهت قاصدة

فلا تجزعوا لِحِمَامٍ دنا ... فللموت ما تلد الوالدة

     فأمر به ففصد، فلما مات طلى بدمه الغَرِيَّيْن. والغرىّ واحد الغريّين، وهما بناءان كالصومعتين كانا بظهر الكوفة بناهما المنذر، إذ كان ينادمه رجلان من بني أسد، أحدهما عمرو مسعود، والآخر خالد بن المضلل، فأغضباه يوماً وقت ثملهم وسُكْرِهم، فأمر أن يُحفر لكل واحد منهما حفرة بظهر الحيرة، ويدفنا فيها حيّين، ففعلوا ذلك بهما، فلما أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فتندم، ثم ركب حتى نظر إليهما، فأمر ببناء الغريين عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة، يجلس فيهما عند الغريين، سمى أحدهما يوم النعيم، والأخر يوم البؤس، فأول ما يطلع عليه يوم نعيمه، يعطيه مئة من الإبل، وأول ما يطلع عليه يوم بؤسه يقتله، ويطلى بدمه الغريين. وارتجز خطام المجاشعي:

أَهَلْ عَرَفْتَ الدارَ بالغَرِيَّيْنْ ... لم يَبْقَ منْ آيٍ بها يُحَلَّيْنْ

غير خِطامٍ ورَمادٍ كِنْفَيْنْ  ... وصالِياتٍ كَكما يُؤَثْفَيْنْ

    وقد قطّع النحاة واللغويون أوصال العجز الأخير بحثاً واستشهاداً. ولم يزل المنذر كذلك، حتى مر به رجل من طيئ، يقال له: حنظلة بن أبي عفر، فقال له: أبيتَ اللعن، إني والله أتيتك زائراً، ولأهلي من خيرك مائراً، فلا تكن ميرتهم قتلي.

فقال: لابد من ذلك، فسلني حاجة قبله، أقضها لك. فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي، وأحكم من أمرهم ما أريد، ثم أصير إليك، فتنفذ في حكمك. فقال: ومن يكفل بك حتى تعود؟! فنظر في وجوه جلسائه، فعرف شريك بن عمرو، أبا الحوفزان بن شريك الشيباني، فقال:

يا شريكٌ بنَ عمرو ما من الموتِ محالهْ  ...  يا شريكٌ بنَ عمروٍ يا أخا منْ لا أخا لهْ

فوثب شريك، فقال: أبيتَ اللعن _وهي تحية العرب لملوكها، ومعناها أبيتَ أن تفعل فعلا تُلْعَنُ بسببه وتُذَمُّ _ يدي بيده، ودمي بدمه، إن لم يعد إلى أجله، فأطلقه المنذر.

    فلما كان للعام القابل، جلس في مجلسه، ينتظر حنظلة أن يأتيه، فأبطأ، فأمر بشريك، فقرب ليقتله، فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم، فتأملوه، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفِّناً، متحنطاً، ونادبته تندبه، وقد قامت نادبة شريك أيضاً.

فقال له: ما الذي حملك على أن عرضت بنفسك لسفك دمك؟! فقال له: أبيت اللعن، لئلا يقال: مات الكرام، وذهب الكرم. ثم أقبل على حنظلة، فقال له: ما الذي حملك على الرجوع، وقد علمت أنك، إنما ترجع إلى الموت؟! فقال: لئلا يقال ذهب الوفاء وأهله. فأطلقهما وأحسن إليهما، وأبطل سُنَّتَهُ الذميمة اللئيمة.

    ثم كانت نهاية المنذر أن قتله الحارث بن أبي شمر الأعرج الغساني، ولما خرج ابنه المنذر بطلب دمه قتله أيضاً، أما النعمان بن المنذر _وهو صاحب قصر الخورنق_ فقد قتله أبرويز الفارسي، فانقطع الملك في لخم، وبسبب قتله وقعت حرب ذي قار بين الفرس والعرب.

    ولم يفعل المنذر _أو ابنه النعمان_ بنديميه ما فعل سلفه جَذيمَة الأَبْرش _قتيل الزبَّاء_ بنديميه مالكاً وعَقِيلاً، فقد نادمهما حتى فرّق بينهما الموت. ومن أمثال العرب السائرة في الرجلين المتآخيين قولهم: هما كندماني جذيمة.

    ولما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر تمثلت أخته الصديقة أم المؤمنين بقول مُتَمِّمِ بن نويرة اليربوعي يرثي أخاه مالكاً:

وكنا كَندمانَيْ جَذيمةَ حِقْبةً ... من الدهر حتّى قِيل لن يتصدّعا

فلما تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً ... لِطُول اجتماعِ لم نَبِتْ ليلةً معا

    وتمثل عمر بن الخطاب بهذا في نفسه وأخيه زيد بن الخطاب، وهو يقول: ما هبّت الصَّبا إلا تنسمت ريح زيد.

    ولمّا أنشدها متممٌّ عمرَ قال: هذا والله التأبين، ولوددت أني أحسن الشعر فأرثي أخي زيداً بمثل ما رثيت به أخاك. فقال متمم: لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته، _وكان زيد قد قُتل باليمامة شهيداً_ فكان عمر يقول: ما عزاني أحد عن أخي بمثل ما عزاني به متمّم.

     وقيل لمتمم: ما بلغ من وجدك على أخيك؟ فقال: أُصبت بإحدى عيني فما قطرت منها دمعة عشرين سنة، فلما قتل أخي استهلت فما ترقأ.

    وقال له عمر: هل كان مالك يحبك مثل محبتك إياه؟ فقال: وأين أنا من مالك، وهل أبلغ مالكاً؟ والله يا أمير المؤمنين لقد أسرني حي من العرب فشدوني وثاقاً بالقيد وألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل على راحلته حتى انتهى إلى القوم وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليّ أعرض عني ونظر القوم إليه فعدل إليهم، وعرفتُ ما أراد، فسلّم عليهم وحادثهم وضاحكهم وأنشدهم، فوالله إن زال كذلك حتى ملأهم سروراً وحضر غداؤهم فسألوه ليتغدى معهم فأكل ثم نظر إلي وقال: إنه لقبيح بنا أن نأكل ورجلٌ ملقى بين أيدينا لا يأكل معنا، وأمسك يده عن الطعام، فلما رأى ذلك القوم نهضوا فأطلقوني، ثم جاؤوا فأجلسوني معهم على الغداء فلما أكلنا قال لهم: أما ترون تحرُّمَ هذا بنا وأكلُهُ معنا، إنه لقبيح بكم أن تردوه إلى القيد، فخلّوا سبيلي.

    أما جذيمة بن الأبرش فقد كان ملك الحيرة، وكان ابن أخته عمرو بن عدي قد فُقِدَ دهراً _وزعموا أن الجن خطفته_ ثم إنَّ رجلين يقال لأحدهما مالك والآخر عقيل وَجَدَاه إذ مرّ بهما وهما لا يعرفانه فقدّما له طعاماً فأكله واستزاد، فقالت جارية لهما يقال لها أم عمرو: أُعطِيَ العبدُ كراعاً فطلب ذراعاً _فغدت مثلاً_ ثم جلس معهما على شراب فجعلت تسقيهما وتدعه فقال عمرو:

تصدّ الكأس عنا أمُّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا

وما شرُّ الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا

     ثم عرفاه ففرحا به، ثم قدما به على جذيمة، فعظم موقعهما منه، وقال: سلاني ما شئتما، فسألاه أنَّ يكونا نديمية ما عاش وما عاشا، فأجابهما إلى ذلك. ويزعمون أنه لم ينادمه أحد قبلهما، وكان يزعم أنه ليس في الأرض من يصلح لمنادمته ذهاباً وتيهاً بنفسه، فكان ينادم الفرقدين يشرب قدحاً ويصب لكل كوكب منهما قدحاً حتى نادمه مالك وعقيل _والفرقدان هما نجمتان مشعتان تدوران حول الجدي ولا تغربان، قال حضرمي بن عامر:

وكُلُّ أَخٍ مُفارقُه أَخُوه ... لَعْمر أَبِيك إلاّ الفَرْقَدانِ

    وكان من حديث جذيمة الأبرش والزَّبَّاء، _وهي مليئة بالأمثال السائرة_ أن الزباء أو زَنُّوبِيَا واسمها هند كانت ملكة تدمر السورية والجزيرة وقنسرين على شطّي الفرات بعد عمّها الذي قتله جذيمة. وقيل: إنها قادت مع زوجها أذينةُ عصياناً على الإمبراطورية الرومانية تمكنا خلاله من السيطرة على معظم سوريا. ثم بعد وفاة زوجها قادت الإمبراطورية التدمرية إلى غزو مصر لفترة وجيزة قبل أن يتمكن الإمبراطور أوريليان من هزمها وأسرها إلى روما حيث توفيت لأسباب غامضة. ولكن للعرب قصة أخرى، أو امرأة أخرى..

    قالوا: وكان جذيمة الأبرش ملكا على الحيرة وما حولها، وكان ينزل الأنبار، وكان من أحسن الناس وجهاً وأجملهم مُحيّا، فذكر الغِرُّ أن يخطبها، وكان له ربيبٌ ومولى يقال له قصير بن سعد، وكان رجلاً لبيباً عاقلاً فنهاه عنها وقال: إنه لا حاجة لها في الرجال. فعصى قصيراً وكتب إليها يخطبها ويرغبها فيما عنده، فكتبت إليه: أن نعم وكرامة، أنا فاعلة، ومثلك يُرغب فيه، فإذا شئت فاشخص إليّ، فدعا قصيراً وسار حتى إذا كان بمكان فوق الأنبار يقال له البَقَّة، دعا نصحاءه فشاوروهم فيها، فنهاه قصير، ورأى أصحابه هواه فزينوها له، فقال قصير حين رآه قد عزم: لا يطاع لقصير أمر _فأرسلها مثلاً_ ومضى إليها في ناس كثير من أصحابه، فأرسل إليها يُعلمها أنه قد أتاها، فهيأت له الخيول وقالت: استقبلوه حين يدنو، وصُفُّوا صفَّين فإذا دخل بين صفيكم فتقوَّضوا عليه، فليَسِرْ من مرَّ عليه خلفه حتى ينتهي إلى باب المدينة.

    وقال له قصير حين عصاه: إن استقبلتك الخيلُ فصَفُّوا لك صفين فتقوّض من تمر به من خلفك؛ فإن معك العصا فرسك، وإنها لا يُشق غبارُها _فأرسلها مثلاً_ فتجَلَّلِ العصا ثم انج عليها، فلما لقيته الخيول وتقوضوا من خلفه عرف الشر، وقيل إن قصيراً قال: أيها الملك إني رأيتُ جنودها لم يترجلوا لك، كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب العصا وانج بنفسك. فتأخّرَ وتردد حتى حالوا بينه وبين العصا. ثم إنه قال لقصير: كيف الرأي؟ فقال: ببقّة تركت الرأي _وذهب قوله مثلاً_ فلما حالت الخيل بينه وبين العصا ركبها قصير وهرب فجعلت تهوي به كأنها الريح، ونظر جذيمة إليه مدبراً على ظهرها فقال: ويل أمه حزماً على ظهر العصا _فذهبت مثلاً_ فجرت به إلى غروب الشمس، فنفقت لما أوصلته، فقالت العرب: خير ما جاءت به العصا.

    وكانت الزبّاء قد أمرت بأصحاب جذيمة أن يُنْزَلُوا فأُنزِلُوا، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم ثم قتلتهم، وأذنت لجذيمة، فدخل عليها، وهي في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها فقالت: خذن بعضدي سيدكن، ففعلن، ثم كشفت له عورتها فإذا هي مضفورةُ شعرِ الفرج، فقالت: يا جذيم، أذات عرسٍ ترى؟ قال: بلغ المدى، وجفَّ الثرى، وأمر غدرٍ أرى. فقالت: لا، وإلهي، ما من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنّها شيمة من أناس. فأجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب قد أعدّته له، وسقته من الخمر حتى إذا أخذت منه مأخذها أمرت براهِشَيهِ فقُطعا، فجعلت تشخب دماؤه في الطست، وكانوا يتشاءمون بقطر دم الملك إذا أصاب الأرض أن يقوم ثأره،وكانت الملوك لا تُقتل بضرب الأعناق، إلا في القتال تكرمةً للملك. فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست، فنهرت من عندها، فقال جذيمة: لا يحزنك دم هراقه أهله _فأرسلها مثلاً_ يعني نفسه.

    وكان جذيمة قد استخلف على ملكه ابن أخته عمرو بن عدي، فكان يخرج كل غداةٍ يرجو أن يلقى خبراً من جذيمة، فلم يشعر ذات يوم إلا وهو بالعصا عليها قصير، فلما جاءه قال له قصير: أدائرٌ أنت أم ثائر؟ فقال: لا بل ثائر سائر _فذهبت مثلاً_ وأخبره الخبر، فقال: اطلب بثأرك، وتهيأ واستعد، ولا تبطلن دم خالك. قال: كيف أطلب من الزباء وهي أمنع من عقاب الجو _فأرسلها مثلاً_ .

      وكانت الزباء قد سألت كاهنةً لها عن أمرها وملكها. فقالت: أرى هلاكك على يدي غلامٍ مهين غير أمين، وهو عمرو بن عدي، ولن تموتي إلا بيده. ولكن حتفك بيدك، ومن قِبَلِهِ يكونُ ذلك فحذرت الزباء عمراً، واتخذت نفقاً من محبسها الذي كانت فيه تجلس إلى حصن لها داخل مدينتها. وقالت: إن فجئني أمرٌ دخلت النفق إلى حصني. ودعت رجلاً مصوراً، من أجود أهل بلادها تصويراً، فجهزته وأحسنت إليه وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكراً، فتخلو بحشمه، وتنضم إليهم، وأثبت معرفة عمرو بن عدي، فصوّره قائماً وقاعداً وراكباً ومتسلحاً، بهيئته ولبسه وثيابه ولونه، فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي، فانطلق المصور حتى قدم على عمرو بن عدي، فصنع لها الذي أمرته، ثم رجع إليها بعلم ذلك.

    وقال قصير لعمرو لما رأى خَوَرَهُ: اجدع أنفي، واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال له عمرو: ما أنا بفاعل، وما أنت بالمستحق لذلك، فقال قصير: أما إذا أبيت فإني سأحتال لها، فأعنِّي وخلاك ذم _فأرسلها مثلاً_ فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم خرج حتى أتى الزباء، فقيل لها: هذا قصير خازن جذيمة قد أتاك، فأذنت له فقالت لما رأته: لأمرٍ ما جدع قصير أنفه _فصارت مثلاً. ثم قالت: ما جاء بك؟ فقال: زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله، وزينت له المصير إليك، ومالأتُكِ عليه، ففعل بي ما ترين، فأقبلتُ إليكِ، وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك. فأكرمَتْهُ وألطفته، وأصابت عنده ما أرادت من الحزم والرأي والمعرفة بأمور الملوك.

    فلما عرف أنها قد استرسلت، ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالاً كثيرة، وبها طرائف من ثياب وعطر، فابعثيني إلى العراق، لأحمل لك من بزوزها وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة، والطيب والتجارات فتصيبين، في ذلك أموالاً عظاماً، وبعض ما لا غناء بالملوك عنه، فإنه لا طرائف كطرائف العراق. فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرّحته، ودفعت إليه أموالاً، وجهزت معه عيراً، وقالت: انطلق إلى العراق، فبع ما جهزناك به وابتعْ لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها.

     فسار قصير بما دفعت إليه، حتى قدم العراق، وأتى الحيرة، متنكراً. فدخل على عمرو بن عدي، فأخبره الخبر، وقال: جهزني بأصناف الأمتعة والطرائف، لعل الله تعالى يمكن من الزباء، فتصيب ثأرك، وتقتل عدوك، فأعطاه عمرو حاجته، وجهّزه بما أراد، فرجع بذلك كله إلى الزباء، فعرضه عليها، فأعجبها ما رأت، وسرّها ما أتاها، وازدادت به ثقة، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته أول مرة، فسار حتى قدم العراق، فلقي عمراً، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء، ولم يترك جهداً. ثم عاد الثالثة إلى العراق، فأخبر عمراً الخبر، وقال له: اجمع لي ثقات جندك، وهيئ لهم الغرائر والمسوح، واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين، واجعل معاقد رؤوس الغرائر من باطنها. فكان أول من جعل الغرائر.

     فلما أحكم قصير ما أراد قال لعمرو: إنا إذا دخلنا مدينة الزباء أقمتك على رأس نفقها، وخرج الرجال من الغرائر، فصاحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قتلوه، وإن أقبلت الزباء، تريد النفق، جلّلتها أنت بالسيف. ففعل عمرو ذلك فانتخب ألفي فارس من أصحابه، فخرج وخرجوا معه في الجواليق كل رجل بسيف، وكان يسير النهار فإذا أمسى الليل، فتح الجواليق ليخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، فلما كانوا قريباً منها تقدم قصير فبشرها، وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات الإبل وما عليها من الأحمال. فخرجت الزباء، فأبصرت الإبل تكاد تسوخ قوائمها من ثقل أحمالها فقالت:

ما للجمال مشيها وئيداً ... أجندلاً يحملن أم حديداً

أم صرفناً بارداً شديداً

    فقال قصير في نفسه:

بل الرجال قُبَّضاً قعوداً

    والصرفان ضرب من التمر، ويقال إنه الرصاص. فدخلت الإبل المدينة، حتى كان آخرها بعيراً مرّ على بواب المدينة فنخش الغرارة التي تليه، فأصاب خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط فقال: الشر في الجوالق _فغدت مثلاً_ فلما توسطت الإبل المدينة وأُنيخت خرج الرجال من الغرائر، ووضعوا السلاح في أهل المدينة، ودل قصير عمراً على النفق فقام عمرو على بابه، وشدوا على الزباء، فخرجت هاربةً تريد السرب لتدخله، فأبصرت عمراً قائماً، فعرفته بالصورة التي صورها لها المصور، فاستقبلها قصير وعمرو عند باب السرب،  فمصَّت خاتمها وقالت: بيدي لا بيدك، يا عمرو _فأرسلتها مثلاً_ وتلقاها عمرو فجللها بالسيف فقتلها، وأصاب ما أصاب من أهل المدينة، وانكفأ راجعاً إلى العراق. وغنم عمرو وأصحابه من مدينتها أموالاً جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان الملك بعد خاله جذيمة. وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي، وصار ملك الحيرة في عمرو بن عدي اللخمي وذريته بعد قتل جذيمة.

       وقد قالت العرب في أمرهم هذا الكثير، ومن ذلك قول عدي بن زيد العبادي يخاطب النعمان:

ألا يا أيها المثري المرجّى ... ألم تسمع بخطب الأوّلينا

    وقال نهشل بن حري الدرامي:

ومولى عصاني واستبدَّ بأمرِهِ ... كما لم يُطَعْ بالبَقَّتَينِ قصيرُ

فلما رأى ما غِبَّ أمري وأمرِهِ ... وولّت بأعجاز المطيّ صدورُ

تمنى بئيساً أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمورُ

  وقد كان انقراض دولة الحيرة بالسيوف المسلمة بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه. ومن سلالة المناذرة بنو عباد بالأندلس.

    أما الغساسنة وهم ملوك بني جفنة فكانوا اثنين وثلاثين ملكاً، وقد دام ملكهم ستمئة سنة وسنة، حتى الفتح الإسلامي للشام، وكانوا لا يستقرون في مدينة يتوارثون فيها الملك مثل بني نصر بالحيرة. بل نزلوا في أول أمرهم بجلّقٍ وهي دمشق، ودفن جفنة أول ملوكهم بالبريص، وهي قرية عند وادي الشقراء بظاهر دمشق. ولذلك يقول حسان فيهم في لاميّته العذبة، وقد كان يبكي لاحقاً إذا أُنشدت بين يديه اهتزازاً لذكراهم إذ كانوا يكرمونه للغاية، وفي جبلة بن الأيهم وفيهم يقول حسان:

أسألتَ رسمَ الدَّارِ أم لم تسألِ ... بينَ الجوابي فالبضيعِ فحوملِ

فالمرجِ مرجِ الصُّفَّرينِ فجاسمٍ ... فديارِ تبنى درَّساً لم تحللِ

دارٌ لقومٍ قد أراهم مرَّةً ... فوقَ الأعزَّةِ عزُّهم لم ينقلِ

للهِ درُّ عصابةٍ نادمتهمْ ... يوماً بجلَّقَ في الزَّمانِ الأولِ

أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهمِ ... قبر ابن ماريةَ الكريمِ المفضلِ

يسقونَ من وَرَدَ البريصَ عليهم ... بَرَدَى يصفِّقُ بالرّحيقِ السَّلسلِ

يُغْشونَ حتَّى ما تهرُّ كلابهمْ ... لا يسألونَ عن السَّوادِ المقبلِ

بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهمْ ... شمُّ الأنوفِ من الطِّراز الأولِ

فلبثتُ أيَّاماً طوالا فيهمُ ... ثم ادَّكرتُ كأنني لم أفعلِ

إمَّا تريْ رأسي تغيَّر لونهُ ... شمطاً وأصبحَ كالثَّغامِ الممحلِ

نسبي أصيلٌ في الكرام ومذوَدي ... تكوي مواسمهُ جنوبَ المصطلي

وفتىً يحبُّ المجدَ يجعلُ مالهُ ... من دونِ والده وإن لم يسألِ

    وابنُ مارِيَة هو الحارِثَ بن أبى شمر الغَسّانِىّ، وأمُّهُ هي مارِيَة بنت ظالمِ المَعْروفَة بذاتِ القُرْطَيْنِ اللذين يضرب بهما المثل فيقال: خذه ولو بقرطي مارية. وأراد بقوله: عند قبر أبيهم أنهم في مساكن آبائهم ورباعهم التي ورثوها عنهم، لا يحيلهم عنها أحد لعزّهم وغناهم. أما بَرَدَى فهو نهر دمشق، ولم أذق في الدنيا ماءً كعذوبته.

    ثم قال صاحبي: والآن عاد بي سياق الحديث إلى عبيد بن الأبرص، فإنه لما اجتمعت بنو أسد بعد قتلهم حجر بن عمرو والد امرئ القيس إلى امرئ القيس عرضوا عليه أن يعطوه ألف بعير دية أبيه _ففدية الملك عند العرب ألف بعير_ أو يُقِيدوه من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولاً. قال لهم امرؤ القيس بكل صلف: أما الدية فما ظننت أنكم تعرضونها على مثلي، وأما القَوَد فلو قيد إلي ألف من بني أسد ما رضيتهم، ولا رأيتهم كفؤاً لحجر، وأما النُّظْرة فلكم، ثم ستعرفونني في فرسان قحطان _لأنه قحطاني وهم عدنانيون_ أُحَكِّمُ فيكم ظبا السيوف وشبا الأسنة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثأري!

     وقد كان قد قال لما جاءه خبر قتل أبيه وهو على شُربه ولهوه: لقد ضيعني أبي صغيراً، وحمّلني دمه كبيراً، لا صَحْوَ اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر.

فلما سمع عبيدٌ كلام امرئ القيس الآنف في قومه وتيهه وتهديده أنشد:

يا ذَا المُخَوِّفُنا بِقَتْ ... لِ أَبِيهِ إِذْلالاً وحَيْنا

إِنَّا إِذا عَضَّ الثِّقا ... فُ برَأْسِ صَعَدَتِنا لَوَيْنا

نَحْمِي حَقِيقَتَنا وبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنا

هَلاَّ سَأَلْتَ جُمُوعَ كِنْ ... دَةَ يومَ وَلَّوْا أَيْنَ أَينا

أَيَّامَ نَضْرِبُ هامَهُمُ ... بِبَواتِرٍ حتَّى انْحَنَيْنا

نحنُ الأُلَى فاجْمَعْ جُمُو ... عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُم إِلينا

وجموعُ غسَّانَ الملو ... كُ أتينهمْ وقد انطوينا

واعلمْ بأنَّ جيادنا ... آلينَ لا يقضينَ دينا

ولقدْ أبحنَا ما حميْتَ ... ولا مُبيحَ لما حميْنا

لا يبلغَ الباني ولو ... رفعَ الدَّعائمَ ما بنيْنا

كمْ رئيسٍ قد قتلْ ... ناهُ وضيمٍ قد أبيْنا

ولربَّ سيِّدِ معشرٍ ... ضخمِ الدَّسيعةِ قد رميْنا

عقبانهُ بظلالِ عق ... بانٍ تُيَمَّمُ منْ نويْنا

حتَّى تركنا شلوهُ ... جزرَ السِّباعِ وقد مضيْنا

إنَّا لعمركَ ما يضا ... مُ حليفُنا أبداً لديْنا

وأوانسٍ مثلِ الدُّمى ... حورِ العيونِ قد استبيْنا

    أما معلقته فهي التي مطلعها:

أَقفَرَ مِن أَهلِهِ مَلحوبُ ...  فالقطبيات فالذنوبُ

    وفي ظني أن معلقتي عبيد بن الأبرص والحارث بن حلزة لا ترقيان لمستوى شاعرية البقية، ولعل أسباباً أخرى ساعدت في تسنّمهما هذه المرتبة. ولعل معلقة عبيد قد راعوا فيها الحكمة وتقدّمه الزمني لمعاصرته الملك الضليل، ومعلقة الحارث لحكمتها.

*****

 

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق