هل
جبل الطور «حوريب» حجازي، أم سيناوي؟
الحمد لله،
وبعد، فإنّ من توابع تصحيح المفاهيم لدى أهل الكتاب، ودعوتهم إلى الهدى والحق: الإشارة
إلى موطن جبل طور سيناء المذكور مرارًا في القرآن العظيم في سياق ذكر قصة موسى الكليم
عليه السلام فلعل من المستحسن إن نذكر ما تيسّر من إجابة السؤال: هل جبل الطور في الحجاز،
أم في سيناء؟
.
ذاك وادي
الأراكِ فاحبِسْ قليلًا
مُقَصّـِرًا في ملامتي أو مُطيلا
إذا ذَكَرَ أهلُ الشامِ والعراقِ الحجازَ؛ هاجت شجونهم،
وفاضت عيونهم، وحَمِيَتْ دفائنُ صدورهم، وسفرت ذخائر ستورهم.
يا حبَّذا ريحَ الجنوب إذا غَدَتْ
بالفجر
وهي ضعيفةُ الأنفاسِ
قد حُمِّلَتْ برْدَ
الثّرى وتحمّلَتْ
عَبَقًا
من الجَثْجَاثِ والبَسْبَاسِ
كيف لا وقد دَرَجَ عليها خيرُ البريّة، المختارُ من العالم،
صلوات الله وسلامه عليه وبركاته وآله؟!
فهذا السؤال: أين يقع الجبل الذي كلم الله على سفحه موسى
الكليم عليه السلام، هل هو في الصحراء المصرية المسمّاة حاليًّا سيناء، وعليه درجت
أدبيات العرب المعاصرين واليهود والأقباط؟ أم هو في الصحراء الحجازية المسمّاة في
الصحف الكتابية فاران؟
وقبل الإجابة نمهّد بمدخلٍ له صلة بهذا الموضوع ـــ وغيره
من مواضيع، بل وفهم المنظومة الكتابيّة بعامّة ـــ حتى تتضح المسألة من
أطرافها، والمرجع الأصيل بلا تردد هو للوحي المحفوظ القرآن الكريم الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والحديث النبوي المحمدي الذي
لا ينطق عن الهوى، إن هو وحي يوحى.
ثم لا مانع بعدهما بذكر ما في صحف أهل الكتاب المحرّفة
بلا حرج، ما دامت شاهدة أو غير مخالفة لما جاءنا من الوحي الهادي من الزلل،
المعصوم من الخطأ.
ولقد قال ربنا تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ
لِلْآكِلِينَ (20)} [المؤمنون: 20] وهي الزيتون، ومعلوم أن موطن هذه
الشجرة هو المناخ البارد المعتدل كما هو الحال في الشام، ومنه جبل اللوز حاليا
بتبوك، أما جنوب صحراء سيناء المصرية فهي حارّة جافّة، وليست بموطنٍ لهذه الشجرة
المباركة.
مدخل: «البشارة بإيلياء»:
من الأسماء
التي رمز بها الكتاب المقدس إلى محمد صلى الله عليه وسلم (إيلياء) وهذه الكلمة وفق
حساب الجُمَّل العبري والعربي تساوي (53) (أ= 1، ي= 10، ل= 30) وهو ما تساويه كلمة
أحمد (أ= 1، ح= 2، م= 40، د= 4) ولعل هذا الترميز هو من وضع نسّاخ التوراة حتى
يضعوا على أعين الناس غشاوة دون رؤية الاسم الصريح الذي بشرت به الآية في سفر
ملاخي عليه السلام فرمزوا له بهذا الحساب، أو أنه من الموافقة العددية فقط.
علمًا أنّ الإسلام لم يحتفِ بحساب الجُمَّل، فليس له أثر
في الشرع إلا إن أريد به كشف الغيب فيمنع، فحكمه عائد للغرض من تعلّمه، فإن استخدم
حساب الجمل في التاريخ وما أشبه ذلك فهو مباح لا حرج فيه، فهو علم رياضيٌّ كسائر
العلوم، ولا زال العلماء يستعملونه في منظوماتهم من غير نكير، وأما استخدامه في
المحرمات كمحاولة معرفة الغيب أو في السحر، فهو محرم، لأن الوسيلة للحرام حرام،
والوسائل لها أحكام المقاصد.
وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوم يكتبون أبا جاد،
وينظرون في النجوم، أي: يُقطّعون حروف (أبجد هوز.. إلخ) ويتعلّمونها لادّعاء علم الغيب،
كما يعتقدون أن للنجوم تأثير في الحوادث الكونية من دون الله تعالى، فقال: «ما أرى
مَنْ فَعَلَ ذلك له عِنْدَ الله من خلاق»([1]). أي: ليس له عند الله حظٌّ ولا نصيب، وذلك محمول على من تعلّمه أو نظر في
النجوم للزعم بكشف الغيب، فهو كفر بربوبية الله تعالى، فلا يعلم الغيب إلا الله
سبحانه كما قال تعالى:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)} [النمل:
65]. علمًا أنّهم من حيث الحقيقة والواقع
لا يتحصّلون على شيء من العلم الغيبي، إنّما هو من التلاعب بعقول البسطاء والسّذج،
كما انّه من تلاعب الجنّ بهم.
فحساب الجُمَّل: هو حساب عددي عن طريق الحروف الأبجدية
(أبجد هَوَّز حُطِّي كَلِمن صعفص قرشت ثخذ ضظغ). فالحروف العشرة الأولى آحاد،
والعشرة التالية عشرات، والتي تليها مئات، وآخر حرف هو الغين ويساوي (1000).
وفائدة ذلك: تثبيت التاريخ، وسهولة حفظه، أما اليهود فبنوا عليه أمورًا غيبية،
واستخدموه في سحرهم القبالة (بالعبرية קַבָּלָה) وغيره من الخرافات الباطنية والغنوصية الشيطانية.
كذلك فقد رمز بعض علماء بني إسرائيل في التوراة إلى اسم نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم بكلمتين هما (ماد ماد) (لجوى جدول) وقد حل الدكتور البارع
أحمد حجازي السّقّا شفرة هذا الحساب الجُمّلي، وأثبت بالبرهان الرياضي أن كل كلمة
منهما لا تـخرج عن لفظ (محمد) وقال بعد إثباته ذلك: «وما يزال هذا الحساب
مستـخدمًا لدى اليهود العبرانيين والسامريين إلى الآن، وقد حكى مؤلف كتاب (ثورة
الإسلام وبطل الأنبياء)([2]): «أنه في (21 أغسطس 1933م) نشر العالم المحقق أحمد زكي باشا، المشهور
بتدقيقه وسعة اطلاعه في جريدة البلاغ (4 يوليو 1934م) أنه استطاع أن يصل إلى نسخة
قديمة من التوراة، وذكر فيها اسم محمد رسول الله، وروي أن شلبي السامري عنده نسخة
منقولة عن أقدم نسخة من التوراة تحتفظ بها طائفة السامريين المتوطنة في مدينة
نابلس... وهي مجلد يحتوي (615) صفحة من القطع الصغير»([3]).
لقد كان قدماء أحبار اليهود يحتفون بحساب الجُمَّل كثيرًا،
كما رُوِي من خبر الحبر الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحروف المقطعة
في أوائل السور، ثم جمعها بحساب الجمّل متكهّنًا بمدّة دولة الإسلام!([4]) فأخزاه الله وكذّب كهانته ومَدَّ في عمر أمة الإسلام، وستدوم قطعاً
بطائفتها المنصورة لسانًا وسِنانًا حتى قبيل قيام الساعة، حين لا يبقى في الأرض من
يقول: الله الله، فهم شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة، عياذًا بالله تعالى من حال
أهل النار.
والحاصل؛ أن هذه البشارة الملاخية تكلم عنها ذلك السفر
القصير، وعن عصيان بني إسرائيل، وعن إيليا أو إيلياء القادم ــ وهو غير النبي
إلياس عليه السلام الذي كان قد توفي قبل هذا الكلام
بسبعة قرون (فبحسب العهد القديم فإيليا «إلياس» كان في القرن التاسع قبل الميلاد)
فيذكر ملاخي عليه السلام (مع عدم الجزم بنبوته، لأنه لم يُذكر في الإسلام) عن الله عز وجل أنه يقول: «ها
أنا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي. ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه،
وملاك العهد الذي تُسرُّون به (فأسعد الناس بالحق هم أتباعه حتى من اليهود
الذين أسلموا كابن سلام رضي الله عنه) هو ذا يأتي قال رب الجنود، من يحتمل يوم
مجيئه، ومن يثبت عند ظهوره؛ لأنه مثل نار المحمص، ومثل أشنان القصّار» (ملاخي
3: 1ــ 3).
وآخر نص على الإطلاق في العهد القديم هو قول ملاخي عليه السلام فيما يذكر عن الله تعالى: «اذكروا شريعة موسى عبدي
الذي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل الفرائض والأحكام، هاأنذا أرسل إليكم
إيليا النبي قبل مجييء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على
الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن» (ملاخي 4: 4ــ 6) فما أحسنها من خاتمة، وأجملها من وصية،
وأنصحها من رسالة لأهل العهد القديم، فمَنْ حفظ وصايا موسى عليه السلام ومنها اتّباع نبي الإسلام فهو السعيد حقًا، قال تعالى: {يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ
مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ
جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)} [المائدة: 19].
إذن فقد سمّى
النبي ملاخي عليه السلام النبي القادم إيليا بعد أن ذكّرهم
بوصية موسى عليه السلام على جبل حوريب، والتي ذَكَرَ
فيها موسى عليه السلام النبي القادم مثله من بين إخوة
بني إسرائيل: «أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه»
(تثنية 18: 18، 19)([5])
قال المفسر صاحب (تحفة الجليل): «إن إيلياء الرسول
المذكور في آخر سفر ملاخي هو ملغوز، وهذا هو حبر العالم الذي يأتي في آخر الزمان»([6])([7]).
وإيليا بذاته هو الذي سأل عنه رسلُ اليهود من الكهنة
واللاويين يوحنا المعمدان ــ وهو يحيى عليه السلام ــ «من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأَقرّ: إنّي لست أنا المسيح فسألوه إذا
ماذا، إيليّا أنت؟ فقال لست أنا، النبيُّ أنت؟ فأجاب لا» (يوحنا: 19ــ 21) فلمّا
خيّب أملهم بأنه ليس إيليا الملك النبي المنتظر ــ قالوا لعله النبي المُبشّر به؛
فخيّبهم مرّة أخرى لأنّ الأول هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والثاني
المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.
والذي يظهر للمتأمل: أنّ الكتاب المقدس لديهم قد مرّ
تحريفه بأطوار عدّة، ولكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وانتشار حجج الإسلام
زاد التحريف كثيرًا حتى في الأزمان المتأخرة، وكلما تقدّم الزمان زاد التحريف، فهو
لم يتوقف يومًا ما، ولكن أطوار التحريف تشتدُّ وتفتر بحسب خوفهم مِن فَلَجِهِم
أمام الأمّة المهدية المرحومة، ولعلها بعد زمان الطباعة قد خفتت كثيرًا حتى كادت
أن تتوقف لانتشار النسخ بين يدي طُلّابها من مؤسسات وأفراد، وصعوبة التزوير
والتحريف والزيادة والنقص في النصوص والأخبار. ولكني على يقين أنّهم إن وقفوا على
شيء من تلك البشارات يومًا فلن يتردّدوا في تحريفها على الفور، فهي سُنتّهم وحالهم
على مرّ الأزمان، والله الموعد.
وإنّ الناظر في النسخ التي نقل عنها الإمامين ابن تيمية
وابن القيم رحمهما الله تعالى في القرن الثامن الهجري، بل وما قبلهما من نسخة
الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في القرن الخامس؛ يجد بينها وبين النسخ الجديدة
المطبوعة فروقًا كثيرة في الألفاظ والمعاني قد طالها طمس وحذف وتغيير، مما يدل على
استمرار التزييف والتحريف على مر العصور.
هذا؛ وإنّ النبي إيليا عليه السلام له مقام عظيم عند اليهود، فهم يعتقدون أنه قد رُفع إلى
السماء وسينزل في آخر الزمان ليمهّد لمسيحهم المنتظر، كما يطلقون اسم إيليا على
مسيحهم المنتظر نفسه، ويقصدون بإيليا الأول: إلياس عليه السلام، أما الثاني فهو الملك المنتظر، ومن طقوسهم في عيد الفصح
أن يضعوا له على المائدة كأس نبيذ، ولا يشربونه تكرمة له!
ومن الاستطراد المليح نقول: إنّ تسمية بيت المقدس بإيلياء
هي تسمية رومانيّة، فهم أول من سماها بذلك، كما ذكرت ذلك الباحثة بيان نويهض في
كتابها (فلسطين)([8])، وذكرت أن (القدس) قد مرّت بتسميات أولها (يبوس) على اسم أول من بناها وهم
اليبوسيون، ثم (أورشليم) ومعناها مدينة السلام، وقد عرفت هذه التسمية من قبل
العبرانيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ــ وقيل بل سماها العرب قبلهم بهاــ
وتسمى كذلك (أورسالم) ثم تحول الاسم إلى (قديش) ثم (إيليا كابيتولينا) وهو اسم
مركب فجزؤه الأول (إيليا) على اسم الإمبراطور الروماني إيليوس، ويقال إنهم سموها
تيمّنًا بالبشارة بإيليا، والثاني (كابيتولينا) على اسم معبد جوبيتير الكبير، ثم
سميت التسمية الأخيرة (القدس) أو (بيت المقدس) قلت: وفي ظني أنه اسم إسلامي.
والقداسة هي الطهارة.
والآن نجيب عن السؤال الكبير: هل الجبل الشريف الذي ارتبط بموسى الكليم عليه السلام وكلامه لرب العالمين طور سيناء موجود في الحجاز، أم في
الصحراء المصرية المعروفة في هذا الزمان بصحراء سيناء؟
وقبل الجواب أقول: إنّ الخطب في ذلك الخلاف يسير، وثمرة
الخلاف لا يترتب عليها حكم شرعي بحمد الله تعالى، وجبل الطور ليست له أحكام مختصّة
به في الإسلام، وليس ببقعة تُشدّ إليها الرحال مع أنه بقعة مباركة بنص القرآن
العظيم.
ولهذا لما رحل أبو هريرة إلى جبل الطور أنكر عليه أبو بصرة
الغفاري رضي الله عنهما، وقال: «لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته»([9]). والذي جرّنا للحديث في هذا الشأن هو البشارات الكتابية بنبينا أحمد صلى
الله عليه وسلم.
وعليه فنقول: لقد تكرر ذكر حوريب في العهد القديم،
والمراد بحوريب هي سيناء، وفيها جبل الطور، ويسمى جبل حوريب، وجبل الرب، والجبل
الشوكي، وجبل طور سينين، وجبل الطور.
وهو الجبل الذي أُعطي موسى التوراة عليه، فيسمّى جبل
الطور، وجبل حوريب. والعرب لا تطلق الطور إلا على الجبل المخضر بالأشجار كما ذكره
ابن كثير رحمه الله تعالى.
أما عن مكان جبل الطور فاختلف الناس فيه على قولين:
الأول: أنه في جنوب صحراء سيناء حاليًّا،
وسمّوا هناك جبلًا باسم جبل موسى عليه السلام، وبنوا عنده دير سانت كاترين، وهو المعتمد عند الكثيرين.
أما الفريق الثاني: وهو أسعد بالبراهين، وأقرب لواقع الحال، وظواهر الأدلة؛ فيرى أنه واقع في
شمال غرب جزيرة العرب، وأنه ربما يكون هو الجبل المعروف حاليًّا باسم جبل اللوز،
وهو في الأراضي السعودية المقابلة لميناء نويبع المصري، أي: في الضفة الشرقية
لخليج العقبة، ولهم في ذلك حجج وشواهد ومرجّحات منها:
1ــ أن مسمّى شبه جزيرة سيناء حديث،
وكثير من المؤرخين ذكروا أن اسم سيناء سمي بعدما اعتقد اليهود في الزمان القريب أن
جبل الطور هو الجبل الواقع جنوبها، وعلى هذا فيسقط الاستدلال بالمسمى الحديث إذا
كان الغرض إسقاطه على مصطلحات وأماكن وردت في آيات مقدسة.
2ــ أن بلاد مدين ــ حسب التعبير
القرآني ــ ومديان ــ حسب التوراتي ــ تقع في جزيرة العرب في الجزء الشمالي على
الساحل الشرقي للبحر الأحمر ــ ولا تزال الآثار والمغارات موجودة هناك بنقوشها
ورسومها ــ وبما أنّ موسى عليه السلام انطلق بأهله منها إلى مصر بعد انقضاء السنوات العشر، وفَجَأَهُ الوحيُ وهو
في طريقه في الوادي المقدس طوى عند الشجرة المباركة؛ فلعلّ جبل الطور يقع عند تلك
البقعة المقدسة، وهي بالطبع ليست في جنوب سيناء؛ لأنها ليست على طريقه إلى مصر،
فلماذا يتكلّف الذهاب إلى هناك وهي جَوْرٌ عن طريقه بمئات الكيلومترات؟!
وبما يُستأنس به أيضًا: أنّ الله تعالى ذكر جبل الطور عند
ذكره للشجرة المباركة، بل إنها من جانبه، {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29]. فقد تكون اللام للعهد، أي: أنه طور سيناء المبارك الشريف، وبهذا فالشجرة على
جبل الطور، وعلى ذلك فتكون الشجرة المباركة على شاطئ الوادي المقدس الذي يشق جانب
الطور، أو على الأقل يكون الطور إحدى ضفتيه والشجرة على ذلك الجبل الشريف، {وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46] {مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ
الْمُبَارَكَةِ} [القصص: 30]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
«جانب الطور الأيمن هو الذي كلمه الله تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه
التوراة هناك»([10]).
3ــ أن سيناء تعني البركة، وطور سينين يعني جبل
البركة، والله تعالى وصف الشام بالبَرَكَة {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، وشمال غرب جزيرة العرب معدود من
الشام فثمّ أرض مباركة، ووادي طوى وُصِفَ بالقدسية، {بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ
طُوًى (12)} [طه: 12]، والشام وصفت بالأرض المقدسة {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21]، وعليه فالأقرب أن الوادي المقدس يقع في شمال الحجاز لأنه امتداد للشام
المباركة، فهو طرفها الجنوبي.
4ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخبر أصحابه بما رآه ليلة أسري به من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في
بيت المقدس، ومن جملة ما رآه قبر نبي الله تعالى موسى عليه السلام. فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث الإسراء الذي
رواه عنه أنس رضي الله تعالى عنه: «مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام
قائمًا يصلي في قبره»([11]). ومعلوم أن الطريق من مكة لبيت
المقدس لا يمرّ بسيناء المصرية. إذن فقبر موسى عليه السلام يقع في المنطقة بين مكة والقدس لأنه نصَّ على المرور،
فالتيه إذًا كان في شمال الحجاز، وأخبار موسى عليه السلام والطور ومدين حجازيّة أيضًا. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «فلو كنتُ ثَمَّ([12])
لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر»([13]).
فلو كان بنو إسرائيل قد تاهوا داخل صحراء سيناء المصرية
ومعهم نبي الله موسى عليه السلام ــ الذي مات في فترة التيه ــ
فكيف سيمرّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الإسراء لا يمنع منه تمامًا
لأنه صلى الله عليه وسلم قد ركب دابة سماويّة، فللرحلة استثناءاتها التي يلزم منها
عدم القياس على ما سواها من رحلات الإبل ونحوها.
أيضًا فثم نقوش عبرانية ولوحات صخرية وتضاريس في شمال
الحجاز قريبة من جبل اللوز توافق بعض ما جاء في القرآن العظيم، وكذا العهد القديم
بتفصيل أكثر من أوصاف لبعض أحوالهم في التّيه مما يسمونه بالفالق والمذبح الحجري
الذي نحتوه لعبادة عجل السامري الذهبي، وغيرها.
ويعضد ذلك ما جاء في بعض روايات التوراة (والتوراة هي
الأسفار الخمسة الأُوَل من العهد القديم) وفيها أن موسى كان في برّية فاران
(الحجاز) وكان يرسل من هناك الجواسيس إلى الأرض المقدسة.
ومعلوم أن موسى عليه السلام كان يحج البيت الحرام، كما في صحيح مسلم([14]) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم بين مكّة والمدينة، فمررنا بواد؛ فقال: «أيّ واد هذا؟». فقلنا: وادي
الأزرق، فقال: «كأنّي أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله
تعالى بالتّلبية، مارّا بهذا الوادي». وحَجُّ موسى عليه السلام إنما كان بعد الخروج من مصر، لأنه لم يبعث إلا وهو في
طريقه لها، ولما خرج بقومه من مصر ابتلاهم الله تعالى بالتيه حتى مات هو وهارون
عليهما السلام. فدلّ هذا على أنه قد حجَّ في فترة التِّيه. وعلى هذا؛ فالبلد
الحرام قريب منه، وليس بعيد في صحراء سيناء.
وهذا القول ـــ أي أن طور سيناء في شمال الحجاز، وأن التّيه
كان فيه ـــ يفسّر لنا كثرة القبائل اليهودية في شمال الحجاز من وادي القرى، إلى
خيبر وفدك وتيماء، إلى المدينة، بل حتى اليمن([15])، لأنّ أرض التيه هي أرض مقدسة لهم بنص توراتهم، وتحوي قبري نبيَّيهم موسى
وهـارون عليهما الســلام وكثيرًا من أجدادهم.
كذلك تفسر لنا اضمحلال لغتهم العبرانية في شمال الحجاز
وإبدالها بالعربية، لأنهم بقية الأسباط التي آثرت البقاء أولًا، أو عادت إلى أرض
التّيه بعد تدمير أورشليم الأول والثاني، كما يفسر لنا وجود مقبرة كانت خاصة بهم
في مكة، وهي التي أمر الحجاج بن يوسف بإلقاء جثة ابن الزبير فيها بعد قتله وصلبه
رضي الله عنه.
فلعل بني إسرائيل كانوا يحجّون الكعبة مع موسى عليه السلام وبعده كذلك، كما يفسر لنا زهد الدولة اليهودية الحالية
في سيناء، وتسليمها لمصر، ولو كانوا متحققين من صحة مكان الطور في جنوبها لم
يسلموها، أو على الأقل لاستثنوا ذلك الجزء.
5ــ في رحلة الهروب من فرعون وقومه
واجه بني إسرائيل حاجزٌ بحريٌّ{فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: 77]، وليس قبل خليج العقبة مانع طبيعي بحري يحول بين مرور موسى
عليه السلام وقومه! لذلك فشلت جميع الأبحاث التي بحثت في خليج السويس على مر عقد
من الزمان عن أي صلة بتلك الحادثة العظيمة وغرق جيش بكامله في البحر، وفي العهد
القديم في سفر الخروج، أي: من مصر: «مركبات فرعون وجيشه ألقاها في البحر، فتغرق
أفضل جنوده المركبية في بحر سوف تغطيهم اللجج» (خروج 15: 4، 5)، ولم تكن قناة
السويس قد شقت حينها فلم يبق إلا خليج العقبة، ويعكّر على ذلك بُعْدُ خليجِ العقبة
عن مصر، إلا إذا كان سيرهم أيامًا.
6ــ يوجد على الضفة الشرقية لخليج
العقبة جبل متميز عما حوله من الجبال، وهو أعلاها في الارتفاع، ويتميز بلون قمّته
السوداء المخالفة لكل ما حولها من الجبال، وتسمّي العامة هذا الجبل بجبل اللوز،
ويعتقد الكثير ــ حتى من اليهود ــ أنه جبل طور سيناء، ويرى بعضهم أن تسمية الجبل
أو الجبال بجبال اللوز تعود في الأصل إلى كلمة (قانون) باللغة الإنجليزية (Law) وجمعها (Laws) أي: القوانين أو اللوائح، وهي
الوصايا العشر، أو الألواح التي نزلت على موسى عليه السلام.
7ــ يوجد في تلك المنطقة مكان يرى الكثيرُ من الآثاريين
أنه المكان الذي وضع فيه معبودهم العجل الذهبي، قال الله تعالى:{وَاتَّخَذَ قَوْمُ
مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ
يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ
وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)} [الأعراف: 148].
ولا زالت النقوش واضحة على تلك الحجارة، وفيها صور مرسومة
بشكل يشابه النقوش الموجودة في مصر لأبقار الجواميس ـــ علمًا أن الجواميس غير
موجودة، ولا معهودة في جزيرة العرب حتى في عصرنا ـــ.
وقد قامت الحكومة السعودية مشكورة بوضع سياج حول تلك
الآثار سدًّا لذريعة الشرك، ومنها صخرة على هضبة جبلية وفيها فالق عظيم ــ أي أنها
منشطرة من الأعلى لنصفين ومتّحدة من الأسفل ــ وهي بجانب ذلك الجبل، وقد قال تعالى
في شأن الحجر المتفجّرِ عيونًا لهم:{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ
عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ
اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)} [البقرة: 60].
والآية ليست حاسمة في وصف الفالق المذكور إنما أطلقت وصف
الحجر وتفجّره باثنتي عشرة عينًا، ولكن قد يصلح ذلك الفالق للاستئناس بترجيح موضع
التيه لبني إسرائيل([16]).
وعلى كل حال فسواء كانت هي أم غيرها؛ فهي صخرة كغيرها من
الصخور، ليس لها ميزة عن غيرها، ولعل الأولى الصفح عن ذكرها سواء أكانت هي
المعنيّة أم لا؛ حتى لا تميل النفوس الضعيفة الجاهلة لتعظيم مالم يأذن به الله
تعالى فتزل وتهلك وتعطب، فما أسرع هلاك الناس على مذابح تعظيم الآثار!
وأعظم منها الحجر الأسود في زاوية الكعبة المشرفة، ومع
ذلك فإنه يستلم عبادة لله وطاعة له واتّباعًا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعن
عمر رضي الله عنه: «أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، وقال: إني لأعلم أنك حجر لا
تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك»([17]).
وقد جاء بعض وصف تلك الصخرة في حديث الفتون الطويل عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: «وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مربّعًا، وأمر موسى فضربه
بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كلَّ سبطٍ
عينَهُم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مَنقَلةٍ إلا وجدوا ذلك الحجر معهم
بالمكان الذي كان فيه بالأمس»([18]). ولا زالت آثار جريان الماء في نواحي الصخرة، ولا يمنع أن تكون من المطر
كأمثالها من الصخور الرملية، وفي سفر الخروج: «ها أنا أقف هناك على الصخرة في
حوريب، فتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب» (خروج 17: 6).
وتذكر الأسفار أن موسى عليه السلام رعى غنم حميِّهِ في جبل سيناء، فيستحيل أن يقطع بغنمه
البحر، ويمشي بغنمه مسافة (250) كيلًا! «وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميّه
كاهن مديان، فساق الغنم إلى وراء البرية، وجاء إلى جبل الله حوريب» (خروج 3:
1)
وانظر ما جاء في سورة القصص في ذكر قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ
عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ
بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي
آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ
الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)} [القصص: 27-30].
كما أن موضع عبادة العجل إنّما هو في حوريب أيضًا على ما
جاء في المزامير، وهم قد عبدوه بعد اجتياز البحر: «صنعوا عجلًا في حوريب،
وسجدوا لتمثال مسبوك» (مزمور 106: 19)، وقبل أن يذهب إلى مصر «حينما تُـخرج
الشعب من مصر، تعبدون الله على هذا الجبل» (3: 12)، وفي سفر أعمال الرسل([19]): «فهرب موسى بسبب هذه الكلمة وصار غريبًا في أرض مديان حيث ولد ابنين،
ولما كملت أربعون سنة ظهر له ملاك الرب في بريّة جبل سيناء في لهيب نار
عُلَّيْقةٍ... فهلم الآن أرسلك إلى مصر» (أعمال 17: 30ــ 34).
ولعل ذلك السواد في قمة جبل اللوز له علاقة بما جاء في
سفر التثنية: «وفي اليوم الذي وقفت فيه أمام الرب إلهك في حوريب... فتقدمتم
ووقفتم في أسفل الجبل، والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب،
فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون...» (تثنية 4: 10ــ 12).
وفي القرآن العظيم شهادة إجمالية لهذا، قال تعالى: {وَاخْتَارَ
مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ
الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ
لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)} [الأعراف: 155]، وقال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ
تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ
مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
(153)} [النساء: 153].
وهناك فقرة في سفر التثنية تؤكد أن الطور واقع في شمال
الحجاز: «هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل في عَبْرِ الأردنِّ، في
البَرِّيَّة في العَرَبَةِ، قُبالةَ سُوفَ، بين فارَان وتُوفَل ولابان وحَضَيْرُوت
وذِي ذَهَبٍ» (تثنية 1: 1). فهي إذن على امتداد غور الأردن، وهي بين فاران ــ
جبال مكة المكرمة ــ ومناطق أخرى، ولا يستقيم هذين في صحراء شبه جزيرة سيناء
حاليًا بحال!
ولاحظ كلمة العَرَبَة ولعلها محرفة عن العربية، أي: أرض
العرب، وهي الحجاز هنا.
أما حضيروت: فلعلها حضرموت شمال شرق اليمن.
أما لابان: فلعله جبل أَبَان، أو أبانات، وهو واقع شرق
المدينة النبوية في إقليم القصيم، وهو باقٍ على مسمّاه هذا منذ العهد الجاهلي حتى
اليوم، كما في أشعارهم.
أما ذي ذهب: فلعله معدن بني سليم منذ العهد الجاهلي، وهو
المسمّى حاليًّا: مهد الذهب، وفيه منجم للذهب منذ العصور القديمة وهو باق حتى هذا
الزمان.
وفي هذا النص التوراتي ذكر الحجاز بحدوده الواسعة، أو ما قرب
منه، مع ذكر قلبه المُقدّس فاران الحجازي ومسجد الله الحرام وبيته الكعبة المشرفة.
وفي نفس النص جرى ذكر تحديد المسافة بين جبل الرب (الطور)
وبين القدس (قادش): «أحد عشر يومًا من حوريب على طريق جبل سعير إلى قادش» (تثنية
1: 2)، وجبل سعير في القدس، وهذه المدة هي ما يحتاجها من قدم من شمال الحجاز للقدس
بالسير المعتاد، أما من أتى من جنوب صحراء سيناء فيلزمه شهر لمسيره ذلك!
هذا؛ ولقد قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس: «جبل سيناء هو
أعلى جبل في منطقة مديان».
قلت: وهو المعروف حاليًّا بجبل اللوز، ويبلغ ارتفاعه
(2549) مترًا فوق سطح البحر.
وقد نُعِتَ في سفر الخروج بالجبل الشوكي، وهو لقب وليس
اسم، كما أن في المنطقة آثار المذبح الذي بُني بحجارة غير منحوتة، كما هي صفته في
سفر الخروج([20]): «لا تصنعوا لي آلهة، لا تصنعوا لكم
آلهة من فضة أو آلهة من ذهب لتعبدوها مع عبادتكم لي. اصنع لي مذبحًا من تراب، واذبح
عليه محرقاتك وذبائح سلامتك، غنمك ومعزك وبقرك. وفي كل مكان أكرمْ فيه اسمي آتي
إليك وأباركك. إذا بنيت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه بحجارة منحوتة، لأنك إذا ضربت
عليه بإزميل تنجّسه» (خروج 20: 23 - 25).
كذلك توجد الأعمدة الحجرية: «وبنى مذبحًا في أسفل
الجبل واثني عشر عمودًا لأسباط بني إسرائيل الاثني عشر» (خروج 24: 4) كمـا أن
في ذات الجبل مغارة، كما ذكر عن إيليا أنه بات فيها (ملوك (1) 19: 8، 9) كما توجد
آثار نقوش رسم المنارة (الكأس اليهودي المشهور).
وعلى كل حال؛ فالمقصود ليس التبرك بتلك البقعة، فلو كانت
مشروعة لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا
شرًّا إلا نهانا عنه، ولم يمت حتى أكمل الله لنا به الدين، فالحمد لله على ذلك.
وإنّما المقصود: بيان أن الكثير من المسلّمات الكتابية لدى اليهود والنصارى تحتاج إلى تمحيص
وتدقيق ومراجعة، حتى لو كانت من بدهيات الأمور، ولما كثر الركام على ديانتيهم أذن
الله تعالى بإشراق شمس الإسلام لتجيب أسئلتهم الحيرى، وتشرح صدورهم الحرجة، وتضيء
لهم طريق العلم والنور والهدى والسلام بالإسلام.
وبالجملة؛ فالمسلمون هم أَولَى الناس بموسى عليه السلام كما قال أخوه محمد صلى الله عليه وسلم لما رأى اليهود
يصومون عاشوراء شكرًا لإنجاء موسى عليه السلام وقومه: «نحن أولى بموسى منكم»([21])، وقال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا
والآخرة... ليس بيننا نبيّ»([22]).
فمن أراد أن يلحق بركب الأنبياء والمرسلين والصالحين
فليبدأ من هنا، حيث الذكر الحكيم والكتاب العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42].
وصل اللهم وسلم وبارك على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وإخوته المرسلين وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.
إبراهيم الدميجي
0505119645
وللمزيد انظر للمؤلف
([4]) والمُدّعي المُتكهّن هو حيي بن أخطب، وانظر
الخبر بطوله في التيسير في التفسير، لأبي حفص النسفي ١/٢٠١ وتفسير النيسابوري
١/١٣٢ وفي سنده مقال.
([5]) وقد تم تفصيل الكلام عن هذه البشارة الموسوية
في كتاب سبع بشارات توراتية بنبي الهدى الخاتم ﷺ. ضمن هذه السلسلة.
([7]) وهناك بشارة في العهد الجديد في إنجيل متى
بإيليا، وقد تم تفصيلها في كتاب: أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا محمد ﷺ.
([12]) ثمّ: أي: هناك، وفي التنزيل: {وَإِذَا
رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)} [الإنسان:
20].
([13]) رواه البخاري (1253) ومسلم
(٢٣٧٢) بدون ذكر تبوك. ونصّه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أرسل ملك الموت إلى
موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّهُ، فرجع إلى ربه عزوجل، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ
لا يريد الموت، قال ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطّت يده بكل
شعرة سنة. قال: أي رب؛ ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال فالآن. قال: فسأل الله عزوجل
أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر». قال أبو هريرة رضي الله عنه: فقال رسول
الله ﷺ: «فلو كنت ثَمَّ لأريتكم
قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر».
([15]) ولعل فئامًا ممن هاجر لليمن قد انتقل للحبشة
حتى كثروا هناك بما يُعرف اليوم بيهود الفلاشا، وهم يدّعون أنهم من أتباع ابنٍ
لسليمان عليه السلام من ملكة سبأ، وقد أرسله من أورشليم القدس، وكان برفقته تابوت
العهد، وكانت عاصمتهم أكسوم، أما اليمن فهي امتداد لها، والله أعلم.
([16]) ولهم كذلك أمور يتحجّجون بها، ولم أتثبّت منها
حتى الآن، فمنها: وهذه فريدة ـــ على فرض ثبوتها ـــ فيقال: إنه بعد تصوير منطقة
خليج العقبة بالأقمار الصناعية ذهلوا من وجود هضبة مرتفعة بشكل غير مألوف بين أقرب
نقطتين بين يابسة صحراء سيناء ــ شاطئ نوبيع ــ والضفة المقابلة ومسافتهما قرابة
سبعة أميال ــ وهي نقطة مرور الحجاج المصريين ــ فوجدوا أن تلك الهضبة الواصلة بين
الضفّتين ترتفع من قعر البحر حتى تقترب من سطح البحر بمسافة (800) قدم فقط، والعمق
على يمين ويسار ذلك الممر يتجاوز (5000) قدم، وبشكل حاد وليس تدريجي كالمعهود في
سائر البحار، فلعلها الممر الذي أيبسه الله لهم وفلق البحر{فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)} [الشعراء:
63].
مع التنبيه إلى أن هذه المعلومات تحتاج إلى إثبات وتحرير،
إذ قد ذكرها بعضهم وأورد لها صورًا، ولكن لم أتحقق بعدُ من صحتها، وكذلك التالية:
فيقال إنه قد وُجدت كثير من آثار العربات الفرعونية في قاع خليج العقبة، وليس في
خليج السويس، والله أعلم.
([18]) النسائي (11326)، وحكم عليه ابن كثير بالوقف
دون الرفع (5/ 293). وقال شعيب الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار: (66): رجاله ثقات،
إلا أن أصبغ بن زيد وهو الجهني الوراق له غرائب، ولعل هذا الحديث منها، وهو كما
قال الحافظ بن كثير: موقوف من كلام ابن عبَّاس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه.
([20]) وقد تضمّن سفر الخروج (الإصحاح 20) الوصايا
العشـر في التوحيد والأخلاق، ومع عظمة هذه الوصايا إلا أن أيدي الكتبة الكذبة قد
ضمتها سُبّة لله رب العالمين، أَبَتْ أمّة الغضب إلا أسباب الغضب، تعالى عما
يقولون علوًّا كبيرًا، فقالوا: «لأنَّ الرّبَّ في ستَّةِ أيّامٍ خلَقَ
السَّماواتِ والأرضَ والبحرَ وجميعَ ما فيها، وفي اليومِ السَّابعِ استراحَ»
(خروج 20: 11). وقد أبطل الله تعالى دعواهم بقوله الحاسم في محكم تنزيله وصادق
قيله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)} [ق:
38].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق