إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 27 أغسطس 2025

البداوة والحضارة أسلوبا حياة، وليستا نسبًا

البداوة والحضارة أسلوبا حياة، وليستا نسبًا

 

الحمد لله الذي خلق الإنسان ليبتليه، وانعم عليه ليشكره، وأرسل إليه حجّته ليعبده ويذكره، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم طرًّا، محمدٍ النبي الأمي الذي كملت سجاياه، ونبلت صفاته، وسبق إلى كل وصف حسن بتوفيق الله تعالى له واصطفائه، السعيد من اتّبعه واقتفاه، والشقي من خُذل عن نهجه فتنكّب محجته جهلًا وجهالة. أما بعد:

فلا يزال الشيطان يؤزّ نفوس الناس للفرقة، ويحرش بينهم للاختلاف، ويشعل مراجل الفتن فيهم بمكره، وإن من أيسر طرقه عليه وأطرحها لرأس العربي دقّ إسفين الأخوّة بمسمار الفوارق الاجتماعية، سواء في النسب، أو الجنس، أو اللون، أو البلد، أو أسلوب الحياة، أو ما شئت من الفوارق الطبيعة للاستخلاف الآدمي الذي لا يعدو أن يكون اختلاف تنوع به تقوم حضارة بني الإنسان، وسنّة لله في ناموس خلقه، ولكن الرجيم فعل ما ذكره عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ» ([1]). فيحرش كلّا على صاحبه فَتنًا وتفريقًا وخصومة وعداوة، ثم فشلًا وخذلانًا وخيبة!

ومن ذلك التحريش تفريق المؤمنين بخصومات الحضارة والبداوة، ومن نظر لحال الناس في كل بلاد العالم وجد أن ذلك الأمر كان ولا يزال من أسباب النفرة بين الناس، فكيف إذن بالعرب أهل الشَّمَم والأنَفة والعزَة والإباء، وحبّ الفخر والعلوّ والترؤس، إلا من رحم الله تعالى؟!

فمن تلك الأسافين المفرّقة بين عصبة المؤمنين المفاخرة بالبداوة أو الحضارة، مع أنهما في الأصل ليستا نسبًا، ولا علاقة لهما بالأصل والسلالة، بل الأمر لا يعدو أن يكون أسلوب حياة ومعاش، يكتسبه الإنسان بحسب بيئته وأسلوب عيشه، وقد دلّت اللغة والشرع والعرف الصحيح والتاريخ التالد على ذلك، ومتى تغيّرت البيئة؛ تغيّر الوصف، لا النسب والأصل والسلالة.

علمًا بأن مسألة البداوة والحضارة هي قضية شرعية قبل أن تكون عادات وأعرافًا اجتماعية. فمن ذلك ما جاء من النهي عن التعرب بعد الهجرة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ومعنى تعَرَّبَ: إذا أَقامَ بالبادية وصَار أعرابيًّا. فالأعرابي: هو صاحب الأعرابية وهي بادية العرب، أما من كان من أهل القرى والبلدان والحواضر؛ فإنه لا يسمى بدويًّا ولا أعرابيًّا، حتى وإن كانت أصوله كذلك، وحتى إن كان قد أمضى ردحًا من حياته في البادية.

وعليه؛ فمن سكن القرى والبلدان فإنه يكون حضريًّا وقرويًّا، لا بدويًّا وأعرابيًّا، حتى وإن كانت له إبل أو غنم في الصحراء يذهب إليها لإصلاح شأنها ويعود لمسكنه في القرية أو المدينة أو البلدة؛ فهذا له أحكام الحاضرة، ويسمّى بهم، أما من كان له خباء أو خيمة أو نحوها من مساكن البوادي ويسكن البادية أكثر العام؛ فإنه أعرابيّ بدويّ، إذن؛ فالبداوة والحضارة هما أسلوبا حياة، وطريقة معيشة، ومكان سكنى، ولا علاقة لهما بالنسب والسلالة مطلقًا.

ولتوضيح ذلك أكثر: فقد يكون هناك شقيقان أحدهما بدوي والآخر حضري، وهذه بالنسبة لمسكن كلّ منهما، بل قد يكون الشخص الواحد حضريًّا بعدما كان بدويًّا، وكذلك العكس بحسب حاله، كأن يكون صاحب بادية وله إبل يتبعها للنجع، ثم تركها ببيع أو غيره ونزل البلدة والقرية؛ فإنّ حاله ينقلب بعد البداوة إلى الحضارة، فقد كان بالأمس بدويًّا واليوم حضريًّا، والعكس صحيح. وقد يصح لنا القول: إنه حضري باعتبار، وبدوي باعتبار، أو حضري به أعلاق من البادية ونحو ذلك.

وكثير من الأفاضل يظن أنه بدويٌّ لأن والديه قد عاشا في البادية، أو كانت أصوله بدويّة، أو أنه كان في أول عمره بدويًّا، ثم نزل الحاضرة وسكن بها، وهذا خطأ، فهو في حكم الشرع حضريٌّ لا بدويٌّ، ومن كان تارة في البادية وأخرى في الحاضرة فالعبرة في حاله بغالب سُكناه السَّنَة، فإن كان غالب سنته يسكن البلدة والقرية فهو حضري، وإلا فبدوي، والله أعلم.

إذن؛ فأكثر الناس في زماننا هم من الحاضرة، أما البادية فقِلّة. أما ما قعّدته أعراف بعض الناس في هذا الزمان من كون البداوة والحضارة راجعتين للنسب؛ فهو عرف فاسد باطل مردود مُطّرَح، لا عبرة به ولا رجوع إليه، لأن العرف لا يكون بمقابلة ومخالفة الشرع.

وبالجملة؛ فالبدوي والأعرابي: هو ساكن البادية، أما من كان في القرى والبلدان والعوامر والحواضر فإنه لا يسمّى بدويًّا ولا أعرابيًّا، حتى وإن كانت أصوله كذلك.

إذن لماذا صار الأمر بهذا الاشتباه والتداخل في هذا الزمان؟ ولماذا صال الناس على بعضهم تعصُّبًا وتفاخرًا وتطاولًا وتعاليًا؟ بمعنى أنهم ينسبون الإنسان للحضارة أو البداوة تبعًا لأصول قبيلته، لا مسكنه ومعيشته؟

فالجواب: أن السبب عائد لأمور، منها: أن الحال المعيشي قد اختلف عن السابق بعد المدنية الحديثة، وتسهيل سبل عيش الحواضر واستتباب الأمن بحمد الله تعالى.

ومنها: أن بعض من تحضّر من البدو تكون لديه أعلاق ورواسب باقية من البادية، إما حسية كأن تكون له إبل أو غنم، أو معنوية كالحنين لسكنى نقاء وبساطة الصحراء، وتفضيلها على كثافة وقتامة المدن.

ومنها - وهو سبب حاضر بقوة -: أنّ من البادية والحاضرة من يترفع على صاحبه وأخيه، فيرى نفسه أفضل، فيذكر محاسن الصفات له، ومساوئها لأخيه. ويرى صاحب الحاضرة أنه أفضل بسمات يسرد طيّبها له وخبيثها لأخيه، والحقّ: أن صالح الأخلاق وسيئها راجع إلى معدن المرء لا بيئته، وإن كانت البيئة في الجملة تساعد في تكوينها وصقلها طيّبة كانت أو سوى ذلك. فعاد الأمر إذن لذات الشخص لا بيئته، وأكرم الناس اتقاهم، لا حاضرهم وباديهم.

ومن المفارقات أنه مع كون هذه المسألة بدهية واضحة إلا أن التعصب البيئي قد غطاها لدى فئام غير قليل من الأفاضل، لذا فمن حين تنبيه كثير منهم فإنهم ينتبهون، ولا يرفضها في العادة إلا من كانت له حظوظ خاصة، أو أنه قد بنى أمورًا يُغذّيها ذلك التصنيف، وبعضهم ليس كذلك، ولكن اشتبه عليه الأمر بلا أغراض نفس ليس إلا، والموفق من عباد الله تعالى من هداه الله سبيله، وبصّره طريقه، وأتبعه سنّة نبيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فنسأل الله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فمن عادة الشيطان في تلبيسه وتسويله وتزيينه وإملائه أن يصبغ كل طائفة من الناس بلون، ثم يستجرّهم الى المفاخرة والبغي والتعالي، فكلّ لون يريد العلوّ على من سواه في ألوان طيفٍ جاهلية، ليست من الإسلام في شيء، بل هي من أسلاب الهالكين، ومطايا الخائبين، وزاد المخذولين، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وتدبر رعاك الله تعالى قول ربنا الأعلى: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣ [القصص: 83] وقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣ [الحجرات: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحدٌ على أَحَدٍ، و لا يَبْغِي أحدٌ على أَحَدٍ» ([2]). وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد أَذهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وفَخْرَها بالآباءِ، مؤمِنٌ تَقيٌّ، وفاجِرٌ شَقيٌّ ، والناسُ بَنو آدمَ، وآدمُ مِن تُرابٍ، لَيَنْتَهيَنَّ أقوامٌ فَخرُهم برجالٍ، أو لَيَكونَنَّ أَهوَنَ عندَ اللهِ مِن عِدَّتِهم مِنَ الجِعْلانِ التي تَدفَعُ بأَنْفِها النتْنَ» ([3]). وحتى مع بيان سيادته لبني آدم أجمعين نراه قد نفى الفخر بنفسه جملة وتفصيلًا، فقال بأبي هو وأمي ونفسي: «أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ» ([4]).

إذن؛ فلقد تسلط الشيطان على كثير من الناس حاضرة وبادية من هذا الباب المفرّق، فجعل أحد الطرفين ينفر من صاحبه في الجملة، ويظن أن وصفه بما يلائم أسلوب حياته منقصة له، حتى وإن كان وصفًا أرفع من وصفه السابق!

والمقصود؛ أن بعض البادية والحاضرة يترفع بعضهم على بعض، وينفر أحدهم من الآخر، وإنما يظهر هذا التنافر بجلاء عند رغبة المصاهرة أو المساكنة، فتجد أن كلا منهما كطرفي المغناطيس المتنافرين، مع أن الشرع قد أبدأ وأعاد الحث على التقارب لا التباعد، والتعاون لا الخذلان، وحسن الظن لا سوئه.

وبما أن النفوس قد تغذّت على ذلك لأجيال متعاقبة، وجرى لها في ذلك قصص وأمثالٌ وأشعار، فربت مع الوقت حتى حلّت في العقول من المسلمات بلا تدبرٍ، ولا وزنٍ لها بمعالم القرآن العظيم وموازين الشرع المستقيم. وكم من سُنّة وقف دونها احمرار نعرات الأنوف، وثوران حمّيّا الرؤوس، لدى قوم لا يفقهون! وإنما الدنيا ابتلاء: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤ [يونس: 14]، ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾ [الملك: 2].

فينبغي للإنسان أن يتحلى بمكارم الأخلاق، ومعالي الشيم، وكريم السجايا، مهما كان حاله، فليست أخلاق الشجاعة والكرم والنجدة والوفاء خاصة بالبادية وإن كانت لديهم أجلى، ولا الرحمة واللين والعلم والحلم خاصة بأهل الحواضر وإن أضحت لديهم أظهر، بل على المؤمن الموفق تحصيل ما استطاع من أخلاق الرسول الكريم الخلوق صلى الله عليه وسلم، الذي اجتمع فيه ما تفرق في غيره من كل خلق كريم، وسجية نبيلة، وشيمة جميلة، كما قال ربه الأعلى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم: 4].

فمكارم الأخلاق هي ليست حكرًا على طائفة، بل كامل الأخلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدين خلق، فمن فاقك فيه فقد فاقك في شعبة من الدين، فعلى المؤمن التحلي بالشجاعة والكرم والنقاء والفطنة والرحمة واللين والرفق وكلِّ خلقٍ خيِّرٍ جميل كريم.

ومن الأهمية بمكان: العلم بأن المسألة ليست مسألة منافسة، أو مفاضلة، بل مقاربة وتعاون، مع التنويه إلى أن الشرع يتشنّف إلى تحضر الناس في الجملة، لأن البادية أجفى خلقًا، وأجهل عملًا، وأبعد عن تعلّم الشريعة، وعن الاجتماع على البر والتقوى والجمعة والجماعة. فالشريعة حثّت وحسّنت لأهل الإيمان سكنى الحواضر وترك التعرب والجفاء.

ومما يدل على أن البداوة والحضارة أسلوبا حياة لا نسب: اللغة والشرع والاجتماع.

دلالة اللغة:

فمن جهة اللغة: فالبداوة من مادة «بَدَا»، ويُقال: بدا القوم يبدون بدوًا، أي: خرجوا إلى البادية، فهم بدو. والبدوي: من يسكن البادية. أما الحضري: فهو من يسكن الحاضرة سواء كانت مدينة أو قرية.

فالبَادِيَةُ: خِلاَفُ الْحَاضِرَةِ. «قَال اللَّيْثُ: البَادِيَةُ: اسْمٌ لِلأَْرْضِ الَّتِي لاَ حَضَرَ فِيهَا، وَالْبَادِي: هُوَ الْمُقِيمُ فِي الْبَادِيَةِ، وَمَسْكَنُهُ الْمَضَارِبُ وَالْخِيَامُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. وَالْبَدْوُ: سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَمَّا الأَْعْرَابُ فَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً. وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ بَدَا جَفَا» ([5]) أَيْ: مَنْ نَزَل الْبَادِيَةَ صَارَ فِيهِ جَفَاءُ الأَْعْرَابِ"([6]). وَلاَ يَخْتَلِفُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ. - وسيأتي بسط ذلك في نهاية المبحث إن شاء الله تعالى -.

فدلّت اللغة على أن البداوة والحضارة ليستا نسبًا، بل أوصاف مكانية ومعيشية تختص بالشخص الموصوف. أي أن الإنسان يصير بدويًا إن سكن البادية، وحضريًا إن سكن الحاضرة، بغض النظر عن نسبه أو أصله. فهذا واضح جلي من جهة اللغة، فالبدوي في اللغة يُطلق على من يسكن البادية، وهي الأرض الصحراوية الواسعة التي لا تُزرع غالبًا، ويكون نمط حياته قائمًا على التنقّل والرعي أكثر من الاستقرار في المدن أو القرى.

دلالة الشرع والاجتماع:

أما من جهة الشرع: فإن الله تعالى قد ذكر «الأعراب» و«القرى» و«المدينة» وأشار إلى اختلاف الأحوال باختلاف البيئات، فقال سبحانه: {الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97]. وهنا ذمّ متعلق بـ«الأعراب» أي: أهل البادية، ولكن ليس لكونهم من نسب معين، بل لأثر البيئة على تلقّي الدين وفهمه والتأثّر به والعمل به. ففي صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا عل جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله.. إلى أن قال: ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين»([7]).

ولاحظ كيف كان للأعراب أحكام خاصة بهم([8])، والمعنى: أي فإن امتنعوا بعد أن أسلموا من الهجرة من البداوة وغيرها إلى دار المسلمين، ولم يجاهدوا؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو، فتجري عليهم أحكام الإسلام، ولا يعطون من الخمس ولا من الفيء شيئًا، وإنما لهم من الصدقة المأخوذة من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وبه أخذ الشافعي أن الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حق لهم في الفيء، وإنما الفيء للأجناد.

فالشرع يقرّ بوجود فروق بين البدو والحضر من حيث السلوك والتدين والفهم والاجتماع والعمل، لكنه لا يجعل النسب البتة معيارًا للبداوة أو الحضارة، بل هي أوصاف اجتماعية ومعيشية. وعلم الاجتماع يقرّ ذلك أيضًا، فالبداوة والحضارة هما أسلوب حياة ومعيشة، يُكتسب بالبيئة والمقام والعادة ليس إلّا. لكن العُرف الاجتماعي المغلوط لدى بعضهم قد يخلط بين النسب وأسلوب الحياة، فيظن بعض الناس أن «البدوي» هو من له نسب قبلي أو بدوي، وإن عاش في المدينة، وقد ترتب على عدم إدراك هذه الحقيقة مفاسد عديدة عانى منها كلا الطرفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فضل الحضارة على البداوة:

هذا؛ وإنّ أعمدة حضارات الأمم هم أهل الحضر، ويكفي لفضل التحضر أنه ليس من رسل الله تعالى أعرابيٌّ ولا امرأةٌ ولا عبدٌ. لأن الشرع علم وعمل، والعلم لا يكون في مفازات البيد وانقطاع الصحاري، بل في الحواضر والعوامر حيث الجمع والجماعات، والعلم والتعليم، والاجتماع والتعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان.  أما البوادي في الجملة فهي مظنة الجهل والجفاء، لهذا فقد فشت الردة في كثير من الأعراب دون أهل القرى الذين ثبت على الإسلام أكثرهم، فالعلم كله بركة، وهل الدين إلا علم وعمل؟!

لذلك؛ فالمُفَضَّلُ ما فضّله الشرع وأشاد به، والشرع إنما حض على التحضّر دون سواه، ولا نعلم عالِمًا بدويًا، بل كلّهم من أهل الحواضر، والسبب: أن عيون العلم إنّما تنبع من حلق العلم في بيوت الله تعالى، ومن كان من أهل الجمعة والجماعة وحلق العلم فقد فاق صاحب البادية بحسب ما حصّله من خير، وكم من معتزل في البوادي ليحصّل جمعيّة قلبه على ربه غافلًا عما فرّط فيه من فضل الجمعة والجماعة، والتعاون على الخير، والعلم والتعليم، والتعاون على البر والتقوى ونحو ذلك من أبواب الخير المضاعف أجرها، وقد قال المصطفى الهادي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: «المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ علَى أذاهُم خيرٌ منَ الَّذي لا يخالِطُ النَّاسَ ولا يصبرُ علَى أذاهم» ([9]).

هذا؛ والدول إنما تقوم على التحضّر، ومن هنا كان من مبادئ قيام هذه الدولة السعودية المباركة إنشاء الهجر، وحضِّ البادية على سكناها، لأن الهجر هي محضن العلم، وهي النواة التي يقوم عليها التحضر الديني والعقلي والاجتماعي والمدني والعمراني والصناعي ونحوها، فالحضارات إنما تقوم على أفكار وسواعد الحاضرة بمعونة أهل البادية، فلا يُهضَمون حقًّا، فالأعراب هم مادة الإسلام ومدده، وقد أوصى بهم عمر الخليفة من بعده فقال: «وأوصيه بالأعرابِ خيرًا، فإنهم أصل العربُ وَمَادَّةُ الإسلامِ» ([10]).

ومما يدل على تفضيل سكنى الحواضر دون البوادي: ما نعى الله تعالى على جفاء الأعراب بقوله الأجل: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧ وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨ وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩﴾ [التوبة: 97-99]. وعن الضحاك بن مزاحم، ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ قال: مِن منافقي المدينة، ﴿وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ يعني: الفرائض، وما أمر به من الجهاد([11]). وعن قتادة بن دعامة في قوله: ﴿وأجدَر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، قال: هم أقَلُّ عِلمًا بالسُّنَن([12]). وعن محمد بن سيرين، قال: إذا تلا أحدُكم هذه الآية: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ فلْيَتْلُ الآيةَ الأخرى ولا يسكت: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾([13]). وعن عبد الله بن عباس في قوله: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾: قال: ثُمَّ استثنى منهم، فقال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية([14]).

وقد روي بسند فيه مقال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن سَكَن البادية جَفا، ومَن اتَّبَع الصيدَ غَفِل، ومَن أتى السلطان افْتُتِن»([15]) ومعناه صحيح، فالاعتزال في الصحراء عن الجمع والجماعات وحلق العلم مظنّة للجهل بالشريعة والغفلة عن مواعظ القرآن.

ومما يدل على تفضيل الحاضرة: النهي عن التعرب بعد الهجرة. وقد بوب أبو عبد الله البخاري في صحيحه بابًا سماه: التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ وذكر بسنده([16]) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ» وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»([17]).

قلت: ولعل قبيلة أسلم لها استثناء في ذلك لمصلحة الإسلام العامة إذ ذاك، كأن تكون عيونها مبثوثة في طريق الغزاة المخوف لأجل المسلمين، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قدم المدينة فلقيه بُريدة بن الحصيب فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟! فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله ﷺ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابدوا يا أسلم، فَتَنَسَّمُوا الرياح، واسكنوا الشعاب». فقالوا: إنا نخاف يا رسول الله أنْ يضرنا ذلك في هجرتنا، قال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم» ([18]). وفي رواية: «أَنْتُمْ أَهْلُ بَدْوِنَا، وَنَحْنُ أَهْلُ حَضَرِكُمْ»([19]).

والنهي عن ارتداد المهاجر أعرابيًّا ظاهره المنع، بل عدّه بعضهم من الكبائر، لما منّ الله عليه باله إلا لحاجة ملحة، أو ضرورة ملجئه في الدين أو الدنيا. ومن ذلك فساد الناس العام الذي لا يرجو إصلاحهم به؛ إما لعنادهم أو عجزه أو خوفه من تلويث دينه بفسادهم، أو وقوع فتن دين، أو دنيا، أو دماء، واختلاف، وافتراق، واشتباه أحوال، فحينها يشرع له الخروج للبوادي وما في معناها واعتزال الناس حفظًا لدينه من الفتن، وقد فعل هذا فئام من السلف.

قال ابن باز رحمه الله تعالى: «التعرب بعد الهجرة من الكبائر. وسئل: المرتد أعرابيًّا بعد الهجرة هذا الحكم باقٍ إلى الآن؟ فأجاب: نعم إلا لعلّة، إذا فسد المجتمع وخرج من المجتمع لحفظ دينه. إذا خرج لأجل حفظ دينه؛ لأن المجتمع الحضاري تغير، أبيح له ذلك» ([20]).

فسكن البادية هو التعرُّب، أي: الإقامة مع الأعراب، والأعرابية: صحراء العرب، وليس فيه شيء للحاجة والغرض الصحيح، إما طلب خير كاللغة، أو اجتناب شر كالفتنة، وقد كان يفعله كرام الناس، ومنهم أهل العلم لتعلم اللغة والآداب، وكان بعض الناس يسترضع ولده هناك، وقد فعل أهل نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك معه في بادية بني سعد.

أما الرجوع إلى البادية بعد الهجرة فمنهي عنه إلا لعلة، كما في حديث سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حينما عاده في مرضه: «اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ علَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ». قالَ: رَثَى له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِن أَنْ تُوُفِّيَ بمَكَّةَ. وفي رواية: وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في سَعْدِ بنِ خَوْلَةَ، غيرَ أنَّهُ قالَ: وَكانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بالأرْضِ الَّتي هَاجَرَ منها([21]). وهذا لأن سعد بن خوله رضي الله عنه رجع إلى مكة من دار هجرته ومات فيها.

ومن هنا كان الصحابة يعدًّون الراجع للبادية مرتدًّا عن هجرته، ومن أهل العلم من يعد ذك من كبائر الذنوب بناء على تصحيحهم حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه. قال الفتوحي رحمه الله تعالى: «ومجموعة ما جاء منصوصًا عليه في الأحاديث من الكبائر خمس وعشرون، فعددها وذكر منها: التعرّب بعد الهجرة» ([22]). وعن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: «اجتنبوا الكبائر السبع»، فسكت الناس فلم يتكلم أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرّب بعد الهجرة» ([23]). وبوب النسائي رحمه الله تعالى في سننه: باب المرتدّ أعرابيًّا بعد الهجرة. وبوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب التعرب في الفتنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح: «قوله "باب التعرب في الفتنة». أي: السكنى مع الأعراب، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيًّا، وكان إذ ذاك محرّمًا إلا إن أذن له الشارع في ذلك، وقيَّده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك: فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة([24])، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور"([25]).

ومما يدل على تفضيل الحاضرة على البادية: أن الله تعالى لم يبعث رسولًا بدويًّا، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ﴾ [يوسف: 109]. قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: «يقول تعالى ذكره: (وما أرسلنا)، يا محمد، (من قبلك إلا رجالًا) لا نساءً ولا ملائكة، (نوحي إليهم) آياتنا، بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا، (من أهل القرى)، يعني: من أهل الأمصار، دون أهل البوادي، قال  قتادة: قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى)، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمُود» ([26]).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: «قوله: (من أهل القرى) المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا. وهذا هو المعهود المعروف أنّ أهل المدن أرقّ طباعًا، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) [ التوبة : 97 ] وفي الحديث: أنَّ أعرابيًّا وهَبَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هِبَةً، فأثَابَهُ عليهَا قالَ: "رَضِيتَ»؟ قالَ: لا قالَ: فزادَهُ قالَ: «رضيتَ»؟ قالَ: لا قال: فزادَهُ قال: «رضيتَ»؟ قال: نعم. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لقد هَمَمْتُ ألّا أتَّهِبَ هِبَةً إلا من قُرَشِيٍّ أو أنصارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ» ([27])([28]).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: «ولم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو، ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية قط، ولا من النساء، ولا من الجن. وقال قتادة: من أهل القرى، أي: من أهل الأمصار؛ لأنهم أعلم وأحلم. وقال العلماء: مِن شرط الرسول أن يكون رجلًا آدميًّا مدنيًّا. وإنما قالوا: آدميًّا تحرّزًا من قوله: (يعوذون برجال من الجن)، والله أعلم» ([29]).

وقال السعدي رحمه الله تعالى: «أي: لا من البادية، بل من أهل القرى الذين هم أكمل عقولًا، وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم» ([30]).

والذي قصده العلماء في تفضيل عقول أهل المدر على أهل الوبر إنما هو العقل المعرفي العلمي لا الغريزي، وهذا صحيح، فأهل الحاضرة أعلم بالدين والدنيا من أهل البادية، ومن هنا جاءت زكاة عقولهم.

ومن أوجه تفضيل الحاضرة على البادية: المنّة بمجيء يعقوب عليه السلام وأهله من البدو إلى مصر، كما قال تعالى: (وجاء بكم من البدو) وهي منّة ربانية ظاهرة كما لا يخفى.

ولا يقدح ذلك في كون جميع المرسلين من الحاضرة، أما الجواب عن اشتباه بداوة يعقوب عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: (وجاء بكم من البدو) فنقول: لا دلالة على كون يعقوب بدويًا من هذه الآية لعدة وجوه:

منها: أنه إذا وقع الاحتمال سقط الاستدلال، والمبيّن مقدم على المجمل، والمحكم مقدم على المشتبه، والقرآن يفسّر بعضه بعضًا، بيان ذلك: أن أية نفي البداوة عن الرسل مذكورة في نفس السورة وهي صريحة واضحة محكمة بيّنة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ﴾ [يوسف: 109]. وقد تقدم تفسيرها.

إذن فما وجه وصف يوسف عليه السلام لأهله أن الله تعالى قد امتنّ عليهم أن جاء بهم البدو؟ فالجواب عن ذلك من وجوه:

منها: أن يعقوب عليه السلام هو من بنى بيت المقدس، ولس بينه وبين بناء الكعبة من لدن جده إبراهيم وعمه إسماعيل سوى أربعين سنة، كما جاء من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قُلتُ يا رَسولَ اللهِ : أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلُ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ». قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصَى». قُلتُ: كَمْ بيْنَهُمَا؟ قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، وأَيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَهو مَسْجِدٌ» ([31]).

وعليه؛ فبيت المقدس حينها قد يكون قليل السكان جدًّا، فكان في البادية لعدم نزول الناس عنده خلا بيوتات يعقوب عليه السلام وآله وأقاربه ونحوهم، فصحّ حينها أن يكون بادية لقلة السكان.

علمًا أن جدّه إبراهيم عليهما السلام كان قد هاجر من حران إلى الشام، ولم يولد له – فيما ذكروا - في الشام سوى إسحاق، الذي ولد له العيص ويعقوب، وقد ذكروا أنّهما تغاضبا، فذهب يعقوب زمانًا إلى خاله في حران، ثم رجع بعدما سكن غضب أخيه، وذهبا سويًّا إلى أورشليم، وهناك استقرّ يعقوب عليه السلام، فضرب هنالك فسطاطه، وابتنى عنده مذبحًا فسماه إيل إله إسرائيل، وأمره الله ببنائه ليستعلن له فيه وهو بيت المقدس اليوم([32]). قلت: فلعل بيت المقدس حينها كانت بيداء، فصحّ وصف من سكنها بالبدو. والله أعلم.

وأيضًا: فلعل يعقوب عليه السلام كان قد خرج من القرية – إن كانت – لأمر طارئ وسبب عارض، فطال مكثه حتى سافر لمصر، فقال يوسف عليه السلام حينها ما قال.

ومما يعضد كون خروجه للبادية طارئًا قول صاحب العين: البادية اسم الأرض التي لا حضَرَ فيها، وإذا خرج الناس منَ الحَضَرِ إلى المراعي والصحاري قيل: قد بدَوْا بَدْءًا. والاسم البدء([33]). ونُقلت في تعضيد في ذلك أقوال([34]).

والبَادِيَةُ: اسْمٌ للأرْضِ التي لا حَضَرَ فيها، وهي البَدْوُ. والبِدَاوَةُ: هُمْ أهْلُ البَدْوِ. وبَدَا الرَّجُلُ يَبْدُو: نَزَلَ الْبَادِيَةَ؛ فهو بادٍ([35]).

وعند الطبري: عن قتادة: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)، وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبرّية. وعن ابن جريج: (وجاء بكم من البدو)، قال: كانوا أهل بادية وماشية. و«الَبْدوُ» مصدر من قول القائل: «بدا فلان»: إذا صار بالبادية، «يَبْدُو بَدْوًا» ([36]).

ومن الأجوبة أيضًا أن نقول: لعله وصف منزلهم بالبدو نسبة وتناسبًا مع عِظَم مصر التي كانت من أكبر ومدائن العالم، فصح وصف منزلهم بالبدو مقارنة بمصر عاصمة الحواضر حينها.

وأيضًا: فالرسالة أخصّ من النبوة، وقد نفيت الرسالة عن البدو بآية سورة يوسف: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ﴾ [يوسف: 109]، ولم تنف الآية النبوة عنهم، فلم يقل: (وما بعثنا)، وهذا جدير بالنظر والتدبر، فلقد كانت النبوة غير منقطعة في بني إسرائيل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنَّه لا نَبِيَّ بَعْدِي، وسَيَكونُ خُلَفاءُ فَيَكْثُرُونَ». قالوا: فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: «فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ، أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فإنَّ اللَّهَ سائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعاهُمْ» ([37]). وقد يجتمع لديهم في زمان واحد أكثر من نبي، والعلماء فينا فيهم شِبْهٌ بأنبياء بني إسرائيل مع الفارق، وكما أنّ العلماء ليسوا بالبوادي؛ فمن باب أولى الأنبياء، إلا لعارض، فهو استثناء لا قاعدة، والاستثناء لا يبنى عليه أصل.

وأيضًا: فلعل يعقوب عليه السلام مستثنى من آية حصر المرسلين على الحاضرة لحكمة أرادها الله تعالى، ولعل منها بناءه بيت المقدس في بيداء من الأرض، وهي علة شريفة عالية، فحق له أن يُستثنى مع إبرائه من جفاء وجهل البادية لنبوته واصطفاء الله تعالى له، ولهذا الاستثناء نظائر. وجمال هذا القول: أنا نكون به قد أعملنا جميع الآيات من غير حاجة لترجيح أو توجيه، وهذا هو الأصل، فمتى أمكن الجمع فلا ترجيح حينها، حتى نعمل بجميع النصوص بلا إبطال معنى ظاهر لرجحان مدلول سواه، ونحو ذلك، وهو مأخذ وجيه جدًّا هنا، وليس له معارض سوى عموم الآية الأخرى، وفيه قلق بيّن، لأنّ من أخذ به فقد أبطل مدلول عموم الآية النافية له، بل الاستثناء حقيقته إبطال بعض المدلول بإخراج الجزء من الكل، لذا فلا مناص من الترجيح، والله أعلم.

والجادة - وهو المختار –: القول ببقاء الآية على عمومها بلا استثناء، فليس من الأنبياء والمرسلين بدوي، كما سبق نقله من أقوال أهل العلم.

وقال شيخنا عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى: «الأنبياء والرسل كلهم من الحضر ومن أهل القرى، كما قال الله تعالى في السورة نفسها في آخرها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، وفي هذه الآية الكريمة بيان أنهم رجال وليسوا نساءً، وأنهم من أهل القرى وليسوا من البادية، وما جاء في سورة يوسف من قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠] لا يدل على أنهم من أهل البادية، وإنما يحمل على أنهم حاضرة وذهبوا للبادية فجلسوا فيها مدة وجاءوا منها، كما أن البدوي لو جاء إلى الحاضرة وجلس في الحاضرة مدة ثم رجع إليها لا يقال: إنه حضري، والحضري لو خرج إلى البادية وجلس في البادية مدة ثم رجع لا يقال: إنه بدوي» ([38]).

وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: «قال ابن عطية: قال ﷺ: «مَن بَدَا جَفَا»([39]). وعن معاذ بن جبل أنه قال: "الشَّيْطَانُ ذِئْبُ الإِنْسَانِ، كذِئبِ الغَنَمِ يَأخُذُ الشَّاةَ القَاصية فإِيَّاكُمْ والشِّعاب، وَعَليكم بالمَسَاجِدِ، والجَمَاعَاتِ، والعَامةَ» ([40]). ثم قال([41]): ويعترض هذا ببدوّ يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين:

 أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود([42])، بل بَتَقَرِّ في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدوًا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بَدْوٌ بالإضافة إلى الحواضر الكبار. أهـ.

قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شِعْبٍ، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه([43])، فليس بتعرّب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل: أن أهل القلوب يفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم"([44]).

والحاصل: أن على المؤمن الموفق أن يحرص على كمالاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن سبل تحصيل ذلك بإذن الله تعالى: الحرص على مواطن ومنازل ومعالم العلم والإيمان، وهي يسيرة لمن يسرها الله تعالى لها، وبالله تعالى التوفيق والهدى والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان.

ملحقان للبحث:

هذا؛ وللفائدة المتعلقة بما ذكرته، فسألخص بعون الله تعالى مبحثين لهما تعلق به: الأول لابن منظور في معنى البداوة، والثاني لابن خلدون في ذكر بعض مزاياها. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: «والبَدْوُ والبَادِيَةُ والبَدَاةُ والبَدَاوَة والبِدَاوَةُ: خِلَافُ الحَضَرِ، وَالنَّسَبُ إِلَيْهِ بَدَوِيٌّ، وبَدَاوِيّ وبِدَاوِيٌّ، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ لأَنه حِينَئِذٍ مَنْسُوبٌ إِلَى البَدَاوَة والبِدَاوَة.

وبَدَا القومُ بَدْوًا: أَي خَرَجُوا إِلَى بَادِيَتِهِمْ مِثْلَ قَتَلَ قَتْلًا. ابْنُ سِيدَهْ: وبَدَا القومُ بَدَاءً خَرَجُوا إِلَى الْبَادِيَةِ، وَقِيلَ لِلْبَادِيَةِ بَادِيَةٌ لِبُرُوزِهَا وَظُهُورِهَا؛ وَقِيلَ للبَرِّيَّة بَادِيَة لأَنها ظَاهِرَةٌ بَارِزَةٌ، وَقَدْ بَدَوْتُ أَنا وأَبْدَيْتُ غَيْرِي. وَكُلُّ شَيْءٍ أَظهرته فَقَدْ أَبْدَيْتَه. وَيُقَالُ: بَدَا لِي شيءٌ أَي ظَهَرَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْبَادِيَةُ اسْمٌ للأَرض الَّتِي لَا حَضَر فِيهَا، وَإِذَا خَرَجَ الناسُ مِنَ الحَضَر إِلَى الْمَرَاعِي فِي الصَّحارِي قِيلَ: قَدْ بَدَوْا، والاسم البَدْوُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: البَادِيَة خِلَافُ الْحَاضِرَةِ، وَالْحَاضِرَةُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْضُرون المياهَ وَيَنْزِلُونَ عَلَيْهَا فِي حَمْراء الْقَيْظِ، فَإِذَا بَرَدَ الزَّمَانُ ظَعَنُوا عَنْ أَعْدادِ الْمِيَاهِ وبَدَوْا طَلَبًا للقُرْب مِنَ الكَلإِ([45])، فَالْقَوْمُ حينئذ بَادِيَةٌ بعد ما كَانُوا حَاضِرَةً، وَهِيَ مَبَادِيهِم جَمْعُ مَبْدًى، وَهِيَ المَناجِع ضِدُّ المَحاضر، وَيُقَالُ لِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَبْتَدِي إِلَيْهَا البادُونَ بَادِيَة أَيضًا، وَهِيَ البَوَادِي، وَالْقَوْمُ أَيضًا بَوَادٍ جَمْعُ بَادِيَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ بَدَا جَفَا"([46]). أَي: مَنْ نَزَلَ الْبَادِيَةَ صَارَ فِيهِ جَفاءُ الأَعرابِ. وتَبَدَّى الرجلُ: أَقام بِالْبَادِيَةِ. وتَبَادَى: تَشَبَّه بأَهل الْبَادِيَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لا تجوزُ شهادةُ بدويٍّ على صاحبِ قريةٍ» ([47]). قَالَ ابْنُ الأَثير: إِنَّمَا كُرِهَ شَهَادَةُ البَدَوِيّ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَفاء فِي الدِّينِ والجَهالة بأَحكام الشَّرْعِ، ولأَنهم فِي الْغَالِبِ لَا يَضْبِطُون الشهادةَ عَلَى وَجْهِها،([48]) قال: وإليه ذَهَبَ مَالِكٌ، والناسُ عَلَى خِلَافِهِ. وَقَوْلُهُ فِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: ﴿وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ [الأحزاب: 20]، أَي: إِذَا جاءَت الْجُنُودُ والأَحْزاب وَدُّوا أَنهم فِي الْبَادِيَةِ؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي رَبِيعِهِمْ، وإلَّا فَهُمْ حُضَّارٌ عَلَى مِيَاهِهِمْ. وقوم بُدَّا وبُدَّاءٌ: بادونَ؛ قَالَ:

بحَضَرِيّ شــــــاقَه بُدَّاؤُهُ       لَمْ تُلْهه السُّوقُ وَلَا كلاؤُه

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَما قَوْلُ ابْنِ أَحمر:

جَزَى اللهُ قَوْمِي بالأُبُلَّةِ نُصْرَةً        وبَدْوًا لَهُمْ حَوْلَ الفِراضِ وحُضَّرَا

فَقَدْ يَكُونُ اسْمًا لِجَمْعِ بَادٍ كَرَاكِبٍ ورَكْبٍ، قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَن يُعْنى بِهِ البَدَاوَة الَّتِي هِيَ خِلَافُ الحَضارة كأَنه قَالَ وأَهْلَ بَدْوٍ. قَالَ الأَصمعي: هِيَ البِدَاوة والحَضارة بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ؛ وأَنشد:

فمَن تكُنِ الحَضارةُ أَعْجَبَتْه        فأَيَّ رجالِ بَادِيَةٍ تَرانا

وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: هِيَ البَدَاوَة والحِضارة، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ. وَالْبَدَاوَةُ: الإِقامة فِي الْبَادِيَةِ، تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ، وَهِيَ خِلَافُ الحِضارة"([49]).

وقال ابن منظور رحمه الله تعالى في تاريخه مبينًا بعض فضائل أهل البادية - وحُقَّ لهم ذلك -: «أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر. وسببه أنّ النّفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شرّ، قال ﷺ: «كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»([50]). وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر، ويصعب عليها اكتسابه.

فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته؛ بَعُدَ عن الشّرّ وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشّرّ إذا سبقت إليه أيضًا عوائده. وأهلُ الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذّ، وعوائد التّرف، والإقبال على الدّنيا، والعكوف على شهواتهم منها، وقد تلوّنت أنفسهم بكثير من مذمومات الخُلُق والشّرّ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه، بقدر ما حصل لهم من ذلك حتّى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم، فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، لا يصدّهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم به عوائد السّوء في التّظاهر بالفواحش قولًا وعملًا، وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدّنيا مثلهم؛ إلّا أنّه في المقدار الضّروريّ لا في التّرف، ولا في شيء من أسباب الشّهوات واللّذّات ودواعيها.

فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السّوء ومذمومات الخلق بالنّسبة إلى أهل الحضر أقلّ بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى، وأبعد عمّا ينطبع في النّفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها، فيسهل علاجهم عن علاج الحضر، وهو ظاهر.

وقد يتوضّح فيما بعد أنّ الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشّرّ والبعد عن الخير؛ فقد تبيّن أنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، والله يحبّ المتّقين. ولا يُعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاريّ من قول الحجّاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنّه خرج إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعرّبت فقال لا ولكنّ رسول الله ﷺ أذن لي في البدو([51]). فاعلم أنّ الهجرة افترضت أوّل الإسلام على أهل مكّة، ليكونوا مع النّبيّ ﷺ في المظاهرة والحراسة ما لا يمسّ غيرهم من بادية الأعراب، وقد كان المهاجرون يستعيذون باللَّه من التّعرّب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة. وقال ﷺ في حديث سعد بن أبي وقّاص عند مرضه بمكّة: «اللَّهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم»([52]). ومعناه: أن يوفّقهم لملازمة المدينة وعدم التّحوّل عنها، فلا يرجعوا عن هجرتهم الّتي ابتدأوا بها، وهو من باب الرّجوع على العقب في السّعي إلى وجه من الوجوه. وقيل: إنّ ذلك كان خاصًّا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلّة المسلمين، وأمّا بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزّوا، وتكفّل الله لنبيّه بالعصمة من النّاس؛ فإنّ الهجرة ساقطة حينئذ لقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح»([53]). وقيل: سقط إنشاؤها عمّن يسلم بعد الفتح([54]). وقيل: سقط وجوبها عمّن أسلم وهاجر قبل الفتح. والكلّ مجمعون على أنّها بعد الوفاة ساقطة، لأنّ الصّحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا، ولم يبق إلّا فضل السّكنى بالمدينة، وهو هجرة.

فقول الحجّاج لسلمة حين سكن البادية: "ارتددت على عقبيك تعرّبت». نعى عليه في ترك السّكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدّعاء المأثور الّذي قدمناه وهو قوله: «لا تردّهم على أعقابهم». وقوله: «تعرّبتَ». إشارة إلى أنّه صار من الأعراب الّذين لا يهاجرون. وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين، وأنّ النّبيّ ﷺ أذن له في البدو. ويكون ذلك خاصًّا به كشهادة خزيمة([55]) وعناق أبي بردة([56]). أو يكون الحجّاج إنّما نعى عليه ترك السّكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة، وأجابه سلمة بأنّ اغتنامه لإذن النّبيّ ﷺ أولى وأفضل، فما آثره به واختصّه إلّا لمعنى علمه فيه. وعلى كلّ تقدير فليس دليلًا على مذمّة البدو الّذي عبّر عنه بالتّعرّب، لأنّ مشروعيّة الهجرة إنّما كانت كما علمت لمظاهرة النّبيّ ﷺ وحراسته لا لمذمّة البدو، فليس في النّعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمّة التّعرّب، والله سبحانه أعلم وبه التّوفيق"([57]).

وقال ابن الأزرق بعد بيان بعض مزايا البدو: "وَمَعَ ذَلِك فللحضر من الْفضل على البدو مَالا يخفى وَإِنَّمَا هَذَا بِاعْتِبَار مَا يعرض من الشَّرّ بِالْقَصْدِ الثَّانِي"([58]).

قلت: وسكنى البادية والتعرب مباحة لأهلها، فليس بواجب عليهم سكنى الحواضر، ولكن يستحب لهم ذلك اغتنامًا لطلب علم الشريعة، وشهود الجمعة والجماعة، ونحو ذلك. أما أهل الحاضرة فلا ينبغي لهم التعرب ابتداءً إلا لمبرر من الشرع، كخوف الفتنة في الدين أو الدنيا ونحو ذلك، وبالله التوفيق، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله ومن تبعه بإحسان.

إبراهيم الدميجي

14/ 11/ 1446

aldumaiji@gmail.com

 



([1]) مسلم (2812).

([2]) أخرجه مسلم (2865).

([3]) أحمد (8736) وأبو داود (5116). وصححه ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/247)، وحسنه المنذري والألباني والأرناؤوط.

([4]) أخرجه مطولاً الترمذي (3615)، وابن ماجه (4308) واللفظ له، وأحمد (10987) وصححه ابن تيمية في منهاج السنة (7/256) والألباني في تخريج كتاب السنة (793).

([5]) أخرجه أبو داود (٣ / ٢٧٨)، والترمذي (٤ / ٥٢٣) وحسنه. وجاء في كتاب كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق بهامش الجامع الصغير (٢ \ ٩٧) بلفظ: «من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل». رواه الطبراني، وجاء في الجامع الصغير ومعه كنوز الحقائق (٢ \ ١١٢) بلفظ: «من بدا جفا». رواه الإمام أحمد (٤ / ٢٩٧) ورمز له السيوطي بأنه حسن، وجاء فيه أيضًا بلفظ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن»، وأشار إلى أنه أخرجه الطبراني في الكبير، ورمز له بأنه حسن.

([6]) لسان العرب (٢/ ٧٥)، والتاج (٣/ ٣٣٤)، والمغني (٧ / ٥٢٧).

([7]) مسلم: (1731).

([8]) وقد ذكر الفقهاء اثني عشر حكمًا يخص أهل البادية عن الحاضرة، وفي بعضها نقاش. وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٨/‏٤٥).

([9]) أخرجه ابن ماجه (4032)، وأحمد (5022) باختلاف يسير، والبخاري في الأدب المفرد (388) واللفظ له. وحسنه الحافظ في بلوغ المرام (451) وصححه الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار (5544) بلفظ: «المسلم الذي..". وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3273).

([10]) السنة لأبي بكر بن الخلال ١/‏١١٦

([11]) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور (10/ 591).

([12]) أخرجه ابن جرير ١١/ ٦٣٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٦.

([13]) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور (10/ 593).

([14]) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٦.

([15]) أخرجه أحمد ٥/ ٣٦١ (٣٣٦٢)، وأبو داود ٤/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٢٨٥٩)، والترمذي ٤/ ٣٠٩ - ٣١٠ (٢٤٠٦)، والنسائي ٧/ ١٩٥ (٤٣٠٩). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري». وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية ٣/ ٣٥٠: «إسناده جيد». وقال العيني في عمدة القاري ٢١/ ٩٢ بعد نقله لتحسين الترمذي: «وأعلَّه الكرابيسي بأبي موسى أحد رواته، وقال: حديثه ليس بالقائم». وقال المناوي في التيسير ٢/ ٤٠٧: «رواه الطبراني، عن ابن عباس، وإسناده حسن». وقال في موضع آخر ٢/ ٤٢٣: «رواه أحمد عن ابن عباس، قال الترمذي: حسن. ونُوزِع بأنّ فيه مجهولًا». وقال الرباعي في فتح الغفار مُعَلِّقًا على كلام الترمذي ٤/ ٢١٤٢ (٦٢٧٢): «وكفى بالثوري في الثقة والحفظ والأمانة والإتقان، ورجاله من فوق رجال الصحيح، فإنّه رواه الثوري عن إسرائيل بن موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس». قلت: وحسنه السيوطي في الجامع الصغير (8538) وضعفه الأرناؤوط. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2241): صحيح لغيره.

([16]) البخاري (٧٠٨٧) ومسلم ( 1826 ).

([17]) البخاري (٧٠٨٨).

([18]) أحمد (١٦٦٠١) وحسنه الحافظ في الفتح (13 / 41)، وحسنه الأرناؤوط، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (5/297): "رجاله ثقات، رجال مسلم، غير محمد بن إياس ترجمه البخاري وكذا ابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا».

([19]) أحمد (١٦٦٠٢) وصححه الألباني والأرناؤوط.

([20]) موقع الشيخ ابن باز. فتاوى الدروس. ما حكم مَن يرتد أعرابيًّا بعد الهجرة؟

([21]) مسلم (1628).

([22]) شرح الكوكب المنير (277 ، 278).

([23]) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٤)، والطبراني في الكبير (٥٦٣٦). وحسَّنه الألباني في الصحيحة ( 2244 ).

([24]) ورجح ذلك شيخ الإسلام، ونسبه لجمهور الصحابة وسادتهم.

([25]) فتح الباري (13 / 41).

([26]) تفسير الطبري (١٦/‏٢٩٣). والعَمُود: هو الخشبة القائمة في وسط الخباء أي: الخيمة وبيت الشعر، والأخبية: بيوت أهل البادية، فأهل العمود: أهل البادية، كما يدل عليه السياق هنا، وكما بينه ابن زيد في تفسير هذه الآية إذ قال: «أهل القرى أعلم وأحلم من أهل البادية» (تفسير أبي حيان 5 : 353). وقال الشاعر:

ومَا أهْـلُ العَمُود لنَا بأَهْلٍ     ولاَ النَّعَمُ المُسَامُ لَنا بمَالٍ

([27]) أخرجه أحمد (2687)، وابن حبان (6384)، والطبراني (10897) (11/ 18) باختلاف يسير. وصححه العراقي وأحمد شاكر والألباني.

([28]) تفسير ابن كثير ٤/‏٤٢٣ باختصار يسير، وبنحوه عند البغوي.

([29]) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٩/‏٢٧٤

([30]) تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن ١/‏٤٠٦

([31]) مسلم (520).

([32]) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير (١/ ٢٢٦).

([33]) العين، للخليل الفراهيدي ٨/‏٨٣ وقال الأزهري في تهذيب اللغة ١٤/‏١٤٢: «قَالَ اللَّيْث: الباديةُ اسمٌ للْأَرْض الَّتِي لَا حَضَر فِيهَا وَإِذا خرج النَّاس من الْحَضَر إِلَى المراعي فِي الصحاري قيل: قد بَدَوْا، وَالِاسْم: البَدْوُ.

قلت: الباديةُ خِلاف الْحَاضِرَة والحاضرةُ القومُ الَّذين يحْضرُون الْمِيَاه وينزلون عَلَيْهَا فِي حَمْراء القَيظ فَإِذا بَرَد الزمانُ ظَعَنُوا عَن أَعْدَادِ الْمِيَاه، وبَدَوْا طَلبًا لِلْقُرْبِ من الكَلإِ، فالقوم حينئذٍ باديةٌ بَعْدَمَا كَانُوا حاضِرةً، وبادُون بَعْدَمَا كَانُوا حاضرين، وَهِي مَباديهم جمع مَبْدًى، وَهِي المناجِعُ ضِد المحاضر، وَيُقَال لهَذِهِ الْمَوَاضِع الَّتِي يَتَبَدَّى إِلَيْهَا، البَادون: باديةٌ أَيْضا وَهِي البوادِي وَالْقَوْم أَيْضا بَوَادٍ، جمع باديةٍ».

([34]) نقل القرطبي ٩/ ٢٦٧ عن ابن عباس: «كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف، وله بها مسجد تحت جبلها». قال ابن الأنباري: «بدا» اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا، وهما موضعان ذكرهما كُثيِّر فقال:

وأنتِ التي حَبّبْتِ شَغْبًا إلى    بدا إليَّ وأوْطَانِي بلادٌ سِواهُمَا

وقال الواحدي بعد نقل ذلك في التفسير البسيط ١٢/‏٢٥٢: «والبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا، يقال بدا القوم يبدون بدوًا، إذا أتوا بدًا، كما يقال: غار القوم غورًا، إذا أتوا الغور، فكان تلخيص الحرف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ﴾ من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده حضريين؛ لأن البدو لم يرد به البادية، لكنه عني به قَصْدُ بدا». وكذا قاله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/‏٢٦٧

([35]) المحيط في اللغة، للصاحب بن عباد ٩/‏٣٧٣ وذكر علماء اللغة: أن العرب: هم سكان القرى والمدن، أي: الحضر، فهم أهل الحاضرة. أما الأعراب: فهم سكان البادية. ويقال للرجل أعرابيًا إذا كان بدويًّا همّه البحث عن الكلأ وتتبع الغيث والرعي، وأما من ينزل الريف ويستوطن القرى والمدن فهو عربي، وإن كان دون الأعراب في الفصاحة وفي سلامة اللغة، ويقال للأعراب «الأعاريب»، وذلك جمع للأعراب. فالأعرابي البدوي، وهو صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم، ومن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها مما ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء. وانظر: اللسان (١/ ٥٨٦)، وتاج العروس (١/ ٣٧١).

([36]) تفسير الطبري، جامع البيان ١٦/‏٢٧٥

([37]) البخاري (3455).

([38]) شرح سنن أبي داود للعباد ٤٣٠/‏٢١

([39]) أخرجه أبو داود (٣ / ٢٧٨)، والترمذي (٤ / ٥٢٣) وحسنه. وجاء في كتاب كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق بهامش الجامع الصغير (٢ \ ٩٧) بلفظ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل» رواه الطبراني، وجاء في الجامع الصغير ومعه كنوز الحقائق (٢ \ ١١٢) بلفظ: «من بدا جفا» رواه الإمام أحمد (٤ / ٢٩٧) ورمز له السيوطي بأنه حسن، وجاء فيه أيضًا بلفظ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن»، وأشار إلى أنه أخرجه الطبراني في الكبير، ورمز له بأنه حسن.

([40]) أخرجه أحمد (22107) واللفظ له، وعبد بن حميد (114)، والحارث في المسند (606) قال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره. وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد: 2/26: فيه العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ.‏ قلت: وبذلك صعفه الألباني.

([41]) أي: ابن عطية رحمه الله تعالى

([42]) أي: أنهم ليسوا في البادية على الدوام حتى تصح نسبتهم إلى أهل العمود، بل يبدون لنجع ثم يعودون للحضر، وأهل العمود: هم البدو الرّحّل الذين ليس لهم إقامة دائمة بمحِلّة واحدة.

([43]) ومنه الجمعة والجماعة، لانفصالهم عن معنى البادية إلى معنى الحاضرة المستوطنين حتى ولو قلّ عددهم.

([44]) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لابن عجيبة ٢/‏٦٣٥

([45]) وهو خلاف المعنى المشهور للحاضرة الذي يشترط الإقامة الدائمة لا العارضة لأجل القيظ الذي لا يزيد في العادة على ثلاثة أشهر، وعلى كلٍّ فهي صحيحة لغة وعرفًا ونقًلا.

وبالمناسبة فهناك اختلاف في بعض مسميات المواسم بين المتقدمين والمحدثين، فالقيظ مثلا لديهم هو ما يسمى بالصيف لدينا، يبدأ عندهم من طلوع نجم الثريا ويمتد إلى طلوع سهيل تقريبًا.، والصيف لديهم هو الربيع لدينا. ولا زالت العامة بنجد تسمّي الصيف قيظًا والربيع صيفًا كعادة أسلافهم. وقد ذكر الصيف في السنة فعَنْ البَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ﴾ [النساء: 176]، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «تُجْزِئُكَ آيَةُ الصَّيْفِ»، رواه الترمذي (٣٠٤٢) وصححه الألباني. وهي التي نزلت في الصيف، وتُسمَّى هذه الآيةُ بآيةِ الكَلالةِ وآيةِ الصَّيف، أما الآية التي في أول السورة فقد نزلت في الشتاء. والأظهر أن السائل هو عمر رضي الله عنه كما بينه الحديث الآخر الذي يرويه عمر رضي الله عنه، والله أعلم.

قَالَ الأَزهري في تهذيب اللغة ٩/‏٢٠١: «الْعَرَبُ تَقُولُ: السَّنَةُ أَربعة أَزمان، وَلِكُلِّ زَمَنٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَشهر، وَهِيَ فُصُولُ السَّنَةِ: مِنْهَا فَصْلُ الصَّيْفِ وَهُوَ فصلُ رَبِيعِ الكَلإ آذارُ ونَيْسانُ وأَيّارُ، ثُمَّ بَعْدَهُ فَصْلُ الْقَيْظِ حَزِيرانُ وتَموزُ وَآبُ، ثُمَّ بَعْدَهُ فَصْلُ الْخَرِيفِ أَيْلُولُ وتَشْرِين وتَشْرين، ثُمَّ بَعْدَهُ فَصْلُ الشِّتَاءِ كانُونُ وكانونُ وسُباطُ».

قلت: وهذه هي الأشهر الشمسية عند العرب الذين أخذوها من السريان، وقد نادى الراهب الروماني ديونيسيوس أكسيجونوس في منتصف القرن السادس بأن يكون ميلاد المسيح هو بداية للتقويم بدلًا من استخدام التقويم الروماني الرائج لديهم حينذاك، وقد نجح في دعوته، فبدأ النصارى يعتمدون طريقته من عام 532 م. تقريبًا، ويُعرف هذا التقويم الميلادي بالتقويم الجريجوري أيضًا، مع علمهم بأنه غير موافق لميلاد المسح عليه السلام، ولكن هكذا جرى الأمر.

([46]) أخرجه أبو داود (٣ / ٢٧٨)، والترمذي (٤ / ٥٢٣) وحسنه. وقد مرّ.

([47]) أخرجه أبو داود (3602)، وابن ماجه (2367) وحسنه البزار في البحر الزخار 15/259. وحسنه أيضًا ابن عبد الهادي في حاشية الإلمام (646). وقال ابن المنذر في الأوسط 7/273: «تكلم غير واحد من أهل العلم في معنى حديث أبي هُرَيرةَ هذا، فدفع ناس من أهل الحديث أن يكون الحديث ثابتًا. وقال بعضهم: هو غلط». وقال الذهبي في فيض القدير (6/ 391): «منكر على نظافة إسناده». وقال ابن باز في حاشية بلوغ المرام (753): «رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه». وصححه الألباني والأرناؤوط.

 

([48]) قلت: والجمهور على قبول شهادته ما دام مسلمًا عدلًا، ويحمل الحديث على من جُهلت عدالته منهم، وهذا الحكم عام فيهم وفي الحاضرة، لكن لما كانت الجهالة بهم أكثر ذكروا لأن كثيرًا منهم مظنة الجفاء ورقة الدين والاستهانة بالشهادة لقلة العلم والفقه، أما من ثبتت عدالته فقد ثبتت شهادته، وبهذا تجتمع الأحاديث. والمذهب في رواية وأيضًا المالكية على عدم قبول شهادته على القروي لا على بدوي مثله؛ لأنه متهم حيث أشهد بدويًّا ولم يستشهد قرويًّا مثله.

([49]) لسان العرب (١٤/‏٦٧-68) مختصرًا.

([50]) أخرجه البخاري (6599)، ومسلم (2658).

([51]) البخاري (7087) ومسلم (1862).

([52]) مسلم (1628).

([53]) البخاري (2783)، ومسلم (1353).

([54]) وهو الأظهر، وأعني به إلى المدينة على عهد رسول الله صلى لله عليه وسلم، أما ما عداها فباقية إلى قيام الساعة إذا وقعت أسبابها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها». أخرجه أبو داود (2479)، وأحمد (16952) وصححه الألباني.

([55]) هو خزيمة بن ثابت الأنصاري من أصحاب رسول الله ﷺ وقد جعل شهادته بشهادة رجلين في قصة.

([56]) العَناق: أم الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة. وقد أجاز النبي ﷺ لأبي بردة ابن نيار رضي الله عنه خاصة أن يضحّي بها.

([57]) تاريخ ابن خلدون (١/‏١٥٤-155).

([58]) بدائع السلك في طبائع الملك، لابن الأزرق (١/‏٤٨).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق