توبة السّيّاب
الحمد لله، وبعد؛ فلقد قال الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب ؒ (1926 ـ
1964م) قصيدة جميلة في مرض موته، وقد ابتلي بنوع شللٍ ألزمه فراشه حتى أصابته قرح
الفراش، وشحب لونه، وهزل جسده، وقد ختم بها حياته، وعسى أن تكون توبة له نصوحًا،
فالعبرة بالخواتيم كما قال النبي ﷺ: «الأعْمالُ بِالخَواتِيم»([1]).
وقال ﷺ: «إنَّما الأعْمالُ بِخَواتِيمِها، كالوِعاء: إذا طابَ أعْلاَهُ طابَ
أسْفَلُه، وإذا خَبُث أعْلاَهُ خَبُثَ أسْفَلُه» ([2]).
ولقد مرّ السياب بمحطات حياتية فكرية بعضها شديد الانحدار، لكنه ـــ كما قيل
ـــ قد رجع لربه قبل مماته وتاب وأناب وألف كتابه «كنتُ شيوعيًّا».
وقد قال في مرض موته هذه القصيدة([3])
وقد ضمّن حشوها جميل الحمد والحب والصبر والرضا واليقين، وفيها بعض الشكوى التي ليته
سلم منها، وقد وسمها بـ«سفر أيوب» ([4]):
لك الحمدُ مهما استطال البلاءُ |
ومهما استبدّ الألم |
لك الحمدُ، إنّ الرزايا عطاء |
وإنّ المصيباتِ بعضُ الكرم |
ألم تُعطني أنت هذا الظلام |
وأعطيتني أنت هذا السَّحَر([5]) |
فهل تشكر الأرضُ قطرَ المطر |
وتغضب إن لم يَجُدْها الغَمامُ([6]) |
شهورٌ طِوالٌ وهذي الجراح |
تمزّقُ جنبيَّ مثل المُدَى |
ولا يهدأ الداءُ عند الصباح |
ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالرَّدى([7]) |
ولكنّ أيّوبَ إن صاح صاح: |
لك الحمد، إنّ الرّزايا ندى |
وإنّ الجراح هدايا الحبيب |
أضمّ إلى الصّدر باقاتها([8]) |
هداياك في خافقي لا تغيب |
هداياك مقبولة هاتِها |
أشدُّ جراحي وأهتفُ بالعائدين |
ألا فانظروا واحسدوني |
فهذى هدايا حبيبي |
جميلٌ هو السّهدُ أرعى سَمَاك |
بعينيَّ حتى تغيبَ النجوم |
ويلمس شُبّاكُ داري سَنَاكَ([9])
|
جميلٌ هو الليلُ |
أصداءُ بومٍ |
وأبواقُ سيارةِ من بعيد |
وآهاتُ مرضى، وأمٌ تُعيد |
أساطيرَ آبائها للوليد |
وغاباتُ ليل السُّهاد |
الغيومُ تحجّبُ وجهَ السماء |
وتجلوه تحت القمر |
وإن صاح أيوب كان النداء |
لك الحمد يا راميًا بالقدر |
ويا كاتبًا بعد ذاك؛ الشّفاء |
|
([3]) وهي من قصائد التفعيلة، أو ما يُسمّى بالشعر
الحُرّ غير الملتزم ببحور أشعار العرب، إن صح أصلًا أن نسمّي ما خلا الشعر العمودي
شِعرًا، وليس كذلك فيما أحسب إلا إن جعلناه في مرتبة تالية للشعر المعروف أوّلًا
والرجز المألوف ثانيًا. فقد يُقبل ذلك إذن تجوّزا لا إقرارًا، لأن له نوعُ جّرْسٍ
لذيذ للأذن، ونوع وزن للكَلِم، وإن كان مفكَّكًا وغير مضطرد، لذلك وسَمُوه بالشعر
الحرّ من قيد العروض، وهذا مأخذُ سهولته لدى الكثير، وكذلك تستحليه كثير من
القرائح لمن يحسنه ـــ فقد صار بأَخَرةٍ مركبًا لكثير من هُزَالى المتشاعرين ـــ
كما قد ضُمّن كمًّا كثيرًا من معاني ونبض الشِّعر الأصيل، وجزالة لفظه، وسلاسة جرسه،
وبهاء رونقه، وطراوة مائه، وعذوبة مأخذه، ونبل مقاصده، ورقّة أهدابه.. وعلى كلٍّ
فلا مشاحة في الاصطلاح سواء أدخلوه في الشعر أو أخرجوه، وليس هو من التنزيل حتى
يلزم التشديد، ففي الأمر سعة إن شاء الله تعالى.
([4]) وفي هذا تشبُّه بأهل الكتاب بتسمية القصيدة
بأسفار كتابهم المحرف، وإن كان قصد الشاعر الإشارة بذلك إلى شبه حاله بشيء من حال
نبي الله الصابر الراضي الكريم أيوب عليه السلام، ولكن كان الأولى خلاف هذا
المُسمّى.
([5]) يقصد
أنّ الظلام عطيّة ربانية له، وبخاصة وقت السَّحر، فيخلو فيه عن الخلق بربه، ويبثه
ما تفيض به نفسه المتألمّة من زَمَانةِ السقام وشوق اللقاء وبرْد الرضا، وانكسار
التائب المنيب.
([7]) كأنه يلمح إلى أنّ خواطرًا بتمنّي الموت تأتيه
ليلًا حتى تمسح ألم طعن سكاكين جراح القروح، وتمنّي الموت لضرر دنيا خطيئة، فعن أنس
ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ ينزل به، فإن كان لا بدّ
متمنِّيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة
خيرًا لي». رواه البخاري (5671)، ومسلم (2680).
([8]) فمِن
رضاه بربه وحمده شكره على ابتلائه صارت البلايا عليه كباقات الورود المُهداة،
لِمَا تضمّنته من معاني التكفير والتطهير ورفعة الدرجات.
([9]) لأنه كسيح طريح الفراش، مشلول لا يمشي هنا
وهناك، بل مقابل لنافذته التي يراعي فيها نجوم السماء وأحوال الأرض، ومن جمال
الأدباء أن خيالهم المُترع بالجمال يصوّر لهم المعاني متجسّدة، فيتذوّقونها
بقلوبهم، ويشمّونها بأرواحهم، ويتناولونها بعقولهم، وإن كانت عن الحسّ بعيدة، بل
حتى الشيء الذي يراه بعض أهل الكثافة في الغاية من الوحشة ـــ كصوت البوم ـــ نراه
يصوره كنغمٍ جميل لقيثارة ناعمة، وذلك للطف روحه، ورقّة طبعه، ورهافة إحساسه، رحمه
الله تعالى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق